مشاهدة النسخة كاملة : الدولة محايدة .. إذن فالكلمة للرياضيين (محمد ولد اندح)


أبوسمية
05-27-2011, 10:40 AM
الدولة محايدة .. إذن فالكلمة للرياضيين (محمد ولد اندح)

"ليس للدولة مرشح هذه المرة".. "سنقف على المسافة نفسها من كل المرشحين".. "من هم في الساحة مرشحون جيدون ولا اعتراض للدولة على أيٍ منهم"..
كلمات من بين أخرى تتسق معها في المعنى وتختلف في التعبير ولها الدلالة نفسها، هي أبرز ما يرد هذه الأيام على لسان وزيرة الرياضة الموريتانية السيدة سيسي بنت الشيخ؛ مؤداها أن الدولة قررت فعلاًً الحياد هذه المرة بين المرشحين لاعتلاء منصب رئيس الاتحادية الموريتانية لكرة القدم، وهي بالتالي ستترك للروابط والأندية والرياضيين جميعا حرية الاختيار بين الأسماء المطروحة بدون أي ضغوط.
ولم تكن الدولة لتهتدي إلى هذه الخطوة الحكيمة لولا الأصوات المتزايدة التي تنادي بضرورة إصلاح هذا القطاع الحيوي المهم، والذي طالما ترنح تحت وطأة الكسل والفساد واللا مبلاة وسوء التسيير، فأرادت الدولة بهذه الخطوة أن تبعد عن نفسها سلفاً تهمة المسؤولية عن فشل المنتخبين القادمين لو حصل هذا الفشل، فليس للدولة من أيادٍ في انتخاب الرئيس القادم، وأما إذا تحقق ما يُنشد من إصلاح فلابد وقتها أن يحسب للدولة نصيبها من ذلك، إذْ لولا حيادها لما تمكن الرياضيون في هذه الحالة من اختيار من يرونه الأصلح والأقدر على تسيير وإدارة شؤون كرة القدم في بلدنا.
هو إذن واحد من أهم القرارات التي اتخذتها الدولة في تاريخها لصالح اللعبة الرياضية الأشهر في العالم، والتي باتت صناعة ومجداً ورمزاً وطنياً وسيادياً لا غنى عنه لأي بلد، وما تأكيد وزيرة الرياضة المتكرر في كل المحافل واللقاءات على هذا الحياد إلا دليلاً على وجود رغبة حقيقية في إصلاح هذا القطاع، ويدرك كل الرياضيين أن الإصلاح يبدأ من الإدارة التي ستشرف على تسيير وإدارة الاتحادية الوطنية لكرة القدم..
هكذا إذن سيدخل المرشحون لمنصب رئيس الاتحادية إلى حلبة الصراع دون امتيازات "حكومية" مسبقة لأحدهم، فلن يكون بمقدور المرشح أن ينال نصيباً غير الذي سيجنيه بيده؛ ببرنامجه وبأسلوبه في الإقناع.. بعلاقاته مع الرياضيين.. بثقة الناخبين فيه.. فليس ثمة من أداة أخرى تميزه عن بقية منافسيه، فلن يحصد من الأصوات إلا ما يستطيع بنفسه أن يحصل عليه.. فالرسالة مفادها أنْ ليس لأي مرشح إلا ما سعى .. !
بمعنى آخر.. أن البرنامج الذي يحمله كل مرشح والطموح والتحدي الذي يرفعه سيكون لهما وحدهما الكلمة الفصل في النجاح من عدمه، إن اختار الرياضيون والناخبون مصلحة البلاد وانحازوا فعلاً إلى كرة القدم بعيداً عن الإغراءات الأخرى والمصالح الضيقة الخاصة، ووقتها سيكون الاختيار على أساس كفاءة المرشح الذي سيحظى بأصوات الناخبين بناء على ما يملكه من قدرة على العمل واستعداد للتضحية.. وهي أمور يحددها ما لدى المرشح من وقت هو على استعداد لبذله في سبيل ذلك.
الآن.. ليس للدولة إذن مرشح وكل ما أشيع مؤخراً من دعم الوزيرة لأحد المرشحين عارٍ من الصحة، لذلك فإن المنافسة ستنحصر حتماً بين المرشحين دون أي تأثيرات خارجية عن نطاق كرة القدم، باستثناء ما يطرحه البعض اليوم من استفسارات حول موقف رئيس الاتحادية المنتهية ولايته؛ محمد سالم ولد بوخريص والذي تأكد فعلاً انحيازه ووقوفه رسمياً إلى جانب أحد المرشحين، بل وخوضه الحملة معه كما لو أنه مدير حملته ومهندس "صفقاته" وهو قرار لم يكن منتظراً من الرجل الذي ملأ الاتحادية فشلاً وجرّ كرة القدم في البلاد إلى الدرك الأسفل من الانحطاط، وكان عليه بالتالي أن يختم ولايته الفاشلة -على الأقل- بإدارة انتخابات نزيهة يحرص فيها على الحياد، لعل الجمهور الرياضي يغفر له بذلك سوء ما عمله طوال سنواته العجاف على رأس هرم كرة القدم في البلد.. لكن الرجل اختار الطريق الخطأ –مثل ما تعود على ما يبدو- عندما حاد عن الحياد، وهو ما يطرح أكثر من استفهام حول قرار الرجل، ويدعو جميع الحريصين على صالح كرة القدم في البلاد إلى القلق محقين على وجود الرجل في حملة أحد المرشحين لمنصب رئيس الاتحادية، فكل شيء يهون عند الرياضيين سوى عودة ولد بوخريص من أي بوابة أخرى مهما كانت إلى أروقة كرة القدم من جديد.
وحتى وإن قلل بعض الرياضيين من أهمية هذا الانحياز المخالف للقوانين ولأخلاقيات الإدارة المشرفة على المنافسة، والتي من المفترض أن تتحلى بالحياد التام والنزاهة المطلقة، فإن المتابعين للشأن الرياضي في البلد يرون أن انحياز ولد بوخريص يسيء إلى سمعة المرشح الذي ذهب في صفه أكثر مما ينفعه، فلا الأندية؛ وهي صاحبة الكلمة العليا في اختيار الرئيس راضية عن هذا الرجل الذي عرفت ولايته مشاكل لا تحصى بينها وبين اتحاديته، ولا الرياضيون المتفرجون من بعيد يسرهم أن يروا ولد بوخريص مجدداً على مسرح كروي في هذا البلد، ولا الدولة نفسها مطمئنة لوجوده في ظل ضغط الجمهور المتزايد عليها لإصلاح القطاع، وهو ما يعني أول ما يعني إبعاد الوجوه التي ارتبطت بالفشل واقترنت أسماؤها وصفاتها معه !
فوجود الرجل إذن في صف أحد المرشحين سيقلب السحر على ساحره ويحوله بين عشية وضحاها في نظر الجمهور من المرشح المخلص إلى المكرس لرموز الفساد ورجاله.
بيد أن الكلمة الأخيرة ستكون للرياضيين الذين يمتلكون الأصوات، وينتظر منهم الجمهور الرياضي أن ينحازوا هذه المرة إلى إرادة ورغبة الجمهور ويختاروا من يرونه الأقرب لينجز شيئاً؛ أيّ شيء، لكرة القدم في هذا البلد، وليكن من يكون، فما نريده هو الرجل الكفء فعلاً لهذا المنصب، فقد سئمنا أن تظل مناصب الاتحادية مجرد أسماء بلا مسميات وديكورا وظيفة رجاله مجرد ملئ الفراغات في المناسبات الرسمية.
آن لنا أن نحصل على رمز السيادة الآخر الضائع علينا، وهو المنتخب الوطني الذي بات وجوده اليوم يعني أحد رموز السيادة ومصدر فخر واعتزاز الشعوب ببلدانها، وهذا لن يتأتى لنا إلا عندما نقوم بتغيير جذري في سياساتنا الرياضية، وذلك يتطلب التحلي بالمسؤولية الكاملة والانحياز إلى الوطن ومصالحه عند اختيار رئيس الاتحادية الوطنية لكرة القدم في التاسع والعشرين من شهر يوليو القادم.

نقلا عن الأخبار