مشاهدة النسخة كاملة : فيم يختلف أوباما ونتنياهو؟ (وحيد عبد المجيد)


أبوسمية
05-25-2011, 09:58 AM
فيم يختلف أوباما ونتنياهو؟ (وحيد عبد المجيد)

بدا رئيس الحكومة الإسرائيلية مرتاحاً خلال لقائه مع أوباما في البيت الأبيض يوم الجمعة الماضي. وحتى عندما تحدث الأخير عن وجود "خلاف بين صديقين" حول العودة لحدود 1967، لم ينزعج نتنياهو بل وجد في هذا الكلام ما يدعم مركزه في حزبه. فكان عدد كبير من أعضاء كتلة "اليكود" اليمينية قد انتقدوا عشية زيارته إلى واشنطن مشروع الخطاب الذي كان أعده لإلقائه أمام الكونجرس لأنه لم يكن واضحاً بما يكفي في رأيهم بشأن رفض العودة إلى حدود 1967. والتزم نتنياهو أمامهم بتعديله وبأن تكون لهجته أكثر صرامة في هذا المجال.
كما أن الإشارة إلى هذا الخلاف كانت ضرورية بالنسبة إلى أوباما لأنها تلبي حاجته لأن يظهر كما لو أنه محايداً بين طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وهذا ما سعى إليه في الخطاب الذي وجهه يوم الخميس الماضي من أجل تصحيح صورته التي تأثرت سلباً بتراجعه عن رؤيته التي طرحها فور توليه الرئاسة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.
لكن فضلاً عن أن الحياد الذي حاول أوباما إظهاره ينطوي على مساواة بين الجاني والضحية، فالخلاف الذي أثير في لقائه مع نتنياهو بالبيت الأبيض يتعلق بتفاصيل صغيرة. فهما يتفقان من حيث المبدأ على عدم إمكان العودة لحدود 1967، لكنهما يختلفان على كيفية حل المشكلة المترتبة عن ذلك. يرى أوباما أن حلها يتحقق عبر تبادل أراضٍ وفق ما قاله في خطابه الخميس الماضي، بحيث تحتفظ إسرائيل بمناطق الكتل الاستيطانية الكبرى مقابل حصول الدولة الفلسطينية على مساحة مماثلة لها وراء الخط الأخضر. أما نتنياهو فهو مضطر للنزول على إرادة أغلبية حزبه التي تريد الاحتفاظ بالمستوطنات الصغيرة أو على الأقل القسم الأكبر منها. وفيما يصر نتنياهو على إبقاء قوات إسرائيلية في غور الأردن، أي داخل الجانب الفلسطيني من حدود 1967، يقترح أوباما في خطابه الأخير انسحاب إسرائيل على مراحل بعد الاتفاق على هذه الحدود. ووفق هذا الاقتراح، يمكن تأجيل انسحاب "إسرائيل" من غور الأردن إلى مرحلة متأخرة بما يضمن بقاء قواتها هناك لفترة طويلة.
فالخلاف، إذن، بين أوباما ونتنياهو أصبح صغيراً وتفصيلياً. وكان هذا واضحاً في الأجواء الإيجابية التي ميزت لقاءهما الأخير (السادس)، والذي جاء في محتواه وأجوائه امتداداً لسابقه (الخامس) المنعقد يوم 16 يوليو 2010، ومختلفاً تماماً عن اللقاءات الأربعة الأولى التي كان التنافر فيها واضحاً قبل أن يدرك أوباما حدود قدرة إدارته على إقناع "إسرائيل" بما ترفضه، ناهيك عن الضغط عليها.
فعندما اقترب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر الماضي، تبين مجدداً أن نفوذ أنصار "إسرائيل" في مراكز صنع القرار وقدرتهم على التأثير في نتائج العمليات الانتخابية أقوى من إرادة أي رئيس يملك رؤية مستقلة للسلام في الشرق الأوسط.
وهكذا اضطر أوباما تحت الضغط الداخلي المتزايد إلى التراجع تدريجياً عن رؤيته لمقومات الحل السلمي الحقيقي، وليس عن طلبه وقف الاستيطان فقط. فلم يكن موقفه تجاه الاستيطان إلا تعبيراً عن فحوى تلك الرؤية التي تقوم على أن السلام يتطلب التزامات متبادلة من الجانبين وليس من جانب واحد فقط، وأن وقف البناء في الأراضي الفلسطينية هو الالتزام الأول الذي يتعين على إسرائيل الوفاء به في هذا السياق المحدد.
وعندما اضطر أوباما إلى التراجع عن رؤيته تلك، لم يطرح بديلاً عنها أو تصوراً آخر يمكن أن يكون أساساً لعملية سلمية جادة. لذلك كان هذا التصور هو ما انتظره كثير من الفلسطينيين، والعرب والمسلمين الآخرين، في خطابه الذي أحبط بعضهم ولم يبعث إلا القليل من الأمل لدى البعض الآخر.
فقد انحاز الخطاب، في جانبه المتعلق بالسلام في الشرق الأوسط، إلى تصور نتنياهو رغم محاولته أن يبدو محايداً. وظهر التقارب في حديث أوباما عن حل تدريجي يبدأ بالاتفاق على مسألتي الحدود والأمن ويرجئ قضيتي القدس واللاجئين، وعن انسحاب تدريجي يمكن أن يحقق - ضمنياً- ما يعتبره نتنياهو مقتضيات الأمن الإسرائيلي وإمكانات الدفاع عن حدود 1967. هذا فضلاً عن تأكيد أوباما على دولة فلسطينية منزوعة السلاح!
وحتى عندما حاول الرئيس الأميركي أن يبدو محايداً فحمَّل الطرفين مسؤولية متساوية عن إحباط الجهود السلمية، لم يجد ما يأخذه على السلطة الفلسطينية. ومع ذلك قال إنها "تركت المحادثات"، وكأنها هي التي عطلتها أو انسحبت منها، وهو يعرف أكثر من غيره أن "إسرائيل" جعلت هذه المحادثات غير ممكنة. ورغم أن رفض أوباما لجوء الفلسطينيين للأمم المتحدة طلباً لإعلان دولتهم، معروف قبل إلقاء الخطاب الأخير، فقد أدى تكراره في هذا الخطاب إلى إحباط محاولته أن يبدو متوازناً في موقفه.
ويعني ذلك أن رحلة التراجع عن موقفه "الإيجابي" تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستمرة في الوقت الذي يقترب موعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2012. فمن الصعب أن يكون أي رئيس أميركي متوازناً بصورة إيجابية ومستعداً لإدارة الجهود السلمية بشيء من التجرد في غياب توازن داخلي بين أنصار إسرائيل ودعاة الحق الفلسطيني. فالخلل الجوهري في ميزان القوى لمصلحة أنصار "إسرائيل" جعل أوباما مضغوطاً بشدة بين رؤيته لحل الصراع ومستقبله السياسي، وهو الطامح إلى فترة رئاسية ثانية يستطيع هؤلاء التأثير على حظوظه فيها. لذلك أدرك أن محاولته تغيير سياسة نتنياهو لن تنجح في ظل استناد رئيس الحكومة الإسرائيلية على مصادر قوة لا يستهان بها في واشنطن، وأنه لن يحقق إنجازاً في الشرق الأوسط وقد يخسر فرصته في فترة رئاسية ثانية. وهكذا فضل أوباما أن يكون أكثر واقعية وأن يحسب حساب موازين القوى الداخلية التي سيزداد تأثيرها في الأشهر القادمة. وحاول أن يعوض ذلك في خطابه الأخير، الذي خصص الجزء الأكبر فيه لموضوع التغيير في العالم العربي، عبر الوعد باستراتيجية تنسجم مع تطلعات الشعوب العربية وببرنامج جديد للمعونات الاقتصادية يبدأ بمصر وتونس.
لكنه لم يفطن إلى أن التغيير الذي أفاض في الإشادة به قد يزيد احتمال تصعيد الصراع العربي الإسرائيلي إذا لم توضع قضية فلسطين على طريق حل حقيقي بأقصى سرعة ممكنة. وليست دعوات "الزحف المقدس" التي يتردد صداها في مصر الآن، وما حدث في ذكرى النكبة الأخيرة (15 مايو) على الحدود اللبنانية والسورية الإسرائيلية إلا علامة أولى في طريق قد يأخذ المنطقة إلى حالة أكثر توتراً إذا بقيت قضية فلسطين دون حل.

نقلا عن المركز الفلسطيني