مشاهدة النسخة كاملة : هل ساهم المثقف الموريتاني في القضاء عليه؟! ( المرابط ولد محمد لخديم)


أبوسمية
05-24-2011, 06:45 PM
هل ساهم المثقف الموريتاني في القضاء عليه؟! ( المرابط ولد محمد لخديم)

كنت قد كتبت مقالات عن دور المثقف في المجتمع..حاولت أن أصل من خالها إلى تصور جديد عن واقع المثقف الموريتاني.مبرزا الأسباب التي أوصلته لهذه الحالة المزرية ومتسائلا في الوقت نفسه عن دوره في قراءة واقع مجتمعه ؟
صحيح أنني لست كالكتاب المتخصصين الموجودين في العالم ولا حتى أصل إلى نصف علمهم ولكن المتابعة والملاحظة علمتني كثيرا من أساليب الكتابة سواء كانت فكرية أو علمية أو دينية.. وهذا كون لدى اجتهاد شخصي قد يكون صائبا أو خاطئا أرى لزاما علي أن أدلى به في كل الأزمات والنكبات المزلزلة..
ما من شك أن للمثقف دوراً كبيراً في واقع الناس ودنياهم، لأنَّ المثقف الذي جمع من المعلومات قسطاً كبيراً ، ينبغي ألاَّ يقتصر على الجمع والاستقصاء والارتشاف والاستقاء للمعلومات فحسب ، بل يطمح بأن يكون له دور ريادي في إصلاح الواقع الذي يعايشه..
وإن تاريخ البشر يقول إن عهود الأزمات الاقتصادية والاجتماعية هي عهود المعالجات العملية لتلك الأزمات نفسها، إذ تنهض لها العقول المفكرة، محللة، معللة، وهكذا كلما عصف التاريخ بالأحداث الشديدة والاضطرابات المدوية قذف التفكير الاجتماعي الواعي بالآثار الفكرية الضخمة. ومجتمعنا اليوم بأمس الحاجة إلى هذه العقول ه لتشخيص المجتمع الذي وجدنا أنفسنا فيه، وكما يقال إذا تزاحمت العقول خرج الصواب..وفي هذا المجال لابد أن نرجع في عجالة إلى البيئة التي أوجدت هذا العقل؛
فعلى الصعيد السياسي كان أبرز ظاهرة في هذا الصدد هو خلو البلاد من سلطة مركزية تطبق الشرع وتدبر أمور الناس، ويتحاكم إليها الخصوم في الوقائع، فلم تعرف البلاد الشنقيطية بعد العهد المرابطي أية سلطة مركزية ولا نظام في الحكم حتى نهاية العقد السادس من القرن العشرين عندما أعلن عن دولة الاستقلال تحت اسم الجمهورية الإسلامية الموريتانية في 28 نوفمبر عام 1960م.
وهذا ما يسمح بالقول أن التاريخ السياسي للبلاد أمتاز بسمة من البداوة يعززها غياب للسلطة المركزية، فكان ذلك دافعا إلى صياغة جملة من الأسماء تلح في معظمها على وصف هذه الأرض بالخروج على السلطة والحكم والابتعاد على الخلافة والنظام، ومن هذه الأسماء "البلاد السائبة" وقد تحدث الشيخ" محمد المامي" عن خلوها من مقومات الملك والسلطان كالدرهم المسكوك والأمير المطاع يقول:
" هي البلاد التي لا حكم فيها ولا دينار ولا سلطان بادية في فترة من الأحكام بين المملكين البوصيابية في الجنوب والإسماعلية في الشمال"، ولاشك أن مسألة السيبة أو التسيب كان لها تأثير كبير على أوضاع البلاد السياسية والاجتماعية، فلعلها هي التي حملت علماء الشرع على أن يكيفوا الكثير من الأحكام البدوية وفق النموذج القائم فاجتهدوا قدر الممكن والمتاح في المصالح والمقاصد بل إن هذا الاستثناء ولد عند أهل الذكر قناعة بعدم جدوى دولة النظام، خشية الفتنة والفساد وقد عبر الشيخ" محمد اليدالي" عن جانب من هذا التوجس مبينا جهل الناس يومئذ بأمور الحكم وفقه السياسة.
ورغم هذا التسيب فإن الثقافة الموريتانية استطاعت أن تفرض للمثقفين الاحترام والتبجيل في ظل مجتمع لم تكن فيه سلطات يأوي إليها المظلوم.
وهذه الثقافة لم تظهر دفعة واحدة بل تبلورت عبر مراحل ومجهود أثقل كاهل هؤلاء العلماء الأفذاذ في تحصيل دؤوب عن طريق قوافل الحج التي كانت تجلب الكتب من الحجاز ومصر وبلاد المغرب العربي وعن طريق الرحلات العلمية التي كان يقوم بها البعض بحثا عن الكتب و الورق.
ظل علماء الشناقطة يراسلون نظراءهم في البلاد العربية ويسألونهم عن نوادر المخطوطات وأماكن وجودها ،فكانوا يطلبون المخطوطات من السلاطين والملوك ويسافرون إليهم من أجل الحصول عليها. وقد أهدى سلطان المغرب لإبن رازكة مكتبة عاد بها من المغرب كما عاد الشيخ سيديا من رحلته إلى مراكش بمكتبة كبيرة وقد رحل الشيخ محمد اليدالي بن سعيد إلى أغادبر وعاد ببعض الكاغد الشاطبي وازدهرت سوق المخطوطات في بلاد شنقيط التي اهتم أهلها بالكتاب واشتروه بأثمان غالية،فقد اشتري" موهوب الجليل شرح مختصر خليل" للحطاب بفرس عتيق، كما أشتري القاموس المحيط بعشرين بعيرا !! .
وانتشر نساخ المخطوطات الذين هم بمثابة دور للنشر وتنافسوا في استنساخ المخطوطات وجلب نوادرها، فكان ذلك ضمانة لبقاء هذه المخطوطات ونشرها في زمن لم تظهر فيه وسائل الطباعة الحديثة.
هذه شذرات من قصة ثقافتنا وماضينا المجيد، تتجسد في حب اقتناء الكتاب ومجالسته، لكن التاريخ لا يكتبه الأجداد، ولا يتحرك على الأرض طبقا للأماني والأقوال في مجتمع فقد فعاليته وفقد معها قدرته على قراءة الأحداث الماضية منها والجارية، فضلا عن المستقبلية وتحول إلى ظاهرة صوتية تقول ما لا تفعل، وتسمع فلا تدون، وإن هي دونت فلن تقرأ، لأنها هجرت التحصيل العلمي.
وإذا اختزلنا الكلام السابق في صيغة رياضية فإننا نجد أن الإنسان صاحب عمل مكون من قول وفعل وحين نضع العمل في معادلته الصحيحة نخرج منه خارج قوس (القول والفعل) ليكون في طرف، واليكن العمل في طرف آخر فتصبح المعادلة:
القول + الفعل = العمل.
فالفعل إما أن يكون مثلا أعلى فهو فعل إله، وإما أن يكون مثلا أدنى فهو فعل الحيوان، أما ما يفعله الإنسان فهو الفعل الذي لا يمكن أن يكون مثلا أعلى، فليس في الوسع قراءة آخر كلمة في صحيفة التطور، ولذا فهو عمل سائر في طريق الكمال ولا يمكن أن يكون مثلا أدنى لأن في هذا إسقاط لصفة العمل عنه واقتصاره على صفة الفعل وعندما يكون كذلك فقد خرج من هاويته الإنسانية والإنسان صاحب عمل مؤلف من قول وفعل، وإذا انفصل قول الانسان عن فعله فقد صفة العمل التي جعلته إنسانا وفقد الحرية، لأن الحرية هي عمل في تحرير نفسه وتحرير وجود من حوله بوعيه لحركة الجدل..... وانحط إلى مرتبة الفعل الأندى مرتبة الحيوان الأعجم.
وحين خرج الإنسان من دائرة الفعل والقول إلى دائرة العمل ليحقق حريته بما يفعل ضل الطريق إلى حريته بسلوكه طريق الفعل وحده أو طريق القول وحده.
أنظر إلى ضياع الحرية الذي تجده في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ الصف: 61-2-3.
لقد ضاعت الحرية بضياع العمل وضاع العمل حين انفصل فيه القول عن الفعل والأصل هو القول + العمل وأكبر تكريم لإنسان أنه اتؤمن على الحرية حين أعطي صفة العمل، وتكون المعادلة الجديدة:
القول + الفعل= العمل و= الحرية
على فرض أن كل طرف من أطراف هذه المعادلة قائم على وعي حركة الجدل، ولما كان الوجود كله مادة خاما لا عمل فيها، فهو ضرورة لا وجود فيه للحرية. لأن هذا الوجود بلغ بحركته أقصى الحرية حين بلغ القيد.
ونحرر منه على مقدار ما نقول ونفعل، أي على مقدار ما نعمل، ونعمل على مقدار ما نعي من حركة الجدل فيه... وكل شيء لا تعمله أنت بيديك فهو ضرورة، ولو نظرت إلى كل الموجودات المصنعة على أنها ضرورة، وأن ما تحرره منها خالصا لك يكون مناسبا مع مقدار عمل ووعيك لحركة الجدل فإن نظرتك هذه من صميم هويتك الإنسانية.
الحرية قيدها العمل، والعمل قيده الحرية، وليس لأحدهما وجود مستقل بذاته، فهناك تحرر العامل. وعمل المتحرر.. والأصل في قيد الحرية هذا أن الطبيعة ضرورة، وكل ما فيها يجري على منهج. ولا سبيل لتسخيره لنا إلا بالعمل...
في عصرنا الحاضر أخذت منابع القوة، تحول مجاريها نحو مجرى منبع واحد هو ينبوع (العلم). بمعنى أن القوة الغاشمة، لم يعد بإمكانها أن تحقق ذاتها على نحو واضح ومقبول من غير (العلم) إذ أن عليها أن تتخذ منه ظهيرا أو أساسا أو ستارا، وهذا ضاعف من مشكلات الأمم التي لم تنل من العلم إلا القليل، وجعل هامش المناورة أمامها محدودا.
المال في زماننا هذا هو المحور الرئيس الذي يدور حوله الكثير من مفردات التقدم المادي اليوم. العلم اليوم ليس شيئا موازيا للمال كما كان الشأن في الماضي. وإنما هو مصدر للمال والثروات العظيمة فمن خلال التقدم المعرفي وتطبيقاته المذهلة، تضاءلت مصادر الثروة الأخرى، الزراعة، الرعي، الثروات الطبيعية والجهد العضلي... بل صار أداء هذه المصادر والأوعية على نحو جيد في تحسن نوعية الحياة مرتبطة بقيامها على أسس علمية متينة يقول (ثورو) الاقتصاد الأمريكي المرموق: إن ثراء الأفراد والبلدان لم يعد يعتمد على نفس العناصر التي كانت سائدة في السابق، ففي السابق كان توفر الموارد الاقتصادية أهم عنصر في المعادلة الاقتصادية، وفي القرن الحادي والعشرين ستصبح قوة العمل والتعليم هما السلاح التنافسي الأول، ولن تعتمد الميزة التنافسي على ثروات الموارد الطبيعية، إذ أنه يعتقد على نحو عام أن الصناعات الرئيسية للعقود القادمة هي الإلكترونيات الدقيقة، والتقنية الحيوية وصناعات المواد الجديدة، والطيران المدني، والاتصالات وأجهزة (الربوت) المزودة بأجهزة القطاع والتشكيل، الحاسبات الآلية والبرامج).
وهذه كلها صناعات المقدرة العقلية، وأي منها يمكن القيام به في أي مكان على وجه الأرض، والموقع الذي ستقام فيه، يتوقف على من يستطيع تنظيم المقدرة العقلية من أجل السيطرة عليها، في القرن من صنع الإنسان.
إن المعرفة التي بحوزتنا هي الوسيط الذي ندرك من خلاله الوجود المادي والمعنوي، والواقع التاريخ والواقع المعيش وهذا الوسيط يتم تطويره عبر الخبرة البشرية. وعبر الكشوف والبحوث المتجددة.
والإنسان حين يكون خاما يكون وعيه بواقعه محدودا، كما أن إدراكه لاتجاهات التطور الذي تتعرض له حياته الخاصة وبيئته اللصقية يكون سطحيا وليس التقدم العقلي والعلمي ونضج الوعي، إلا أمورا تساعد المرء على التعامل مع التفاعلات الجارية، واستثمارها لتحقيق أهدافه الخاصة.
وإن أحد مقاييس التحضر المهمة اليوم يكمن في مدى سيطرة الناس على بيئاتهم الاجتماعية والطبيعية، ومدى قدرتهم على استيعاب سنة التغيير، والتلازم معها. وحركة البحث العلمي في معظم مجالات الحياة تستهدف هذه المسألة على وجه التحديد.
وأول خطوة يجب أن نخطوها، اتجاه مجتمعنا هي فهم واقعه الذي ستؤثر فيه التغيرات المستقبلية وهذا واجب العلماء، قبل المفكرين ،والمؤلفين، قبل الكتاب، والكتاب، قبل المثقفين كل حسب جهده.
وهذه مساهمة متواضعة ممن لا يدعى الأهلية في الخوض في هذه القضايا الشائكة وأستسمح القارئ الكريم في الأسلوب الذي أعالج به هكذا قضايا.. وذلك لما رأيت نفسي فيما تكشف عنه العقبات أمام ظواهر متحولة، متبدلة لا تقر على قرار فهي كاللغة تجمع بين الفصول الأربعة في لفظ واحد، حارها وباردها ومعتدلها، وبين بين، جارية في اليمين جارية في الشمال، مستعلية، مستقلبة كجواد أمرئ القيس: مكر، مفر، مقبل، مدبر معا لا يكبح لها جماح ،ولا تلين لها قناة ،لا نيأس منها كل اليأس، ولا نطمع فيها كل الطمع، فنحن بين اليأس والرجاء دائما...
وتكررت المعاناة وتبين أن من أصعب العقبات ما تحمله الألفاظ في أذهاننا من معان بعينها، فالكلمة صوت نجسد فيه أفكارنا، ولما كان جسد الشيء على مثال ما نجسده، فإن أجساد أفكارنا الصوتية إنما هي على مثال هذه الأفكار التي نجسدها فيها.
وإذا تبين لنا أن هناك ضابطا أو ضوابط تحكم أصواتنا التي هي أجساد أفكارنا فإن هذا الضابط أو هذه الضوابط تحكم الأفكار التي جسدت فيها
مقيدة بها لا تخرج عنها فهل خرجنا عليها في معالجتنا لهذه القضية؟
إن الآراء والأفكار والنظم التي ننتجها بغية إصلاح شأننا العام، تحمل على نحو دائم طابع البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأنا فيها.
"فالثقافة" التي نتشبع بها ليست مجموعة معلومات وأقوال، وإنما هي أنساق من النظم التي تحدد طريقة تفكيرنا، وتعاملنا مع كل ما حولنا. ونحن إذا نفكر في أمور سياسية، واقتصادية، لا نفكر في أمور تمس حياتنا الثقافية فحسب، وإنما نفكر بواسطة حصيلتنا الثقافية وغناها وانفتاحها، وقبل ذلك الإطار العام الذي تشكلت فيه.
إن مما أضر بفهمنا لمسألة نسبة الصواب والخطأ في الأفكار، أننا كثيرا ما ننزع الرأي من إطاره البنيوي وبيئته الثقافية والاجتماعية، فيبدو وكأنه يستمد صوابه من ذاته وقدرته على الإقناع ، واقتناع الناس به .
وهذا حرمنا من فهم المرتكزات العميقة له، ومن فهم البرمجة الثقافية التي وفرها المجتمع لصاحبه. وجعله بالتالي أسيرا لها. لذا نرى أن الخطأ الذي يقع الباحثون عندما ما يدرسون المجتمع الموريتاني (مجتمع البيظان ) هو عدم وعيهم بالمجال الثقافي الموريتاني حينما يغلبون فيه الروافد العربية والإسلامية الوافدة من الشمال على العادات والتقاليد لسكان الأصليين. ولقد أصبح مؤكدا أننا إذا لم نأخذ في الاعتبار تاريخ التراكمات القيمية، وروافد التيارات الثقافية التي تؤسس الظواهر المدروسة فإننا سنسقط لا محالة ضحية لخداع العقل الجمعي، وستبقى على فهم سهل ولكنه متناقض وتبريري إلى حد بعيد وهنا أرى لزاما علينا أن نعرض للنخبة المفكرة في هذا البلد والتي نلاحظ أن شريحة واسعة منهم ارتبطت بالمناهج التعليمية والمقررات الدراسية ومختصراتها وقتلت لديهم روح البحث وحرمتهم من المطالعة خارج المنهاج وكرهت إليهم القراءة والكتابة، حيث حصرت الهدف منهما بالامتحان والشهادة تنتهي الحاجة إليهما ونبدأ القطيعة معهما بالنجاح في الامتحان وتحصيل الشهادة.
وأخرى اقتنصتها وسائل الأعلام والمعلومات السريعة، بما تملكه من جاذبية وسائطها المتعددة في الصوت والصورة والحركة، فآثروها على تحصيل العلوم والمعارف، وسلموا أخيلتهم وأوقاتهم لها، وفضلوا التحول إلى متلق يستمع ويشاهد مسترخيا على أريكته، يتجرع ويحتسى كؤوس الشاي المنعنع مع ما يقدم له من دون كبير تدخل أو اختيار...
آثروا ذلك على معاناة القراءة الجادة وما تتطلبه من تركيز ووعي، فتسطحت الثقافة ونتج عن ذلك داء الأمية الثقافية التي أضرت بحركة النقد، وحدت من تداول الأفكار وأدت إلى ركودها، فضمر الإبداع وتحجرت العقول، وغاصت الثقافة في المياه الآسنة، أما الفئة الباقية فهم مجموعات تحكم فيها الفكر الجمعي للمجتمع الذي لا يسمح عادة بالخروج عليه لأن ذلك يعتبر إيذانا بتخريب روحه الجماعية التي هي المصدر لتلاحمه الهش، فسيطر على هؤلاء الانشغال ببيان الانجازات التي حققها عظماؤها بدل البحث عن وسائل تمكن من تطوير ما قدم الأجداد. وما أعنيه بالنقاش هو النقد البناء لأنه مظهر من مظاهر استيقاظ الوعي: أي وعي الوعي بذاته، وقدرته على تجاوز النماذج الشائعة، والعودة إلى الأصول والأهداف الكبرى في كل المسائل التي تحتاج إلى إعادة نظر. وأهمية النقد تكمن في أننا بشر نصيب ونخطئ، والجميع يعترف بذلك، لكن سلوكنا لا يترجم ذلك الاعتراف.
فالذين يمارسون النقد يلقون الكثير من المشكلات مما دفع جل الناس إلى إيثار الصمت، و تجاوزه بعضهم إلى تزيين الخطأ وتلميعه، مما جعل المشكلات تتراكم، وتفرخ، وتصبح أشبه بأوبئة مستوطنة.
إن كثيرا من الأخطاء والخطايا التي نقع فيها، ليس مصدرها الجهل، وإنما مصدرها الهوى والرغبة في تحقيق المصالح الخاصة، مما يعنى أن تكرارها هو المتوقع، نظر لديمومة أسبابها. والذي يساعد على التخفيف من تكرارها، هو الاستمرار في نقدها بشتى الوسائل وشتى الطرق، فالأخطاء. لا تتبدى دائما للعيان، ولا تتلبس بلبوس واحد، مما يعنى ضرورة الاستمرار في كشفها ومواجهتها.
وتدل مادة "ثقف" في اللغة على تجاوز ما هو طبيعي ومعتاد إلى ما هو أكثر استقامة وتفوقا فقد قالت العرب: ثقف الشيء ثقفا: حذقه، ويقولون ثقف الشيء: أقام المعوج منه وسواه،وقالوا ثقف الشيء إذا كان سريع التعلم له.
وحين تقول اليوم: فلان مثقف، نقصد أنه حاز من العلوم والمعارف ما جعله يبدو متفوقا على الأشخاص العاديين، وما صقل ملكاته حتى جاوز السوية التي يكون عليها الأمي وشبهه. لكننا هنا لا نريد الحديث عن هذا، فالمعارف بكل أشكالها وأنواعها، لا تمثل سوى جزء من ثقافة الشعوب إذ أن المدلول الحديث لكلمة "ثقافة" بات أوسع من ذلك بكثير وهنا تكتفي بتعريف تايلور في كتابه "الثقافة البدائية" حيث قال عن الثقافة " إنها ذلك الكل المركب من المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والأعراف، وكل ما أكتسبه الإنسان باعتباره عضوا في مجمع ما: ومن هذا التعريف فإن الثقافة تشمل:
1ـ منظومات التفكير التي يستخدمها الناس في التعريف على أنفسهم، وعلى العالم من حولهم، والتي يوظفونها في إنتاج المعرفة وتنميتها.
2- ما يستخدمونه من معايير في الحكم عن الأفعال والأشياء المختلفة، مثل العقائد والقيم والأخلاق والأحاسيس الجمالية.
3ـ طرق التعبير والصور والرموز التي يفصح من خلالها الناس عن الأفكار والمشاعر والقيم.
4ـ المعارف والمهارات والوسائط التقنية التي يتعامل الناس من خلالها مع البيئة المحيطة.
ويمكن القول بعد هذا إن الثقافة بمعناها الواسع، تشمل جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، مثل نظم القيم والتقاليد والعادات، ومثل الحقوق الأساسية إلى جانب الفنون والآداب وطرائق العيش. وتأسيسا على هذا التعريف فان الثقافة الموريتانية بسبب ظروفها وملابساتها ـ لم تخل من سلبيات أن للحاضر تجاوزها.
- آن لنا أن نبدع ثقافة تستجيب لمتطلبات عصرنا وطموحنا.
- آن لثقافتنا أن لا تظل الماضي الأعزل في عالم الدول والأمم والقارات.
- آن لثقافتنا أن لا تظل ثقافة تنتظر فتحا خارقا أو "كرامة" في عصر أخص خصائصه التطور العلمي والتقني القائمان على السببية العلمية وعلى الإرادة الإنسانية الفاعلة!!!
- ومن هنا وإلى أن تتحقق بعض هذه النقاط أو كلها فسيبقى لسان حالنا كما هو مشاهد اليوم، ولن نستغرب بعد هذا واقعنا المترهل الحالي. –
والآن لنعالج الموضوع بشعور من الإجلال، لا تحده الحدود الضيقة التي تفرضها أعراف وتقاليد المجتمع وبذا يمكننا أن نحكم وأمامنا الموضوع كاملا، وبهذه الطريقة يمكننا أن نعرض لبعض جوانب القضية.
- ولنأخذ واقع مجتمعنا الحالي فمن الملاحظ: أن الطابع الذي يطبع الجو العام هو غلبة الهوى، الذي جاءت الشرائع لتخرج المكلف من دواعيه إلى الدينونة لله في كل الأمور، وإسلام الوجهة إليه بالكلية، قال ابن عاصم:
القصد بالتكليف صرف الخلق عن دعوات النفس نحو الحق
ومن هذا التعريف نرصد النقاط التالية:
1ـ تشوفنا إلى استهلاك أحدث منتجات العصر وهذا التشوف من غير حدود، ولا يعرف الإرتواء، فنحن بهذا الوصف أكثر حداثة من المنتجين للسلع والأدوات الكمالية أنفسهم.
2ـ علو شؤون الجسد، وإتساع استخدماته على حساب شؤون الروح والمعنى.
3ـ تضاؤل الحوار والتفاهم والتنازل، وغلبة الهوى والإعجاب بالرأي.
4ـ جمع المال لدى كثير من الناس أصبح غاية في حد ذاته بعد أن كان أداة لقضاء الحوائج والاستغناء عن الناس والاستعانة على طاعة الله تعالى وأضحى الناس اليوم لا يعرفون ماذا يصنعون بما يكد سون من أموال.
5ـ الحكم لغريزة القوة ،وليس لعقلانية النظام والمنطق والحق والعدل، فالبطولة خارج القانون تتعمق في الحياة يوما بعد يوم.
6ـ وسائل الإعلام ـ ولاسيما الفضائيات والانترنت ـ تحرك غريزة الجنس وتحطم كل الآداب المرعية في هذا المقام، مما جعل سلوك بعض الناس ـ من كبار وصغار- يتجاوز بخطوات السلوك الجنسي لبعض البهائم.
7ـ تمسكنا بعادات وتقاليد أو جدها العرف أصلا أكثر من تمسكنا بتعاليم ديننا، مع أنها تتنافي مع الحياة الحضارية والدين ونحن إلى جانب هذا غير مقتنعين بها، لكن الخوف من النقد، والخروج من المألوف، وما تواضع عليه المجتمع، هو الذي يجعلنا نرضخ لها فمثلا: نجد مجتمع الغزو الذي قامت عليه" بادية السيبة "الموريتانية قد أوجد سلطة هشة ومتقلبة لأمراء حسان الذين كانوا يجمعون الإتاوات من الفئات التي يحمونها، ولاشك في أن هذه الطبيعة السائبة وإنعدام الأمن وجو البحث عن الحماية هي التي جعلت من القبيلة الموريتانية بناءا تدريجيا بين الصرحاء والخلفاء والغارمين والفئات الخدمية. إلا أن التقسيم الذي يعول عليه يرجع حسب الروايات السائدة إلى إجراء اتخذه ابوبكر بن عمر عندما قسم جيشه إلى ثلاثة أجزاء طائفة تم تسريحها لتتثقف في الدين، وهم الزوايا والثانية تسعى في تحصيل معاش الجميع وهي اللحمة والثالثة احتفظ بها كمقاتلين في حالة استعداد دائم. وهذا التقسيم ظل قائما في الحركة الثقافية بصحراء الملثمين حتى بعد هجرة القبائل الحسانية إلا أنه أتخذ تسميات ووظائف جديدة "العرب" أهل الشوكة وظيفتهم احتكار القوة العسكرية والسلطة السياسية ."الزوايا" يقومون على التعليم وأما اللحمة فيشتغلون بالرعي والخدمات الأخرى.
وبهجرة هذه القبائل العربية إلى هذه الديار ستشهد هذه المنطقة الكثير من الحروب كان من أهمها الحرب التي وقعت بين ارستقراطية "الزوايا" و ارستقراطية العرب "حسان" وهي حسب تعبير محمد المختار ولد السعد كانت من حيث الجوهر "صراعا طبقيا" على المصالح المادية والسياسية بين قطبي الزعامة في مجتمع "البيظان" لعب فيه العامل الديني دورا هاما جدا لا كسلاح " إيديولوجي" فقط وإنما كمفهوم عقائدي ونظرة سياسية للعالم والذي تقصده هنا هو الطرف المهزوم الذي يعتبر المنتج الفعلي للعلم، والقائم على الدين والذي إنصرف إلى مناطق نفوذ أخرى عله يجد فيها ما يغطي ذلك العجز الذي عرفه. فانتشرت ظاهرة الخوارق وتداولها الناس رواية وإنشاء، بل ألفت كتب كثيرة ،في كرامات وخوارق أولياء وصالحي هذه المجموعة، وما ذاك إلا إشهارا لا وعيا لسلاح آخر كان له بالفعل دوره في معادلة السلطة السياسية وفى التأثير على واقع الناس المعاش. كما أن انتشار علم الأسرار، والأوقاف، وعلومه بين صفوف هذه المجموعة واستغلال أفرادها به، كان لاشك وسيلة ثانية، تنضاف إلى السابقة لهذا الهدف المعلوم الذي كانت له نتائجه العملية المؤثرة. يقول صاحب كتاب "مجتمع البيظان" إن الزوايا عندما جردوا من السلاح في نهاية تلك الحرب، فإنهم طوروا "أسلحة" معنوية قد لا تقل أهمية عن السلاح العادي. فبواسطة تلك الأسلحة اللامرئية " كان الزوايا يمارسون ضغوطا على بقية الفئات الاجتماعية البيظانية ويستشهد بأقوال بعض المستكشفين إذ يقول أحدهم في هذا السياق:
" الشخصيات الدينية الذين يتزينون بلباس الدين الجديد الجدير بالاحترام لديهم وسيلة أكيدة دوما لتنفيذ رغباتهم" يقول مولين وهو مستكشف فرنسي.
ويعزى للمسمى كاي قوله إن الوظيفة الدينية للزوايا جعلتهم يعتبرون موزعين للرحمة والغفران، لذلك فكانت طلباتهم لا ترد أبدا، مشيرا إلى أن تلك الطلبات لا توجه فقط إلى حسان وإنما وبشكل خاص إلى التابعين ،الذين يتم تخويفهم بصواعق القدر والخلود في النار إذا هم لم يستجيبوا لتلك الطلبات .
كما يستعرض قول الأستاذ عبد الودود ولد الشيخ في هذا الصدد حيث يصف السلطة اللامرئية "بإدارة " " عالم الغيب" مضيفا أن تسيير عالم الغيب ليس سوى جزء من الأدوار المتعددة التي يضطلع بها الزوايا داخل المجتمع البيظانى وهي حسب قوله أدوار تشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية. وما نريد أن نصل إليه أن كل هذه الاعتبارات جعلت تلك الفئة وهي سادنة الدين إذ ذاك والقائمة على إعمار الأرض والإنتاج، تقوم بأدوار سياسية بالغة التأثير والوقع في حياة المجتمع الموريتاني التقليدي.
وهذا ما يفسر لنا سرقة الأموال العمومية كردة فعل طبيعة على ذلك النموذج السلطوي الأميري البدوي موزع العالم وهذا ما يوضح التطور التاريخي الطبيعي للوضع السياسي البدوي السائب. إن فهم السلطة السياسية بوصفها قيما على مخزن عام للمجتمع الحق في الأخذ منه دون رقابة كما هو حال الغنائم المأخوذة من الفتوحات أو الغزوات هو الذي يتيح هامشا كبيرا للتغافل عن نهب الأموال العمومية من قبل النخب الحاكمة وكبار موظفي الدولة معللين ذلك بأن المخزن هو تجميع ثروة المجتمع التي تجبى عن طريق الغنائم الحربية، وما دامت السلطة تجمع المواطنين في ديوان العطاء، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
ثم توزع هذه الثروة التي يتم الحصول عليها في العادة بطرق سهلة، فإن عليه إنفاقها بنفس السهولة، فما دام مصدر المال غير محدد ولا طبيعي كما يقول ابن خلدون ـ فإن صرفه أيضا يتم بشكل غير مراقب ولا شرعي. مما يعيدنا إلى أساليب البدو القديمة في اقتسام الغنائم. وعلى ضوء هذا يرى أكثرية الكتاب الموريتانيين أن فتاوي الزوايا حول مال حسان " أصحاب السلطة" الذين يسمونهم مستغرقى الذمم، تجد تأسيسا دينيا طريقا بجواز الأخذ من المال العام لمن يقدر عليه في ظل سيادة السلب والنهب والظلم. حسب تعبير الباحث محمد محمود لد سيد يحي صاحب كتاب؛ (المجتمع الفضفاض) وربما تكون هذه العقلية، ما تزال سائدة إلى يوم الناس هذا.
ونحن نرى أن تلك الأحكام والفتاوى الشرعية مازالت على حالها خاصة في مجتمع إسلامه طقوسي لا أثر فيه لفقه المعاملات، ويعتمد المذهب المالكي، الذي يعتني بالرواية، أكثر من اعتنائه بالرأي، حسب تعبير ابن خلدون ويعلل ابن خلدون ذلك بأن المذهبين المالكي والحنبلي انتشرا في الأقاليم البدوية مثل جزيرة العرب وشمال إفريقيا، وهما أقل اعتمادا على الرأي، وأكثر اعتمادا بالرواية، بينما على العكس منهما المذهبان الشافعي والحنفي، لأكثر اعتمادا على الرأي وأقل اعتماد على الرواية، وهما اللذان انتشرا في الأمم المتحضرة، والأمصار الكبيرة التي ذهبت عنها البداوة كمصر، والعراق، والشام وعند أمم العجم من ترك، وفرس وهنود. كما أننا نختلف مع رأي الكتاب السابق بدليل أن هذه الفتاوي فقدت كل أساس كانت تقف عليه، فلم تعد السلطة في أيدي أمراء "حسان" ولم يعد مفهوم "الزوايا" كما كان آنذاك.
أضف إلى ذلك أن الطائفتان إنما هما جزء من المجتمع الموريتاني المتعدد الأعراق الذي يعيش تحت ظل الجمهورية الإسلامية الموريتانية، كسلطة مركزية، منذ 28 نوفمبر 1960 تحقق الملكية العامة في كل ما كان من مرافق الجماعة، وعن الضروريات للحياة العامة، وتتولى عن الجماعة شؤونها ووسائلها.
لقد أصبح سيئا للغاية أن ينطق رجل الدين أمام الناس.أو أمام الطلاب بقضايا متقادمة، قال بها الأولون، دون أن يحاول مزج المعرفة التقليدية للجديد، وأكثر ما تتجلى هذه المعرفة التقليدية في علم التوحيد أو الكلام أو مباحث العقيدة على اختلاف المصطلحات. حيث يصر بعض الأساتذة على حكاية النزاع بين المعتزلة وأهل السنة، والفرق بين الأشاعرة والماتريديه، ووجهة نظر الشيعة والخوارج، والخلاف بين الجبرية، وغيرهم وتناقض بين العقل والنقل وتساندهما.
وكل هذا يدور في حلقة مفرغة، بعيدة عن تفكير الشباب المتحول، لأن هذا الكلام قد أدى وظيفته على خير وجه، حين كان جزء من صراع عصرهم حول المفاهيم والقيم، فلما مضى عصر أصبح جزء من تاريخ الفكر، لا أساسا من أساس النقاش الحي النابع من التجربة المعاشة. ولذلك يعجز هذا الكلام من إقناع ملحد، حديث بخطئه، لأن أسباب إلحاده ليست من موضوعات الكلام، فالجدل الحديث لا يناقش حول الجوهر والعرض، ولا حول القدم والحدوث، وإنما هو يناقش حول حتمية المادة، ووجود المادة الواقعية والمادة العقلية، والعلاقة بين المادة والحركة، حيث ينتهي كل موجود مادي في حقيقة إلى حركة، والاحتمالات الرياضية لتأثير الصدفة في نشأة الكون، وامتداده، وحتمية التطور. وحقيقة الوجود في ضوء الإدراك الجديد لنسبية الظواهر الكونية وأهمها الزمان، ذالك البعد الرابع الذي كشفه، اينشتاين .
ينسحب هذا الكلام أيضا على فقهاء الشناقطة الجدد الذين يتوهمون أنهم مجرد وارث للشناقطة الأوائل،عليهم أن يستغلوا تركتهم في خلق ملذاتهم،فإذا ما جوبهوا بتحديات العصر لجئوا إلى المباهاة بالتراث المتمثلة في صياغة العقل الموريتاني الذي أصبح يعيش بعقل متأخر عن الركب الحضاري بعدة قرون ويعيش بجسم القرن الواحد والعشرون....
فهل سنعتمد على تراثنا ونتفهم ما فيه ونحسن التعامل معه، ليس بحثا فقط وإنما تطبيقا وتجسيدا لننشأ حداثة مبنية على أصالة، ومعاصرة مبني على تراث.
قبل أن تجرفنا الحضارة الغربية، بوسائطها المختلفة، لنعيش بعد ذلك نوعا من الضياع، بدأت تتكشف بوادره في العقد الأخير حيث أن مجتمعنا بدوي يهرب من التفكير سواء بانغماسه في الملذات ، أو تكييفه لهذه العادات الوافدة مع عقله الجمعي.
وإن كانت الأحكام والفتاوى الشرعية السابقة قد أدت دورا تاريخيا معينا، فقد تعداها مد العلم والثقافة، ومن الخطأ أن نظن أن أخبار السلف هدف ثقافي يقصد لذاته كمتعة عقلية، دون أن يكون وراء ذلك مشروع إنهاض، وخطة توعية من أجل صنع الحاضر، والتأثير في الأجيال القادمة.
حسب هؤلاء السلف أنهم كانوا أمثلة مسهمة في صنع عصرهم، وتوجيه معاصريهم، من خلال اهتمامهم بالوقائع والمستجدات، مما جعلهم يسعون إلى تكييف العلوم والمعارف مع مجتمعهم وحياة أناسهم، فسايروا بذلك مختلف الأحداث، مستجيبين للبيئة وخصوصياتها فردوا على أهم الإشكالات التي وردت عليهم فكانوا كلما استفتوا عن النوازل افتوا وأفهموا وبينوا.
فهل سيأخذ علماؤنا العبرة منهم حتى يبدعوا لنا ثقافة تستجيب لمتطلبات عصرنا وطموحنا، في زمن أخص خصائصه التطور العلمي والتقني "القائمان على السببية العلمية، والإرادة الإنسانية الفاعلة؟!!.
أم أنهم وصلوا إلى مرحلة من الوهن والعزوف عن التحصيل المعرفي لما يتطلبه من جهود مضنية مكتفين بالاجتهادات والفتاوى الجاهزة المأخوذة عن الأجداد رغم تغير الزمان والمكان وما ينجر عن هذا التغير في الوسائل والأحوال مكملين بذالك الفئة الرابعة من مثقفي هذا البلد الذي يعيش انفصاما بينه ومثقفيه فمثلا: قتلت بقصد أو بغير قصد مشاريع عملاقة في هذا البلد كان آخرها جائزة شنقيط التي يضم البرلمان نواب من المتحصلين عليها في تخصصاتها الثلاثة الدراسات الإسلامية (نائب الركيز) العلوم والتقنيات (الائحة الوطنية) الآداب والفنون(بوتليميت) ولا تراهم ذكروها في البرلمان ولا في غيره باستثناء ما كتب بمناسبة تأبين أحد أبنائها البررة الذين رفعوا اسمها عاليا في المحافل الأكاديمية والدولية المرحوم بإذن الله لبروفيسور يحي ولد حامد....
فهل أصبحت جائزة شنقيط في عداد الأموات؟ ناهيك عن التنطع في الفكر والمضمون من قبل فقهاء أصبح لأغلبيتهم شهوة الكلام والجواب والخطاب، وهم بهذا يظنُّون أنهم يريدون أن يحققوا الموسوعية وهذه مشكلة قد يكون ضرها أكثر من نفعها ، فبعضهم يريد أن يكون شيخاً وواعظاً ومفتياً ومحللا سياسيا. ومنظراً اجتماعياً وطبيباً نفسياً.. إلاَّ أن المثقف الصادق يقول لما لا يعرفه لا أدري ويكثر من هذا القول ، ولا يتنافي هذا بأن يكون مثقفاً ألبتة. ولم نّضير الشيخين الجليلين الراحلين بداه ولد لد البصيري ومحمد سالم ولد عدود أن قالا في أكثر من مناسبة لا ندري! فهل أصبحنا نعيش أزمة دينية بالإضافة إلى أزماتنا التقليدية الفكرية والعلمية؟!
هذا هو واقع ثقافتنا اليوم وهو ما أدى إلى ما نحن عليه من عدم التأثير في مجتمعنا في حين أثرت ثقافة الأجداد على مجتمعها. فقد حاولت التأثير في الطبيعة المادية والسيطرة على الواقع الاجتماعي والمادي إلى جانب انقياد المجتمع لها روحيا وشعوريا وهذا الانقياد مازلنا نعيشه واقعا اليوم ولو كان شكليا ابن فلان من قبيلة كذا حتي وان لم ينجز أي شيء طيلة حياته.....
إننا نعانى أزمة حقيقية في الذات فمواطن الأزمة موجودة في الضمير وفي علاقته مع الواقع، وهذا يعني أن الأزمة تتصل بتفسير المشاكل أكثر من اتصالها بطبيعتها، فهي ليست أزمة في الوسائل وإنما في الأفكار.
وإذا لم نعترف بهذه الأزمة ونقتلها دراسة وتشخيصا فإننا نساهم عن قصد أو غير في القضاء علينا بدون أن نشعر؟ ويصدق علينا المثل القائل بأننا حفرنا واقعنا المترهل بأنفسنا لأنفسنا؟؟

نقلا عن تقدمي