مشاهدة النسخة كاملة : التكيّف (حياة الحويك عطية)


أبوسمية
05-24-2011, 01:18 PM
التكيّف (حياة الحويك عطية)

كما استطاعت الولايات المتحدة أن تستبدل بوجه جورج بوش الأشقر وجه أوباما الأسمر لتتكيف مع مقتضيات تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم، استطاعت بصوت رئيسها قبل أيام أن تستبدل بدعمها المطلق لبعض الأنظمة العربية دعماً أكبر للثورات على هذه الأنظمة . وكأن الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك لم يكن الحليف الأكبر لواشنطن في المنطقة العربية، وكأن ابن علي لم يكن حليفاً معلناً في المغرب العربي، بل كأن كل الخدمات الهائلة التي قدمها مبارك لأجل تحقيق الهيمنة الأمريكية على المنطقة انطلاقاً من حصار العراق ثم احتلاله، ووصولاً إلى تفعيل وتجاوز نهج كامب ديفيد بكل ما يخص القضية العربية “الإسرائيلية”، كأنها كانت كلها كتابة على الرمل في سجله، من دون أن تكون كذلك، بالطبع، في سجل المكاسب الأمريكية، حيث كانت سيطرة واشنطن على المنطقة العربية وسيلة الإمبراطورية لضمان استوائها على عرش العالم .
هذه هي البراغماتية الأمريكية التي لا تعرف صديقاً أو عدواً، بل تعرف من يمكن أن يفيد ومن لم يعد ذا فائدة . وهذه هي الرسالة التي يجب أن يفهمها الجميع، لا بأن يقدموا أنفسهم كعناصر مفيدة، لأن هذا ما لا يقررونه هم، بل بأن يقيموا قوتهم على عناصر قوة داخلية، فلو كان الشعب المصري لا يزال يريد مبارك لما تنكرت له الولايات المتحدة . في حين تعلم واشنطن تماماً ما هو موقف كل شعب من نظامه، ولذلك تعرف كيف تمسك كلاً من اليد التي توجعه، إذ تقبض بيدها على مصيره .
ومن هنا يبرز المأزق العربي كله، فالمشروعية الداخلية مستقيلة لحساب المشروعية الخارجية، والمشروعية الخارجية مرهونة لحساب مصالح دولها، ومصلحة “إسرائيل” التي تعرف كيف تساوم مع هذه الدول، طالما أن الطرف المقابل العربي والفلسطيني خارج هذه المساومة .
لذا تراجع الطرح الأمريكي في خطاب أوباما بخصوص القضية الفلسطينية، فبعد الوعد بقيام الدولة خلال عام 2010 ، ها هو 2011 يشهد تحذيراً من محاولة طرح الدولة في الأمم المتحدة، ويعلن دولة في حدود الـ67 مع تبادل الأراضي (ما يعني أنها ليست في حدود 67)، دولة منزوعة السلاح، تتعهد بأمن “إسرائيل”، وتلغي موضوع القدس وموضوع اللاجئين تماماً، إلغاء أكدته حكومة نتنياهو على الفور بإعلان إنشاء 1550 وحدة استيطانية في القدس .
ولذا يطرح أوباما من جهة ثانية، نموذج العراق نموذجاً معتمداً للعالم العربي كله، غير مبالٍ بما يمكن أن يعنيه ذلك من رعب الحروب الطائفية والعنصرية والموت المتربص في كل زاوية، وخسارة الثروات والكرامات والتراجع في كل مجال إلى ما وعد به يوماً جيمس بيكر “إلى ما قبل العصر الصناعي” . تراجع لا يتحقق على الصعيد المادي إلا إذا تحقق على الصعيد الاجتماعي والثقافي، سواء بانتشار الطائفية والمذهبية أو بانتشار الفساد أو بانتشار ثقافة التسطيح والعنف الموجه إلى التدمير الذاتي .
طرحان لا ينفصل كل منهما عن الآخر، لأن محدداتهما في النهاية واحدة: عناصر القوة وعناصر الضعف .

نقلا عن دار الخليج