مشاهدة النسخة كاملة : أوباما «قتل» أبو مازن ونتانياهو «قتل» أوباما.. ( عصام نعمان)


أبوسمية
05-24-2011, 02:08 AM
أوباما «قتل» أبو مازن ونتانياهو «قتل» أوباما.. ( عصام نعمان)

على مرأى من العالم، اقترف رجلا دولة، خلال 24 ساعة، جريمتين سياسيتين مدوّيتين.
باراك أوباما أقدم في واشنطن وبتاريخ لم يمر عليه الزمن على «قتل» أبو مازن محمود عباس بدم بارد، قصداً وعمداً، بكلمات واضحة فاضحة سددها إلى رأس المغدور.
كان أبو مازن ما زال «يتخبط بدمه» عندما قام بنيامين نتانياهو، في فجأة الغدر، بإطلاق بضع كلمات مسمومة على «القاتل» المزهو بجريمته فأرداه للتو.
أوباما، رئيس الدولة العظمى، حاضنة «إسرائيل» وحاميتها، «قتل» أبو مازن سياسياً بتبنيه علناً فكرة «الدولة اليهودية»؛ مُسقطاً مطالب أميركية سابقة بوقف الاستيطان؛ متخلياً عن أي دور أميركي في الوساطة أو في استضافة المفاوضات أو في تكليف مبعوث لمتابعتها كبديل من الموفد المستقيل جورج ميتشل، مؤكداً التزاماً أميركياً متجدداً بالأولويات الصهيونية لأي مفاوضات، وأهمها الأمن والحدود؛ مؤجلاً البحث في البندين الأكثر حساسية، القدس وعودة اللاجئين؛ داعياً إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح ؛ مجيزاً انسحاباً إسرائيلياً متدرجاً من الضفة الغربية؛ معلناً رفض أميركا مشروع الاستحصال على اعتراف من الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطينية على «حدود» 1967م.
أطلق أوباما كل هذه العبارات القاتلة، فأردى أبو مازن بما هو ممثل الجانب الفلسطيني في المفاوضات المزمنة (السابقة) مع الجانب الصهيوني. فعل ذلك قبل 24 ساعة من اجتماعه إلى نتانياهو أملاً في أن يرضيه فيوافق على استئناف المفاوضات في تمرينٍ للمستحيل جديد. لكن نتانياهو، المدرك ضعف أوباما وانشغاله بتأمين ولاية رئاسية «ثانية»، ردّ باستعجال «قتل» الرئيس الأميركي سياسياً على مرأى من شعبه والعالم برفض مضمون خطابه، ولاسيما إقامة الدولة الفلسطينية على «حدود» 1967م.
الأنكى من ذلك كله أن شخصيات نافذة في الحزب الجمهوري، بينهم مرشحون أقوياء للانتخابات الرئاسية العام 2012، اتهمت أوباما بأنه خان "إسرائيل" في خطابه، وأنه تخلّى عنها. ردّت أوساط الرئيس الأميركي، بذلٍّ، أنه ينوي زيارة "إسرائيل" في الصيف المقبل!
الغريب أن أول ردة فعل للرئيس الفلسطيني المقتول سياسياً كانت تصريحاً منسوباً إليه بضبط رئيس الوزراء الإسرائيلي بجرم مشهود: رفض مبادرة الرئيس الأميركي. ترى، هل كان أبو مازن ليستأنف المفاوضات لو تقبّل نتانياهو مبادرة أوباما المتضمنة تراجعاتٍ مدمرة؟!
الأغرب تلك الحيثيات التي أدلى بها نتانياهو لرفض مبادرة أوباما وأبرزها خمس:
أولاها، «أن إسرائيل لا يمكنها العودة إلى حدود العام 1967 لأنها لن تتمكن من الدفاع عنها». هذه الذريعة تطرح عدة أسئلة: ضد مَن تحتاج إسرائيل الدفاع عن حدودها؟ ضد الأردن الضعيف عسكرياً واقتصادياً والذي التزم بمعاهدة صلح معها؟ أم ضد مصر التي وقّعت قبل الأردن معاهدة الصلح وارتضت تجريد سيناء من السلاح وأقامت فيها أجهزة أميركية للإنذار المبكر؟ أم ضد لبنان وسوريا اللتين احتلت أقساماً من أراضيهما؟ ألا يعني رفضها الانسحاب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومن الجولان اعتزامها اللجوء إلى الحرب «دفاعاً» عن احتلالها هذه المناطق؟ ثم، هل أصبحت الحاجات الدفاعية، في حال وجودها، مسوّغاً لاحتلال أراضي الغير واستيطانها؟
ثانيتها، «أن الاقتراح الذي عرضه أوباما بشأن الدولة الفلسطينية لا يأخذ في الاعتبار المتغيرات الديموغرافية التي حدثت منذ العام 1967». مؤدى هذا الكلام لوم أوباما لإغفاله واقعة استيطان رقعة كبيرة من الضفة الغربية بأكثر من 470 ألف مستوطن صهيوني. فهل استيطان أراضي الغير بالاغتصاب والقوة مسوّغ شرعي لتملّكها ورفض الانسحاب منها؟
ثالثتها، «أن إسرائيل لا يمكنها التفاوض مع حكومة فلسطينية تضم حركة «حماس» لأنها منظمة إرهابية وأن على الرئيس عباس أن يقرر ما إذا كان يريد أن يحفظ عهده مع «حماس» أو يصنع السلام مع إسرائيل». بإمكان نتانياهو أن يرفض مفاوضة أبو مازن، لكن ليس من حقه ولا في قدرته أن يحدد له من يصالح ومن يخاصم ومن يكون في حكومته أو لا يكون. هذا مع العلم أن حكومة الوحدة الوطنية المتفق على تشكيلها مبدئياً لا تضم أعضاء في «فتح» أو «حماس» بل شخصيات واختصاصيين مستقلين لرعاية إعمار قطاع غزة وترتيب إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. لذلك فإن ذرائع نتانياهو تعني رفض استئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني إلاّ على شروطه وبما يؤمن له استيطان الضفة كلها.
رابعتها، عدم موافقة إسرائيل على إيجاد حل لمشكلة اللاجئين ضمن حدودها، وعدم البحث في مسألة القدس كعاصمة لإسرائيل والدولة الفلسطينية. معنى هذا الكلام إغلاق باب التفاوض نهائياً حول هاتين المسألتين الحيويتين ما يشكّل استفزازاً مدوّياً للجانب الفلسطيني لحمله على رفض مبدأ التفاوض نهائياً، فيبقى الاحتلال الصهيوني ويتوسع الاستيطان بلا ضوابط ولا قيود.
خامستها، ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة كشرط مسبق لمعاودة المفاوضات. هذا يعني أمرين في آن واحد: تنازل الفلسطينيين عن حق العودة، وإقرارهم مسبقاً بحق إسرائيل في ترحيل الفلسطينيين المقيمين فيها، جزئياً أو كلياً، بدعوى المحافظة على يهودية الدولة.
كل هذه الحيثيات والذرائع والمغالطات إن تدل على شيء فعلى رفض "إسرائيل" للتفاوض مع الفلسطينيين إلاّ على أساس شروطها وبالتالي استحالة قيام دولة فلسطينية سيدة مستقلة. ولعل الحقيقة الوحيدة التي تلفّظ بها نتانياهو هي قوله «إن السلام الذي يعتمد على أوهام سيتحطم في نهاية المطاف على صخرة واقع الشرق الأوسط». فهل ما زال لدى جماعة السلطة الفلسطينية أوهام حول سلام يُعقد مع أعتى كيان عنصري في تاريخ البشرية ؟
ماذا بعد خيبة أمل الفلسطينيين جميعاً من خطاب أوباما في 19/5/2011، ومن حواره الفاشل مع نتانياهو في اليوم التالي؟
لعل الخيار الأفضل أن تتجه القيادات الفلسطينية إلى اعتماد استراتيجية مواجهة تقوم على المرتكزات الآتية:
أولاً: توطيد الوحدة الوطنية الفلسطينية والمصالحة بين الفصائل والأحـزاب على أساس الثوابت الوطنية والحقوق غير القابلة للتصرف، والعودة إلى اعتماد نهج المقاومة، المدنية والميدانية، بحسب ما تقتضيه متطلبات الجهاد ضد العدو الصهيوني.
ثانياً: إقامة حكومة وطنية جامعة مهمتها إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، في سياق مواجهة التحديات الماثلة.
ثالثاً: تجاوز سياسة التفاوض مع العدو بالعمل للحصول علـى اعتراف مـن الأمم المتحدة بدولة فلسطينية سيدة مستقلة على أساس خطوط العام 1967 وفق صيغة «الاتحاد من اجل السلام» وذلك عملاً بمبدأ حق الشعب الفلسطيني بإقامة سلطة وطنية على أي جزء من أرضه يجري تحريرها من العدو، مع التمسك بتحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر.
رابعاً: مع قيام الدولة الفلسطينية بقرار دولي، يصبح الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي بالمطلق، فتكون مواجهته شرعية وواجبة بكل الوسائل المتاحة. هكذا تجد إسرائيل نفسها في حمأة انتفاضة شعبية شاملة يقوم بها فلسطينيو الداخل (1948) وفلسطينيو الضفة والقطاع، وفلسطينيو الشتات، وسط حصار سياسي وتنديد أخلاقي إقليمي ودولي بإسرائيل.
خامساً: في حال تمادت إسرائيل في رفضها تنفيذ القرار الدولي، يكون من حق الدولة الفلسطينية السيدة المستقلة أن تتعاون مع وان تنخرط في التحالف القائم بين دول الممانعة وقوى المقاومة في المنطقة، وان تستفيد من إمكاناتها السياسية والاقتصادية واللوجستية والعسكرية في الكفاح لتثبيت سيادتها على أرضها ومن ثم لتحرير كامل التراب الفلسطيني.
المقاومة قدرنا.

نقلا عن المركز الفلسطيني