مشاهدة النسخة كاملة : الدبلوماسية الموريتانية إلى أين ؟


ام خديجة
02-23-2010, 07:03 PM
الدبلوماسية الموريتانية.. على أي هدي تسير ؟

http://www.essirage.net/sys_images_news/ImgNew_23_02_2010_14_58_44.jpg (http://www.essirage.net/sys_images_news/ImgNew_23_02_2010_14_58_44.jpg)

تطرح الطريقة التي تدار بها الدبلوماسية الموريتانية حاليا تساؤلات جدية عن الوجهة الدبلوماسية التي نسير إليها، ويفترض هذا السؤال بطبيعة الحال أن هناك وجهة دون أن يعني ذلك القفز على السؤال المشروع أولا هل هناك فعلا رؤية دبلوماسية أو سياسة دبلوماسية تحكم مواقف وتوجهات اللذين يديرون دفة علاقاتنا مع العالم، أم أن الأمور تسير بطريقة مرتجلة تحكمها ردات الفعل، وتتحدد وجهتها بناء على طبيعة المزاج الشخصي لمن يملكون " الأمر والنهي"؟

تفرض التساؤلات السابقة نفسها بعد تطورات متتالية نجحت فيها الدبلوماسية الموريتانية نجاحا باهرا في صناعة الأعداء في كل الاتجاهات، فالجزائر غاضبة والمغرب غير مرتاحة، وساحل العاج تلوح بفرض إجراءات جديدة على جاليتنا هناك التي تقارب مائتي ألف مواطن، ومالي التي تعتبر متنفس جزء كبير من أهل موريتانيا يسحب منها السفير للتشاور وتنتقد تصرفاتها بلغة حادة في بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية، وعند التفتيش عن الأسباب يتضح أن وراء كل هذه التصرفات طيش أوقصور، أو انفعال غيرمسوغ أو رؤية غير متوازنة – حتى لانقول عرجاء – لعلاقات موريتانيا الخارجية وتحديد طبيعة مصالحها الحقيقية.
الجغرافيا لاترحم
إذا كانت المقولة الشائعة تقول إن التاريخ لايرحم فالظاهر أن معطيات الواقع أيضا تقول إن الجغرافيا كذلك بمعني أنه ليس أمام أي دولة إلا أن تتعاطي بواقعية مع محيطها الجغرافي، فالرحيل الذى كان الأجداد يمتهنونه غير ممكن بالنسبة للدول، لكن الظاهر أن من يديرون شأننا الدبلوماسي مقتنعون ربما بالرحيل " كما كان آباؤنا يرحلون" لذا تابعنا رحلتهم الجماعية إلى طرابلس قبل اشهر للتكوين هناك، فلعل ذلك التكوين سيكون مقدمة لرحلة جماعية لموريتانيا كلها ربما إلى إحدى ضفتي البحر الأبيض المتوسط، أو إلى مكان آخر سيكشف عنه لاحقا عندما تكتمل إجرءات الاقلاع، وينتهى من تقويم خمسين سنة من الحكامة ويتم تغيير النشيد بالطريقة التى يصبح بها قادرا على مواكبة الرحلة.
إن الطريقة التى تدار بها العلاقات مع جاري الشمال اللدودين تمثل نموذجا على غياب الرؤية الدبلوماسية فنحن نرتمي مرة فى أحضان المغرب حتى نحوم حول حمى " المناطق الجنوبية" ثم نندفع فى تنسيق أمني مع الجزائر، حتى نلامس خطوط " الساقية الحمراء "، والنتيجة هي ما نشاهده اليوم توتر كبير فى العلاقات مع الجزائر، ومع البوليزاريو، وغموض فى العلاقات مع المغرب، التى تشوش عليها توجهات دولية أخرى تجاه دول أخرى يعتبرها العرش العلوي فى المغرب مهددة للاستقرار فى المنطقة كما هو حال الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
لو كانت الدبلوماسية الموريتانية بمستوى من المهنية لجاز لنا أن نقول إنها براعة تستحق الإكبار أن نحاول الجمع بين الضرتين، لكن معرفتنا الدقيقة بحقيقة مؤسستنا الدبلوماسية تفسد علينا هذا الفهم، وتجعلنا نجزم أننا أمام محاولات من " الخبط العشوائي" فى حقل ألغام تعجز أعتى الدبلوماسيات حتى الآن عن كشف خرائطه فما بالك بدبلوماسية رحالة يعرف أغلب أهلها شياء مهمة عن مجالات عديدة ليست الدبلوماسية أبرزها.
على أرض الواقع هناك الآن توتر كبير على حدود موريتانيا الشمالية فالجزائر قلقة من دخول موريتانيا فى تنسيق أمني مباشر مع الفرنسيين ومن المؤشرات المتزايدة على شروع باريس فى بناء قاعدة عسكرية فى الشمال الموريتاني تحت غطاء أكاديمي، أو تأميني لشركة توتال النفطية العملاقة المشرفة على التنقيب فى حوض تاودني، أما المغرب فقد أعلنت حالة استنفار على الحدود مع موريتانيا منذ اكتشاف الأمن المغربي قبل أشهر تمكن مجموعات التهريب من إدخال ذخائر إلى الأراضي المغربية عن طريق موريتانيا وفق ما تقول الجهات الأمنية المغربية.
عين على أوروبا
ليست العلاقات مع دول الجوار الافريقية الأخرى بأحسن حالا فمالى" الجار ذى القربي" تم استدعاء السفير منها، وصدر بحقها بيان شديد اللهجة، وساحل العاج والكونغو تشهد تذمرا متزايدا من الطريقة التى تتعاطي بها السلطات الموريتانية مع مواطني هذه الدول القادمين أو المقيمين فى موريتانيا، ويظهر عند التدقيق فى الطريقة التى يدير بها أصحاب القرار عندنا الأمر أن " أعينهم، وأسماعهم" مثبتة فى اتجاه أوروبا فالمنظومة القانونية والأمنية والحقوقية تم تحديثها بسرعة بناء على مقتضيات وظيفة حارس الحدود الأوربية، ويتذكر الجميع تفاصيل " حزمة القوانين التى أقرتها الحكومة دفعة واحدة عن الهجرة والتهريب والأمن الطرقي والإرهاب، وكيف كانت وفية للرؤية والمصالح الأوربية فى معالجة هذه الظواهر، ولم تأبه بمصالح وخصوصيات الإنسان الموريتاني الذى يفترض أن يكون مسوغ وجود ومصدر شرعية الحاكمين والمحكوم بهم.
إن تطوير العلاقة مع أوروبا أمر هام بالنسبة لموريتانيا، لكن تطوير العلاقات مع دول الجوار الإفريقي أمر أكثر أهمية حين يكون المنطلق هو المصالح الموريتانية البحتة فهذه الدول تحتضن وفق تقديرات رسمية مئات الآلاف من الموريتانيين الذين تعتمد عليهم قطاعات كبيرة من الشعب الموريتاني، كما أنهم يضخون كميات كبيرة من العملة الصعبة فى شرايين الاقتصاد الوطني، إنهم بالنسبة لجزء كبير من موريتانيا هم مصدر الحياة الوحيد، وبالتالى فإن أي تفريط فيه هو تفريط فى الحياة نفسها.
لقد كانت القوانين والخطوات الأخيرة التى أقدمت عليها الحكومة محكومة برؤية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها قاصرة، وهانحن نجني حصاد ذك القصور فهاهم مواطنو دول الجوار الذين أسأنا معاملتهم يعودون إلى أوطانهم حاملين معهم مرارة الإهانات غير الإنسانية التى خضعوا لها عند نقاط التفتيش وداخل مفوضيات الشرطة، وهاهي تحركاتهم تنذر بتعقيد أوضاع أكبر جالية موريتانية فى غرب افريقيا بل ربما فى العالم كله.
أما الحالة مع الجار المالي فهي أكثر تعقيدا ففي جمهورية مالى ينتجع عشرات الآلاف من المنمين الموريتانيين أغلب شهور السنة، وقد وقعت عليهم أخباراستدعاء السفير كالصاعقة خاصة أنهم لايعرفون الفروق القائمة بين استدعاء السفير للتشاور وقطع العلاقات الدبلوماسية وإعلان الحرب حتى، وهو ما ينذر بتوتير ميداني للعلاقات التى لاتخلو أصلا من احتكاكات تشعلها مجموعات التهريب بطبعاتها المختلفة، وفى ذلك ثمن آخر من أثمان " تخبط الدبلوماسية الموريتانية" يبدو أن على الموريتانيين أن يدفعوه فى هذه الأيام.
من أجل دبلوماسية مهتدية
ليست الدبلوماسية وحدها ما يحتاج رؤية وهديا يسير عليه فأغلب أمورنا تسير بنفس الطريقة لكن الدبلوماسية من المجالات الحساسة التى لاتتحمل ذلك فنتائج أخطائها تقع مباشرة على الجميع لأن الحساب فيها غالبا ما يتجه للبلد بكل ساكنيه وليس إلى الطاقم الدبلوماسي فقط بل ولا لاحتى إلى النظام السياسي الأشمل من هنا فلابد من وضع لحالة الارتجال والتخبط التى يغرق فيها قطاعنا الدبلوماسي وتحديد رؤية دبلوماسية مستقلة يكون منطلقها الأول والأخير مصالح موريتانيا المعنوية والمادية، وليس
" ما يطلبه الغربيون أو الشرقيون" فيذلك وحده نضمن لموريتانيا أن تستعيد وزنها الدبلوماسي الذى فقدته منذ سنوات طويلة ونحمي جالياتنا المبثوثة فى أنحاء العالم ونضمن الحد الأدني من الحياة الكريمة لمن خلفهم الجهد هنا على الأرض الموريتانية فلايجوز أن يجمع لهم النظام السياسي الحاكم بين العجز عن تقديم الخدمات لهم، وتعريض مصادر رزقهم الذاتية للخطر



نقلا عن السراج