مشاهدة النسخة كاملة : مقابلة مع ديمي بنت آبه : أنا ضد محاولات "إفساد" الموسيقى


ام خديجة
05-23-2011, 02:26 PM
ديمي بنت آبه: أنا ضد محاولات "إفساد" الموسيقى

http://imageshack.us/m/30/603/indexphprexresize333w28.jpg

الفنانة الموريتانية ديمي بنت آبه (الأخبار)

كان الوقت يمر سريعا ونحن نقلب مع أبرز فنانة موريتانية صفحات بارزة من مسيرتها الفنية التي امتدت لقرابة أربعة عقود من الزمن ضاربة الطبل تارة وهي ذات سنين تسعة، ومنشدة في أوقات أخرى قبل أن تفوز سنة 1976 في أول مسابقة رسمية بموريتانيا يشارك فيها أصحاب الأصوات الجميلة استعدادا لمهرجان تونس الشهير.

وبأريحية كبيرة وصدر مفتوح استقبلت الفنانة الموريتانية الشهيرة ديمي بنت آبه موفدي وكالة أنباء "الأخبار" المستقلة بأحد الأحياء الراقية بالعاصمة الموريتانية نواكشوط مفسحة المجال أمام الصحفيين للإدلاء بأسئلتهم حول واقع الفن ومستقبل الفنانين وحتى حياتها الخاصة وان ظلت متحفظة في كثير من الأمور.

بالكاد استطعنا إجراء المقابلة فرنين الهاتف وطلبات الأصدقاء ودعوات المعجبين وطالبي المساعدة كلها أمور جعلت الحوار يتحول إلي جلسة مفتوحة، فالوقت ضيق والانشغالات كثيرة ولكن الفنانة التي دخلت عالم النت قبل فترة وجيزة ليس باستطاعتها رد طلب لوكالة "الأخبار"، موقعها المفضل، كما تقول.

تتذكر ديمي بنت آبه أجواء "الحله" حيث ولدت نهاية الخمسينات – كما يقول نجلها الصغير- بينما تتحفظ هي على تاريخ مولدها فللنساء أحكام، وسؤال المرأة عن تاريخ ميلادها سوء أدب كما تقول.

وتتحدث بنت آبه في هذه المقابلة الشاملة مع وكالة الأخبار المستقلة عن سنوات العمر الأولي بمدينة نواكشوط حيث تفتقت الموهبة بعد وصولها إلي العاصمة في سن التاسعة تقريبا مع والديها سيداتي ولد آبه ومنين بنت أيده ، ولا يمكنها بحال من الأحوال أن تنسي المدرسة الفنية التي عاشت فيها سنوات عمرها الأولى وتحديدا زوجها الراحل سيمالي ولد همد فال الذي تصفه بمعلمها الأول وصانع ألحانها النادرة وعازفها الذي استلهمت منه الكثير.

لكن صفو الفنانة ديمي بنت آبه وأريحيتها لم تعمر طويلا حينما سألناها عن الفنان الراحل "الخليفه ولد أيده". هنا تنزلت الأحزان واكفهر وجه النجمة التي ملأت سماء الفن لتذرف دموع الوفاء، ليس فقط لأن الرجل -كما تقول- زوج أحبته كثيرا، ولكن لأنه ابن خالها الذي عاشت معه أجمل اللحظات، ورفيق رحلتها في سماء الفن حيث سجلت معه العديد من الأغاني وافتتنت به إلي أبعد الحدود.

لديمي بنت آبه جانب آخر وهذه المرة مع الخالق، لكنها لا تريد الخوض فيه، ولها مع العشيرة شأن آخر ترفض أن تتنازل عنه رغم حرصها الدائم خلال المقابلة علي التذكير بوطنية الرسالة الفنية التي تحمل ولكنها لا تلبث أن تقول "أنا فنانة فقط وقت جلسات الطرب وهي قليلة وفي غير ذلك أنا امرأة من هذا العشير الذي ولدت فيه وتربيت"....

وتشعر ديمي بغضب بالغ جراء المعاملة غير اللائقة التي عوملت بها مع آخرين من قبل وزيرة الثقافة الموريتانية وكيف تم تغييبها عمدا عن القصر الرئاسي، ثم تستدرك "عموما الأمر في طريقه للتسوية وأحمد (شقيقها) لا يريد الحديث عن الموضوع ونحن ندرك أن البشر خطاء ولا عصمة لأحد الآن".

أول أسئلة "الأخبار" كان عن مولد الفنانة ونشأتها الأولى، وقد أجابت بالقول:

- لا أتذكر جيدا السنة التي ولدت فيها، وبصراحة لا أرغب في تحديدها في وسائل الإعلام، لكن عموما وصلت إلي نواكشوط في سن التاسعة بعد نزوح الأسرة من ولاية "تكانت" مطلع السبعينيات من القرن الماضي.

أما عن النشأة فقد كانت الولادة والنشأة الأولى في بوادي "تكانت" وتحديدا في ما يعرف بحلة "أولاد سيد الوافي" ،لقد عشت حياة الطفولة بأجمل معانيها، طفلة صغيرة ومدللة، حيث أنني كنت البنت الوحيدة لدي الأسرة وكانت الوالدة عليها رحمة الله ومعها محبو الأسرة والجيران يعاملونني معاملة خاصة، ثم بعد ذلك نزحنا إلي المدينة من ريف ولاية تكانت شرقي البلاد ودخلنا عالم المدنية وما يحمل من هموم.


الأخبار: متى بدأت الحياة الفنية بشكل رسمي للفنانة ديمي بنت آبه؟

- أنا من أسرة معروفة بالنسبة للجميع علي الصعيد الوطني بمعرفتها للفن الذي هو قضية وراثية في موريتانيا يتم توارثه من عائلات تسمي محليا بـ"إيقاون" وهذه العائلات هي بمثابة مدارس فنية، وأنا والدي فنان موريتاني قدير يسمي سيداتي ولد آبه كان هو الصوت الأول في موريتانيا، فهو معد النشيد الوطني وهو من أدخل الآلات الحديثة إلي الفن الموريتاني.

وكان والدي ذا صوت جميل وله أعمال جيدة وعائلتنا، وليس من باب الفخر، هي عائلة فنية بامتياز. والدتي منينه بنت أيده وتلك أسرة فنية عريقة هي الأخرى باختصار يمكن أن أقول لكم إن الجو العائلي الذي تربيته فيه هو جو فني متميز وهذا ما طبع حياتي عموما بعد ذلك.

وقد بدأت في تناول الفن (لغن) وأنا في السن التاسعة ومارست الفن مع العائلة في جميع المناسبات التي يتم استدعاؤنا لها، وأتذكر الآن أول أغنية غنيتها وهي:

تعلق قلبي طفلة عربية ** تنعم بالديباج والحل والحلل

مع أغان أخري كثيرة، كنت أستعمل (آردين) آلة الفنانة المحببة إلي والتي للأسف تخلي عنها كثر اليوم.

تزوجت في سن مبكرة مع الفنان سيمالي ولد همد فال ـ رحمه الله ـ فكان هو الآخر بالنسبة لي مدرسة فنية تنضاف إلي ما تعلمته من العائلة في الصغر.

وفي سنة 1976 قامت وزارة الثقافة الموريتانية بترشيحي مع عدد من الفنانين لمسابقة أحسن صوت استعدادا للسفر إلي دولة تونس وقد فزت الأولى في هذه المسابقة وذهبت إلي تونس لحضور المهرجان وأنا عمري 17 سنة، وكانت هذا المهرجان يمثل الانطلاقة الأولي لرحلتي الفنية.

الأخبار: هل تري ديمي بنت آبه أن الفن الموريتاني تطور بعد النشأة أم أنه رهين الجيل المؤسس؟

- لم يخضع الفن الموريتاني لمرحلة تطوير كبيرة علي مستوي الشكل إلى حد الساعة، و كنت دائما أقول ـ ولا زلت أقول- أن الموسيقي الموريتانية موسيقي غنية، وهي تراثنا وأصالتنا، مثلنا في ذلك مثل جميع الدول لكل واحدة منها موسيقاها التراثية الخاصة، الفولكلورية، لكن الموسيقى الموريتانية تتميز بقابلية الحميمية مع كل الموسيقات الأخرى حيث يمكن تناغمها مع أي موسيقى أخرى، لأنها موسيقى خماسية تتناغم مع الموسيقى الغربية والشرقية، وهذا ما ميزها.

الأخبار: هل أنت مع تطوير الموسيقي الموريتانية؟

- أنا مع تطوير الموسيقى الموريتانية، لكن علي المستوي الشكلي، أي بتطوير الآلات وتنويعها لكن في نطاق الموسيقى الموريتانية الأصيلة نفسها، تطوير الأغاني في إطارها وطبيعة التراث الموسيقي الوطني وأسسه.

أما ما تشهده الموسيقى اليوم من محاولات تطوير فهو في رأيي مجرد محاولة لإفسادها ليس إلا، صحيح أن الجمهور الفني اليوم أصبح محبا للأغنية السريعة الحماسية التي تتميز بالرقص وهذا يمكن أن تطور عليه الموسيقى الوطنية، لكن ما يسمى بـ"تشطير الأغنية"الذي يعتمده الكثير من الفانيين الموريتانيين ليس تطويرا وإنما هو إفساد لما صنع الأوائل وليس تطويرا له.

الأخبار: لأي شعراء موريتانيا لحنت الفنانة ديمي نبت آبه؟

- أنا لحنت لجميع الشعراء الموريتانيين الكبار مثل الشاعر أحمد ولد عبد القادر والشاعر كابر هاشم وتناولت شعرهم من جانبيه الشعبي والفصيح، أما الشعراء الحاليون فلم ألحن شعرهم باستثناء واحد أو اثنين، الشعر الحساني كنت ألحن فيه أساسا إنتاج والدي سيداتي ولد آبه فله روائع في الشعر الحساني تقودني دائما لتلحينها.

الأخبار: هل تتذكرين مراحل من الحياة جمعتك مع الراحل الخليفة ولد أيده؟

- (تسكت ثم تتكلم بحسرة كبيرة!) نعم أتذكر مراحل من حياتي مع الفنان الموريتاني الراحل الخليفة ولد أيده ـ رحمه الله ـ الذي قدم للوطن ولتاريخ الموسيقى الموريتانية الكثير من المواهب والإنشاد الجيد، حيث لحن الخليفة بصوته الشجي الكثير من المدائح النبوية والابتهالات ويشهد الجميع بأن صوته عذب وخلقه رزين وله دور بارز في مسيرة الفن الموريتاني المعاصر منه والقديم، وهو إلي ذلك عازف جيد كما هو ملحن كبير، فهو ترك فنا كبيرا وارثا لم يتركه أحد.

الخليفة كان ابن خالي ووالد ابنتي وصديقي قبل الزوجية وهو يكبرني بثمان أشهر، كنا قرينين وزادت الزوجية من العلاقات الحميمة بيننا فأصبحنا أصدقاء. شعوري تجاهه شيء لا يصدق علي الإطلاق... رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

لقد كان آخر شريط سجلته مع الراحل الخليفة ولد أيده سنة 1998 وهو شريط يسمي (الكنتاوية) وهو شريط لا يمكنني سماعه منذ وفاته عليه رحمة الله نظرا لما يوقع في قلبي من الحزن والأسى علي الفقيد عندما أسمع صوته الشجي.

الأخبار:أين توجد قضايا الأمة في فن ديمي بنت آبه؟

- أنا غنيت كثيرا للقضية الفلسطينية قبل أي فنان آخر، وقد تركت في نفسي صدمة كبيرة جعلتني لا أستطيع مشاهدة التلفاز حتى الآن، خوفا من التأثير النفسي الكبير الذي تسببه لي رؤية أهلي وإخوتي وهم ينكل بهم علي مرأى ومسمع من الجميع.

ثم جاء احتلال العراق فأصبحت القضية قضيتين وأثقل ذلك من همومي تجاه هذه القضايا التي يتأثر لها غير المسلم فما بالك بي وأنا العربية المسلمة، بل غنيت للقضايا الإنسانية الأخرى كقضية التمييز العنصري في جنوب إفريقيا بالأغنية الشهيرة "أميم أمين".

الأخبار: كيف تنظرين إلي الطفرة الفنية التي عرفتها البلاد؟

- الساحة الموريتانية عرفت الكثير من الفنانين الذين صعد نجمهم فيها، لكنني أنا أتحفظ علي الطريقة التي يتناولون بها الفن فهي طريقة بالنسبة لي ليست مكتملة وينقصها الكثير، حيث لم يطور الفن، بل ما كنا نقوله نحن سابقا هو ما يقوله الفنانون اليوم، لكنهم لا يحسنون قوله ويحاولون إفساده عن طريق هذه المحاولات التطويرية الفاشلة التي اجتاحت البلاد خلال السنوات الأخيرة.

الأصوات الجيدة توجد لدى هؤلاء الفنانين لكن يمكن أن تقول بالمحلية أن "أزوان ليس في رؤوسهم" سواء في ذلك الرجال والنساء.

الأخبار: هل برأيك أثرت الخلافات الأخيرة حول تولي قيادة الفن علي التماسك بين الفنانين؟ وكيف تنظرين للأسباب الكامنة وراء تلك الخلافات؟

- لم تؤثر علينا الخلافات التي تحدثت عنها. لدينا مكتب جيد للفن من يرغب من الموسيقيين الدخول معنا نرحب به كثيرا ومن لا يرغب فذلك شأنه.

بالنسبة لنا كموسيقيين لم يحدث بيننا سوء تفاهم وما حصل مجرد خلاف بين مكتبنا نحن مع وزيرة الثقافة الموريتانية شخصيا، حيث تعرضنا للظلم من طرفها كوزيرة وليس كشخص، لم يكن حينها في حسباننا أننا سنتعرض للظلم من طرفها، ولما مارسته علينا انتظرنا أن تتم تسوية الموضوع وأن تراجع الوزيرة موقفها، فواجهتنا بالإقصاء خلال زيارة الرئيس السوداني عمر البشير لموريتانيا، بدل أن تسوي الخلاف معنا.

ونحن كنا دائما حاضرين في كل الحفلات الرسمية التي يتم إجراؤها في الرئاسة أو خارج الرئاسة لم نتعرض للتهميش أبدا من طرف الرئاسة في دولتنا موريتانيا، فالوزيرة لا حظنا أنها خضعت لإملاءات المكتب الآخر، وهو ما شجع المنضويين تحت لوائه إلي عقد مؤتمر صحفي وقالوا خلاله الكثير من العبارات التي لا تمثل تهديدا كبيرا بالنسبة لنا نحن كفنانين مثل عبارة (الرك ما ينكس) فهذه العبارة كان من الأولي أن لا توجه لنا نحن لأننا فنانون الكل يعرفنا ويعرف مستوانا الفني بغض النظر عن مستوي أي فنان آخر، نحن تحفظنا ولم نرد علي هذه العبارات لأننا نريد الحفاظ علي وحدة الفن والفنانين، ولا نتسمع إلي أقوال من يحاول بث التفرقة بيننا.

لا أعلم إن كانت القضية تمت تسويتها لأن حضوري إلي المكتب مرهون بوجود مناسبة داخله ولا أتابع تطورات القضية عن كثب، والظاهر من الأمر أن القضية تم حلها لأننا ليلة البارحة كنا في حفل نظمته الوزارة في فندق مرحبا وسط العاصمة نواكشوط، أنا لم يتم استدعائي من طرف الوزارة ولا الوزيرة وما زلت أسجل لهم كل تصرفاتهم التمييزية تجاهي.

لم نتحرك من أجل أن يتم استدعاؤنا ولا من أجل أن نقدم أغنية في قصر الرئاسة لأننا سبق وأن غنينا داخله مرات عديدة، متطوعين ولا نريد الشهرة ولا المال لكن أي مناسبة فنية في موريتانيا يجب أن نكون حاضرين لها، وخاصة إذا تعلقت بالرئيس محمد ولد عبد العزيز لأننا أيدناه ولازلنا نؤيده ونقف إلي جانبه.

الأخبار: ما هي الوسائل التي ترين أن السلطات يمكن أن تتخذها لإعطاء عناية للفن في موريتانيا؟

- بداية أريد أن أقول إن الرئيس محمد ولد عبد العزيز يعطي عناية كبيرة للفنانين حيث أنه أول رئيس يعين فنانا في هذا البلد، فالفنانون كانوا مهمشين رغم أن لديهم شهادات كبيرة، وهذا ما يعطي إشارة واضحة لأن السلطات لا تريد أن يظل أهل الفن مهمشين وغير موجودين في الميدان.

نحن كفنانين نطالب بفتح مدارس للموسيقى الوطنية يستفيد منها الجميع، كما نريد أيضا تطبيق قانون حق التأليف لأن إنتاجنا يستفيد منه الآخرون ونحن ليس لدينا من الأمر شيء، هذا ما نطالب به.

الأخبار: ما هو العمل الذي تقدمينه للمجتمع غير الفن؟

- أو لا أنا فنانة والفن يهيمن على معظم حياتي، لكنني أقوم بتقديم الحفلات المجانية للضعفاء كما أقدم عملا خيريا، لكنني لا أريد أن أتحدث عن هذا الجانب وأتركه لله سبحانه وتعالي، وأرجو أن يرضي عني وعن عملي المتواضع.

الأخبار:هل لديك أعمال فنية جديدة؟ وإذا كان الجواب نعم فما هي طبيعة هذه الأعمال؟

- لدي الآن أغاني جديدة في طور الإعداد وأغنية وطنية أضع عليها اللمسات الأخيرة وستخرج إلي الجمهور في أقرب وقت إن شاء الله، فأنا أغني للوطن كله ويهمني أن أتحدث إلى كل الموريتانيين في كل ركن من هذا الوطن الغالي والعزيز.

الأخبار: هل كان للفن تأثير كبير علي حياتك الخاصة؟

- الشهرة أمر صعب تجعل الحياة الشخصية للفنان حياة معقدة وان كنت أحاول بكل صعوبة أن تكون لدي حياة شخصية جيدة رغم ما أعانيه في سبيل المحافظة عليها. لقد قررت أن لا أتزوج إلا من رجل لا يريدني أن أقاطع الفن ولا يتناقص لديه التعاطي معه، لأنني أختار الفن عن كل شيء، وكل من تزوجت بهم لم يقفوا في وجه مسيرتي الفنية.


نقلا عن الأخبار