مشاهدة النسخة كاملة : الإفراج عن العدالة


أبوسمية
05-22-2011, 06:56 PM
الإفراج عن العدالة

ما إن أعلن وزير التوجيه الإسلامي عن تشكيل لجنة "لإحصاء ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وإعداد خرائط توضح أماكن دفنهم"، حتى أقيمت الدنيا لكي لا تقعد في القريب العاجل. وبسرعة تحول الأمر إلى حديث عن "نبش القبور" و "إحياء النعرات وفتح صفحة جديدة من عدم الاستقرار تهدد حاضر البلاد ومستقبلها"!
ومع أن الطريقة التي تم بها إعلان الخبر وحجم المعلومات التي تم تقديمها عن الموضوع، قد ساهمت في إضفاء الغموض على العمل المزمع إنجازه، فإن الهدف الرئيسي "للحملة المضادة" يبقى مكشوفا ومعروفا للجميع، ألا وهو الاستماتة في المحافظة على الوضع الراهن في مجالات انتهاكات حقوق الإنسان والبقاء ضمن حماية يافطة عفو 93 سيء الصيت.
يبقى الهدف مكشوفا لأن الأسطوانة هي ذاتها التي ترددت على مسامعنا منذ ارتفعت الأصوات لأول مرة في بداية التسعينات للمطالبة بإلقاء الضوء على سنوات الجمر، ولأن المبررات والتهديدات هي ذاتها! ومع ذلك فلا شيء أكثر وجاهة ولا عدالة من أن يعرف الابن أين دفن والده والأرملة أين دفن زوجها والأم أين دفن ابنها، ولا شيء أكثر ابتذالا من أن نتصور بأن الاستجابة لهذا المطلب البسيط والعادل هو عمل تخريبي ومدمر للوحدة الوطنية ولاستقرار البلاد!
أي منطق هذا الذي يعطي الأولوية لحماية الجلاد على حساب حقوق الضحية؟ وأي منطق هو ذاك الذي يعتبر الاستمرار في انتهاك حقوق الضحايا أقل خطرا على الوحدة الوطنية من الاستجابة لبعض مطالبهم؟ بل أي منطق هذا الذي يعتبر انتهاك حقوق الإنسان والإفلات من العقاب أداة مثالية لضمان الاستقرار، فيما يصنف العدالة والإنصاف ضمن خانة مصادر عدم الاستقرار؟
ما نحن بصدده الآن كان ينبغي أن يحصل قبل عقود، وسيحصل لا محالة إن عاجلا أو آجلا ومهما اختلقنا من أعذار ولفقنا من حجج واهية، إذ أنه لا مفر من مواجهة الحقيقة المرة والأفضل أن نواجهها عن وعي ونحن جاهزون لاستحقاقاتها من أن تفاجئنا الذاكرة وهي في حالة فوران لا ترضى بأقل من الثأر والانتقام! ذلك أن إصرار الضحية على نيل الحقوق ليس أقل شأنا من إصرار الجلاد على الإفلات من العقوبة!
صحيح أن السعي إلى تحقيق العدالة لا ينبغي النظر إليه باعتباره مسألة مطلقة تتجاوز ضرورة الحاجة إلى السلم المدني، غير أنه لا يمكن التفكير في العدالة من دون إعطاء الأولوية لحاجة الضحايا لاستعادة حقوقهم وحاجة الدولة لتبرئة ذمتها تجاه مواطنيها وحاجة المجموعة الوطنية لتصفية إرث يثقل كاهلها ويتشابك فيه ما هو فردي بما هو جماعي.
لقد فقدت استراتيجية الإفلات من العقوبة حيويتها تماما كما فقدت محاولات استغلال آلام الضحايا كل جاذبية ومردودية، وأصبح الوقت لصالح عدالة تتجاوز حدود حصر المسؤوليات والمتابعات الجنائية، لتلامس مستوى إعادة بناء اللحمة الوطنية على أسس تستطيع استخلاص الدروس الصحيحة من أكثر أخطاء الماضي عنفا ومأساوية.
ولأن هناك أكثر من طريقة لتلبية مطالب الضحايا ولتحقيق المصالحة الوطنية، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه لا يمكن إلا أن تكون محل ترحيب ونبراس أمل لأنها في أسوأ الأحوال لن تعني أقل من أن نظام القمع والتصفيات قد بدأ يفقد السيطرة على مجريات الأحداث وأن طريقة أخرى للتعاطي مع المطالب العادلة قد بدأت ترى النور.

نقلا عن أقلام حرة