مشاهدة النسخة كاملة : مشهد لا تستطيع "إسرائيل" نسيانه.. أو تجاهله(جلال عارف)


أبوسمية
05-22-2011, 05:49 PM
مشهد لا تستطيع "إسرائيل" نسيانه.. أو تجاهله (جلال عارف)

لن تنسى "إسرائيل" ما جاءها في ذكرى «النكبة» هذا العام. ستقول بالطبع إنها «انتصرت» على محاولات انتهاك «حدودها»، وإنها أظهرت للجميع قدرتها على الردع، وإنها حصلت على «مباركة» أميركا ودول كبري عديدة على اعتبار قتلها للفلسطينيين أصحاب الأرض الحقيقيين هو من قبيل حق الدفاع المشروع، وسيزهو نتنياهو بازدياد شعبيته وتماسك حكومته، وسيحاول تصوير الأمر على أنه لعبة سورية لصرف الأنظار عما يجري في الداخل، أو مناورة فلسطينية في انتظار ما يأتي به أيلول القادم من تطورات إذا لجأ العرب للأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية.
دعك من كل هذا، وتوقف عند الحقيقة الأساسية في المشهد الذي تظهر فيه "إسرائيل" للمرة الأولي منذ سنوات طويلة في الصورة التي تحاول جاهدة أن تتخطاها، وهي صورة الجزيرة المعزولة عن محيطها، المزروعة في أرض لا تنتمي إليها، المحاطة بالملايين التي لم ولن تنسى أن القدس أسيرة وأن فلسطين عربية.
مشهد عشرات الألوف على الحدود، واقتحام حقول الألغام ومعانقة الموت برصاص الإسرائيليين من أجل استنشاق هواء الوطن السليب وتلمس ترابه، هذا المشهد التاريخي بكل رمزيته لم يكن وحده ما ينذر "إسرائيل" بالقادم الأسوأ لها، ولكن ما وراء المشهد كان هو الأخطر. فما جرى على الحدود كان مرتبطاً بالزلزال الذي يعم العالم العربي، فيغير أنظمة ويفتح أبواباً للحرية، وينهي عقوداً من الجمود والتراجع، ويقول للعالم الذي تعامل مع العرب لسنوات على أنهم أمة خارج التاريخ إن هذا الحكم كان خاطئاً وعنصرياً ومتآمراً لتبرير الهيمنة على المنطقة ونهب ثروات العرب واحتلال أراضيهم وقهر إرادتهم في التحرر والاستقلال والتقدم.
المشهد على الحدود يكتسب أهميته الحقيقية من هذا الزلزال الذي بدأ بانتصار الثورة في تونس ومصر، والذي مازال يعد بالكثير من التغييرات المهمة في العالم العربي، والذي يؤكد أن الشارع العربي الذي كان الكثيرون يتصرفون على أنه قد فقد الروح ولم يعد لديه إلا انتظار ما يقرره الآخرون، هذا الشارع يثبت مدي حيويته ووعيه وتمسكه بحقوقه المشروعة، وإصراره على الإصلاح والتغيير وانتصاره لقيم الحرية والعدل.
فبينما كان ألوف الفلسطينيين يحتشدون على الحدود ويدفع بعضهم الحياة لأنه لم يستطع مقاومة نداء أرض الوطن وهي على مرمي البصر، كان الألوف في القاهرة يحاصرون سفارة العدو الإسرائيلي، وكان عشرات الألوف من المصريين يحاولون عبور سيناء للتظاهر على الحدود، وكان مئات الألوف يحتشدون في ميدان التحرير من أجل فلسطين.
صحيح أن قوات الأمن فضت التظاهرة أمام سفارة العدو الإسرائيلي بعد صدامات دامية مع الشباب المتحمس، وصحيح أن معظم المتوجهين لسيناء استجابوا لنداء القيادة العسكرية الحاكمة بعدم الوصول للحدود مراعاة لظروف الثورة، وأن من أصر على الذهاب قد تم منعه، ولكن الرسالة بكل تأكيد وصلت، ومصر بعد الثورة لم يعد فيها ما يطمئن "إسرائيل"، صحيح أن القاهرة أعلنت أنها ستحافظ على المعاهدة مع "إسرائيل"، ولكنها لم تستبعد تعديلها، وصحيح أن القاهرة لم تخرق التزاماتها، ولكنها خلال أسابيع فقط- حققت المصالحة الفلسطينية، وأعلنت عن فتح المعابر، وبدأت البحث في وقف تصدير الغاز ل"إسرائيل".
الأهم من ذلك أن الرهان على انكفاء مصر بعد الثورة على مشاكلها الداخلية قد سقط، وأن الرهان على انقسام عربي حاد قد تراجع بعد الإجماع على انتخاب نبيل العربي أميناً للجامعة العربية، وأن استعادة مصر لدورها العربي يأتي في ظل سياسة جديدة تعكس المصالح الحقيقية لمصر والعرب، وتنهي هذا الخصام الذي كان سائداً بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي، وتنهي أيضاً مرحلة طويلة غاب فيها القرار المستقل، وزادت وطأة النفوذ الأميركي على السياسة المصرية، واطمأنت "إسرائيل" تماماً إلى غياب مصر وبدأت تعربد في المنطقة انطلاقاً من ذلك، واطمئناناً إلى «الكنز الاستراتيجي» الذـي وجدته في هذه الأوضاع.
المشهد اختلف في مصر وفي العالم العربي، والمسافة التي كانت تفصل بين الشعب والنظام لن تعود كما كانت، والزمن الذي كان فيه زعماء "إسرائيل" يجدون من يستقبلهم في هذه العاصمة العربية أو تلك بعد كل مذبحة يرتكبونها قد انتهى.. صحيح أن مصر (أو غيرها من الدول العربية) لن تشن حرباً ضد "إسرائيل" الآن، أو تلغي تعاقداً، والأخ خالد مشعل نفسه طلب من الجميع أن يضبطوا حماسهم ويتركوا للقاهرة الفرصة كاملة لترتيب أوضاعها الداخلية بعد الثورة.
ولكني أظن أن هذا هو ما يقلق "إسرائيل" بالفعل، وأنها ستسعى جاهدة (ومعها كل قوى المساندة والدعم) من أجل تعطيل هذه المهمة الأساسية المطلوبة حتى تستطيع مصر مواجهة تحديات المستقبل على أرض ثابتة.
لا أظن بأن "إسرائيل" قد واجهت لحظة للحقيقة مثل تلك منذ عقود. وبعيداً عن موازين القوى العسكرية وترسانات الأسلحة التي تملكها، فإن "إسرائيل" تعرف كيف تقرأ المشهد الذي يعيدها إلى ما سعت جهدها لتغييره على مدى سنوات طويلة بمساعدة كل من يساندها، كيان عنصري مغتصب للأرض والشرعية، ولا مستقبل له مهما امتلك من قوة ومارس من أساليب نازية وسط بحر عربي يتمسك بحقوقه. "إسرائيل" تعرف كيف تقرأ المشهد. وعلينا نحن أن نقرأ ردود فعلها، وأن ندرك أن مرحلة جديدة وخطيرة قد بدأت في الصراع، وأن حقول الألغام على الحدود لم تمنع «مشاريع الشهداء» من العبور إلى الوطن السليب.

نقلا عن المركز الفلسطيني