مشاهدة النسخة كاملة : ساري عرابي ... الاختبار الأول للمصالحة (تقرير)


أبو فاطمة
05-22-2011, 02:12 AM
ساري عرابي ... الاختبار الأول للمصالحة (تقرير)

يراقب أبناء حركة "حماس" في رام الله، هذه الأيام، بحذر شديد النتائج المرجوة منذ توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، في السابع والعشرين من الشهر الماضي. ومنذ ذلك التاريخ نجحت حماس بإخراج مسيرتين متواضعتين دعمًا للمصالحة عقب صلاة الجمعة من أمام مسجد البيرة الكبير وسط المدينة، على الرغم من مراقبتها وإحاطتها بالعشرات من أفراد جهازي "الأمن الوقائي" والمخابرات، وصولًا إلى دوار المنارة، أمام وسائل الإعلام المحلية والعالمية، التي غطت بكاميراتها هذا التجمع لأول مرة لحماس في عاصمة السلطة الفلسطينية المؤقتة وهم يحملون الرايات الخضراء.
وبحسب مراقبين فإن هاتين المسيرتين لحركة حماس في رام الله كانتا بمثابة محاولات جس نبض من قبل عناصر الحركة الذين تعرضوا طوال أربع سنوات ونيف إلى ملاحقة الأجهزة الأمنية التابعة لحركة فتح، وإن خروج المئات فقط في هذه المسيرات كان بطلب من قيادة الحركة؛ إذ إن معظم المشاركين إما أنهم تعرضوا للاعتقال أو الاستدعاء من قبل جهازي الأمن الوقائي والمخابرات خلال السنوات الماضية.
سأل مراسلنا الذي رافق المشاركين في هذه المسيرات عن الإشارة التي ينتظرها أبناء وعناصر حركة "حماس" للقول بأن اتفاق القاهرة الموقع في الخامس من الشهر الجاري لن يكون كاتفاق مكة، فأجمع كل من حاورناه على قضية واحدة ينتظرها الجميع هنا في رام الله، وهي الإفراج عن المعتقلين السياسيين من أبناء الحركة في السجون الفلسطينية ووقف استدعائهم وملاحقتهم من قبل الاجهزة الأمنية العاملة في الضفة الغربية.
إلا أن اسمًا واحدًا تكرر على مسامعنا خلال الحديث عن قضية المعتقلين السياسيين في رام الله، كان اسم ذلك الشاب القابع منذ شهور طويلة في زنازين مقر جهاز الاستخبارات العسكرية في ضاحية أم الشرايط في رام الله "ساري عرابي".
فما قصة هذا الشاب ؟ ولماذا يعتبر أبناء حماس الإفراج عنه وعودته إلى بيته ووقف محاكمته الاختبار الأول لاتفاق إنهاء الانقسام الموقع في القاهرة برعاية عربية ومصرية واسعة؟.
والدته تبكيه كل ليلة
أخبرتنا والدته التي التقيناها بالشارع العام أنها تبكي نجلها البكر ساري منذ اعتقاله في 11-7-2009 وحتى يومنا هذا كل ليلة؛ فابنها اختطف من منزله دون أي ذنب أو سبب أو حتى تهمة، ولا تعرف سبب هذا "الحقد الكبير" على ابنها الذي أكمل قبل أيام عامه الثلاثين.
وأضافت "أم ساري": "منذ اعتقال ابني وأنا لا أحس بطعم لهذه الحياة سوى طعم المرارة والأسى على الوضع الذي وصلنا اليه، فأنا لا أفهم كيف يتم اختطاف شاب من منزله ثم يتعرض إلى أقسى أنواع التعذيب ثم يحاكم خلسة ولمدة ثلاث سنوات وما هي التهمة، الله وحده أعلم، هذا لم يحدث معنا ومعه أيام الاحتلال ولكنه حدث في رام الله".
وتتابع: "كيف لجفوني أن تغفو وأنا أعلم أن ابني مريض، بل أنهكه المرض، وإذا عددت لكم الأمراض التي يعاني منها ستقولون لي بأن ساري في الثلث الأخير من حياته، فكأنه طاعن في السن وقد خرّ المرض في أنحاء جسمه".
وتقول "ابني ينام على سرير من الحديد، ويحتجز في (كونتينر)، ملقى وسط عدة مبان متواضعة تشكل جميعها مقر جهاز الاستخبارات العسكرية في ضاحية أم الشرايط جنوب مركز مدينة رام الله.
تعذيب متواصل
التقينا صدفة بصديق قديم لساري شاءت الأقدار أن يرى ما لا تصدقه عين بشر، مما تعرض له خلال التحقيق في زنازين مقر جهاز المخابرات العامة، حيث اعتقل وعذب هناك.
يقول صديقه "كان يحتجز في زنزانة انفرادية ملمسها ناعم ولكنها باردة جدًا، فالاعتقال كان في أوج شهور البرد القارص، ليتبين لنا فيما بعد من زوار هذه الزنزانة أنها كانت بالأصل "مرحاض"، طبعًا بدون فرشة ولا بطانية ولا وسادة، يفترش بجسده على البلاط البارد جدًا، ويلتحف سقفا معتما نهارًا وليلًا.
ويتابع "شاهدته خلسة أثناء خروجه ودخوله إلى مكاتبهم، كان الأمر مخيفًا، بثور حمراء بل من شدة احمرارها اقتربت إلى حد السواد غطت وجهه ويديه وأذنيه وكل جسده، ويمشي وقد تقوّس ظهره حد الشعور بأن صاحبنا يعاني من إعاقة، وانحناء إلى جهة اليمين في رقبته ورأسه إلى درجة -بحسب ما اعتقدت- أنني أرى أمامي شخصًا من ذوي الاحتياجات الخاصة".
ويضيف "تعرض ساري إلى الضرب على كل أنحاء جسده النحيل طوال ثلاثة شهور من الاستجواب، عزل في زنزانة انفرادية، شبح وهو جالس على كرسي لأيام، وربط بيديه إلى الخلف ثم إلى نافذة تتوسط الباب الحديدي لزنزانته لليالٍ طويلة، شبح واقفًا على رجل واحدة، ولا تسألني عن "الفلقة" فالضرب على أسفل القدم بالعصي والبرابيش والأسلاك قد تجاوز الأف مرة".
اعتقال ثم إفراج ثم اعتقال ومحاكمة
اعتقل ساري من منزله في قرية رافات المحاذية لرام الله من الجهة الجنوبية في ليلة الحادي عشر من يوليو/تموز لعام 2009 ونقل إلى مقر جهاز المخابرات العامة في ضاحية البالوع، التي تقع خلف مقر إقامة رئيس السلطة محمود عباس بعد مصادرة جواله وجهاز الحاسوب.
حقق معه لثلاثة شهور متتالية حول منصبه في حركة "حماس"، ثم انتقل التحقيق إلى كتابته عدة مقالات نقدية ضد رئيس السلطة الفلسطينية، ومع أنه لم يعترف بشيء ولم يقدم جهاز المخابرات دليلا واحدًا على أنه كتب شيئًا يسيء إلى رئيس السلطة.
جرى تحويله كأول مختطف لدى الأجهزة الأمنية العاملة في الضفة الغربية إلى النيابة العسكرية ليحاكم أمام القضاء العسكري –وهي الجهة القضائية التي ألزمها القانون الاساسي "الدستور المؤقت للسلطة الفلسطينية" نصا وروحا بالاختصاص فقط في القضايا التي يكون طرفا النزاع أو الخصومة من العاملين في المؤسسة العسكرية والأمنية التابعة للسلطة – لتتوجه العائلة بحسب استشارة قانونية من مؤسسات تعنى بحقوق الإنسان إلى محكمة العدل العليا وتصدر قرارًا بالإفراج الفوري عن ساري لعدم اختصاص وقانونية الاعتقال والمحاكمة، وبالفعل أفرج عنه لمدة 22 يومًا فقط، وأمر بعدها القضاء العسكري جهاز الاستخبارات العسكرية باعتقاله مجددًا ويعرض وبشكل سريع للمحاكمة وبدون حضور محام أو والدته ويتم حبسه لمدة ثلاث سنوات غير قابلة للاستئناف أو النقض سوى بمرسوم رئاسي بالعفو عنه؟!

نقلا عن المركز الفلسطيني