مشاهدة النسخة كاملة : الضحية البليغة لا الخَرْساء (خيري منصور)


أبو فاطمة
05-21-2011, 02:20 AM
الضحية البليغة لا الخَرْساء (خيري منصور)

الضمانة الوحيدة لسلامة الضحية من الإصابة بعدوى جلادها هي وعيها للعدالة أولاً، ثم فك الاشتباك جذرياً بين المساءلة قانونياً وأخلاقياً لاستعادة المسلوب وبين الانتقام، لهذا يرى بعض المثقفين الغربيين ومنهم يهود أن مقتل الصهيونية هو هذه الإصابة، بحيث تماهت مع جلادها، وعالجت الهولوكست بهولوكست آخر لشعب لا ذنب له على الاطلاق في كل ما تعرضت له في أوروبا، بل هو سليل أمة طالما كانت ملاذاً لليهود أنفسهم وسواهم من المحارق في زمن محاكم التفتيش، وما كان سائداً في ذلك الوقت من عصاب عرقي .
وحين تحدث انقلابات عسكرية أو ثورات على اختلاف أنماطها من البيضاء إلى الحمراء، فإن أول كمين يمكن أن تقع فيه هو الانتقام والتلهي بتصفية الحسابات وأحياناً منافسة من ثارت ضدهم في القسوة، لكن ليس معنى ذلك أن تقوم الثورات بتكريم من ثارت ضدهم وتقديم باقات الورد لهم، والفارق الحاسم في هذا السياق هو النهج الذي يتم التعامل به مع الأمس، فالمعيار الراديكالي لأية ثورة كي يصيبها بالعمى بحيث يصبح كل من عمل في النظام القديم عميلاً له، على الرغم من أن هؤلاء على اختلاف مواقعهم كانوا يعملون في الدولة وبمعزل عن هذا النظام أو ذاك .
الضحية هي الأدرى بما يفعله الظلم وغياب العدالة، لأنها دفعت الثمن من دمها وتعلمت كما يقول مثلنا العربي من كيسها وليس من أكياس الآخرين أو الكتب، لهذا فهي تتفوق على جلادها عندما تتحرر من كل ميراثه وفي مقدمة هذا الميراث ميزانه الأعرج، وعينه العوراء التي لم تكن ترى أخطاءه، لأنه يفكر ككل أمثاله ممن تعطب السلطة ضمائرهم بأنه دائماً على حق، وبهذا المعنى فالضحية النبيلة ليست تلميذاً نجيباً لجلادها، إنها استاذته ولو بأثر رجعي، لأنها تنظر إلى الغد ولا تنفق طاقتها وحيويتها في حسابات الأمس، ولو راجعنا معظم الثورات في التاريخ لرأينا أن من كان فيها مجرد رد فعل، أو حالة غضب مستمرة انكفأ على ذاته، وذبل داخل الشرنقة التي حبس نفسه فيها .
الثائر بمقياسه الأخلاقي يقول من خلال ممارساته: أنا مختلف عمن ثرت عليه، لهذا فإن الخطيئة التي يقترفها وتهدد مصيره هي تماثله مع من ثار عليهم، لأنه عندئذٍ يمهد الطريق لمن يثور ضده، وهذا ما يفسر لنا تلك المتوالية الدرامية لتعاقب الثورات والثورات المضادة .
وإذا كانت الضحية الفلسطينية قد اجتذبت هذا القدر من الناشطين والمثقفين من مختلف القارات ومن اليهود أنفسهم، فذلك لأنها ضحية لم تفقد نبلها ولم تكن ضحية خرساء كما أراد لها جلادها، فكل جرح من جراحها أبلغ من فمه الثرثار وكل أنين صدر عنها كان يصل إلى الإنسان الذي لم يفقد امتيازه الآدمي حتى في أقاصي هذا الكوكب .
لهذا تفوقت ضحية على ضحية، لكن ما من جلاد تفوق على جلاد، لأنهما يحملان الخصائص ذاتها والأيدي القذرة ذاتها أيضاً .
بلاغة الضحية ونُبْلها هما ضمانة تحررها الدائم من تلك الإصابة اللعينة، وهي تأشيرة دخولها إلى المستقبل بحيث لا تصبح نسخة مكررة من الماضي .

نقلا عن دار الخليج