مشاهدة النسخة كاملة : الإعلام الصهيوني والزحف العربي (مصطفى رجب)


أبو فاطمة
05-20-2011, 06:40 PM
الإعلام الصهيوني والزحف العربي (مصطفى رجب)

احتشد آلاف الشباب العربي يوم 15 مايو الماضي – في ذكرى قيام دولة الكيان الصهيوني عام 1948- وحاولت التسلل إلى داخل الأراضي الفلسطينية، ولو رمزياً، وذلك بالتظاهر بالقرب من الحدود الفلسطينية في لبنان وسوريا والأردن، وأمام السفارة الصهيونية بالقاهرة.
هذا الوضع كان له صداه في الإعلام الصهيوني، فتحت عنوان (هذه مجرد البداية... مئات الآلاف سيقتحمون حدودنا) كتب الصحفي الصهيوني أليكس فيشمان في صحيفة يديعوت أحرونوت في اليوم التالي مباشرة للأحداث يوم 16 /5/2011 يقول: حين وقع الحدث المخجل أمس في هضبة الجولان، كان قادة جهاز الأمن منشغلين باحتفال آخر تماماً: الاحتفال على شرف تسلم رئيس المخابرات الجديد. من لم يكن هناك: رئيس الأركان، والمفتش العام للشرطة، ورئيسا المخابرات المنصرف والوافد، ووزير الدفاع، ووزراء، ورئيس الوزراء. وقد كانوا على أي حال واثقين من أن الجيش جاهز، متحفز ومستعد لكل التطورات وأن أحداث يوم النكبة باتت محسومة في جيبهم الصغيرة وأنه يمكن مواصلة الأعمال كالمعتاد.
لم يتصور أحد تأجيل هذا الاحتفال إلى موعد قريب آخر، ليبعده عن يوم النكبة الذي هو موعد حساس ومؤهل للاضطرابات، يا لها من ثقة. في ليلة أخرى بقي رئيس الأركان لينام في بيته، فيما أن رئيس قسم العمليات، الذي نام في مقر القيادة العسكرية بمناسبة الحدث، حدد لنفسه لقاءات في السادسة صباحاً، إذ كان واضحاً جداً بأن السيطرة على السفينة ستكون لعبة أطفال.
المرة تلو الأخرى تتكرر الفجوة الهائلة التي بين إعداد الخطط، وتقويمات الوضع، والإعلان عن التأهب العالي ونثر الوعود للجمهور بأن كل شيء تحت السيطرة وبين ما يحصل في الواقع. يبدو أن القيادة الأمنية تعاني من نوع ما من التضليل الذاتي حول القدرات المهنية للجيش في المجال الأكثر إشكالية للتصدي للمدنيين.
وتحت عنوان جانبي (خلل عملياتي) يوجه الكاتب الصهيوني اللوم لأجهزة الأمن الداخلي فيقول:
من يدعي بأن مظاهرة الجماهير الفلسطينية في ذلك الصياح كانت بمثابة مفاجأة للاستخبارات لا يقول كل الحقيقة. معلومات عن المظاهرات وعن بؤر الاحتكاك في أرجاء الجولان نقلت إلى القوات، وعليه فقد زودت القوات بوسائل لتفريق المظاهرات. فضلاً عن ذلك، في ساعات الصباح ظهرت في قاطع مجدل شمس حركة نحو تسعين باصاً، والآلاف الذين نزلوا منها احتشدوا في نطاق أعد مسبقاً في القاطع في صالح المظاهرة أمام السياج. في أثناء تقويم الوضع عرض الجيش على القيادة السياسية سلسلة نقاط احتكاك محتملة في يوم النكبة. القيادة السياسية، من جهتها، وجهت الجيش بكلمات واضحة: كل خرق للسيادة هو خطر على الحياة، وعليه فإن كل اقتحام للجدار الحدودي سيستقبل بالنار بداية بنار انتقائية نحو الأقدام، وإذا لم يجدِ ذلك فتطلق النار لغرض القتل. استخدام تعبير 'خطر الحياة' نبع من الاعتبار بأن كل اختراق للجدار الحدودي من شأنه أن ينتهي بتسلل مواطني دول معادية إلى البلدات، إلى المستوطنات، إلى استحكامات الجيش وما شابه. وعليه فتطلق النار. أوامر النار هذه مقبولة، كما يبدو، من رجال القانون في الجيش.
حيال غزة ولبنان نفذ الجيش تعليمات القيادة السياسية نصاً وروحاً، وقد نجح هذا. هذا نجح في غزة، حين حاول الفلسطينيون اقتحام حاجز إيرز، وهذا نجح في لبنان، حيث شارك أيضاً الجيش اللبناني بالنار على المتظاهرين الذين اقتربوا بشكل مهدد نحو الجدار الحدودي مع "إسرائيل". ولكن في تلة الصياح، في هضبة الجولان، لم ينجح شيء.
في اختبار النتيجة: كان هناك قصور. الجيش لم ينفذ قرارات الحكومة، لم يستعد كما ينبغي، ومن المعقول الافتراض بأن الشروحات للجنود أيضاً لم تكن جيدة بما فيه الكفاية. كانت هناك جلبة كبيرة بدت للحظة بأن الجيش في هذا القاطع ببساطة أضاع بنطاله. وهذا خلل مهني، عملياتي، موضوع في ساحة قيادة المنطقة الشمالية، أحد ما هناك يتعين عليه أن يقدم التفسيرات، الميل عندنا هو دوماً أن نلقي بالتهمة على الإيرانيين الذين ينبشون وعلى السوريين الذين غيروا قواعد اللعب دون أن يبلغونا مسبقاً هو ميل صبياني وليس مهنياً.
إذ لا يدور الحديث عن خلل عملياتي في اشتباك مفاجئ مع مخربين على الحدود، يدور الحديث هنا عن حدث تم الاستعداد له على مدى أشهر طويلة ويمكن أن تكون له آثار شديدة على جودة ردع الجيش الإسرائيلي في المستقبل، يحتمل أنه بسبب هذا الخلل سيتعين، ابتداء من اليوم فلاحقا، التصرف في الحدود مع سوريا بشكل مغاير تماماً. نجاح أمس يمكن أن يخلق محاولات أخرى لمسيرات جماهيرية إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، وليس فقط من جهة سوريا. هذا قد يحصل في يونيو بالتوازي مع الأسطول إلى غزة، وقد يحصل في سبتمبر حول الإعلان عن دولة فلسطينية.
ماذا سنوقف في وجههم؟
وفي هذه النقطة توجد لدولة "إسرائيل" مشكلة منظوماتية. باستثناء الردع، ليس في أيديها وسائل لمنع اقتحام حدودها من عشرات ومئات وآلاف الفلسطينيين الذين ينجحون في تنظيم أنفسهم وتحقيق حلم عودتهم بأقدامهم.
أمس تلقينا تحذيراً: فالفلسطينيون ساروا نحو حدود "إسرائيل" من ثلاثة اتجاهات: غزة ولبنان وسوريا. الأردن، ومصر والسلطة الفلسطينية ستوقف مسيرات من ثلاثة اتجاهات محتملة أخرى. ولكن ليس هناك ما هو مضمون تماماً. كلما جرى الحديث أكثر عن تسوية سياسية أو عن إقامة دولة فلسطينية، سيصبح حق العودة علم الكفاح الفلسطيني. هكذا بحيث أن المسيرات والأساطيل لتحقيق حق العودة ستنال المزيد فالمزيد من الزخم، ما الذي سنوقفه في وجههم؟ قناصة؟ ربما بنادق ألوان، مثلما في مرمرة.
وفي الصحيفة نفسها وفي اليوم نفسه كتب الكاتب الصحفي الصهيوني ناحوم برنياع تحت عنوان (لن تعودوا إلى فلسطين) يقول:
يسيرون الآن في مسيرات إلى الجدار الحدودي: في مجدل شمس ومارون الرأس وإيرز وقلندية. يرفعون أعلام فلسطين ويطلبون العودة إلى القرى التي خسرها آباء آبائهم في 1948. قال الساسة إن هذا ما سيكون، ووعدهم الوعاظ بعون الله. وقدم رعاة أجانب أعلاماً وحافلات. خرجوا للمهمة واثقين بأن المشروع الصهيوني ـ كما يسميه إسماعيل هنية ـ حكمه واحد هو أن ينهار، فما هي إلا دفعة صغيرة حتى تصبح أرض "إسرائيل" كلها من الأردن إلى البحر فلسطين.
ويوجه الكاتب الصهيوني الساخر كلامه للفلسطينيين مهدداً ساخراً يقول:
عندي أنباء لكم يا أبناء عمومتنا الأعزاء: لن يحدث هذا في أيامكم. لن تعودوا إلى "إسرائيل" داخل الخط الأخضر. انقضت 63 سنة منذ تلك الحرب. وآن أوان الأخذ بأحلام أخرى.
أعلم أن لا أحد من متظاهري يوم النكبة سيقرأ هذه السطور. لكن في غرفة صغيرة في المقاطعة في رام الله يجلس عدة فلسطينيين نشطاء مخلصين لعملهم ويترجمون لأبو مازن ووزرائه كل كلمة ذات صلة تنشر في الصحف العبرية وكلامي موجه إليهم.
أبو مازن هو السياسي الأكثر إنسانية والأكثر وداً في الحكومات الثلاث التي تتولى الأمور الآن في أرض "إسرائيل"، وهو مصغ مثل كل سياسي إلى أهواء جمهوره، تكون الكلمات التي تخرج من فمه أحياناً أقوى منه فهو ينساق.
وعد شعبه عشية أحداث النكبة بألا يقوم زعيم فلسطيني يتخلى عن حق العودة. قال: "ليست العودة شعاراً. فلسطين لنا".
أما سؤال أين وكيف سيتحقق الحق، هل بتعويض مالي أو بعودة مادية، هل بدولة فلسطينية تنشأ أم في "إسرائيل" أيضاً، فقد امتنع عن إيضاحه، كان كل واحد يستطيع أن يسمع في كلامه ما أراد سماعه.
في أحاديث خاصة يقول مسؤولو السلطة الفلسطينية الكبار منذ سنين إنهم يعلمون ألا سبيل لإعادة العجل إلى الوراء.
سيُقترح على اللاجئين بناء حياتهم في مساقط رؤوسهم أو في الدولة الفلسطينية أو الحصول على تعويض مالي.
لكنهم يتحدثون إلى شعبهم بلغة أخرى، فهم غير قادرين على تبشير مئات آلاف الفلسطينيين ممن لا جنسية لهم ويعيشون في مخيمات لاجئين في سوريا ولبنان ببشرى عدم العودة. بدل ذلك يُنمون عندهم أحلاماً باطلة بعودة لن تأتي.
دُفع أبو مازن نفسه قبل بضعة أشهر إلى ضيق كبير عندما نشر موقع "ويكيليكس" كلاماً قاله في حديث خاص لدبلوماسي أمريكي في عدم جدوى الإصرار على حق العودة. وقد سارع إلى الإنكار بطبيعة الأمر.
عندما يُسأل ساسة فلسطينيون لماذا يمتنعون عن قول الحقيقة لشعبهم يُجيبون بأن حق العودة هي ورقة مساومة فهم سيتخلون عنها فقط مقابل تخلٍ مواز من قبل "إسرائيل" في شأن شرقي القدس مثلاً.
في موقفهم في ظاهر الأمر منطق: فالسوق في الشرق الأوسط لا تحترم سوى من يُصر على المساومة. لكن الأوهام لها قوة خاصة بها. إن الأمل الباطل الذي يذيعونه في جمهورهم قد يصبح عنفاً يسوق المنطقة كلها. إنهم يركبون ظهر نمر.
يجب قول الحقيقة في قضية حق العودة لا للفلسطينيين وحدهم بل للإسرائيليين أيضاً. إن رفض العودة إلى "إسرائيل" هو الخط الأحمر الذي لن يجتازه الإسرائيليون الذين يؤيدون حل الدولتين، في اليمين كثيرون لا يهمهم فهم يسعون إلى إنشاء دولة واحدة ـ دولة تمييز عنصري؛ وفي اليسار أيضاً هناك من لا يهمهم: فهناك أيضاً يوجد من يسعون إلى إنشاء دولة واحدة هي دولة النكبة.
من أراد أن يحيا في دولة "إسرائيل" السيادية والصهيونية والديمقراطية فلا مناص له سوى أن يكرر القول لأبناء عمومتنا: مع كل الاحترام، ما كان كان ولن يعود أبداً.
قُضي علينا بأن نتقاسم: فنحن سنعيد مستوطنينا إلينا وأنتم ستستوعبون لاجئيكم عندكم. ولن تعودون إلى "إسرائيل".
لكن كل هذه السخرية لا تنفي أن لدى الصهاينة خوفاً حقيقياً من احتمالية تكرار هذا الزحف مستقبلاً.

نقلا عن المركز الفلسطيني