مشاهدة النسخة كاملة : إذا عزت مصر... (جمال أبو ريدة)


أبو فاطمة
05-20-2011, 06:35 PM
إذا عزت مصر... (جمال أبو ريدة)

احتلت مصر طوال تاريخها العربي والإسلامي مكانة مرموقة في حياة العرب والمسلمين على حد سواء، وذلك منذ أن فتحها عمرو بن العاص في العام (21هـ=640م)، وقبل الحديث عن مصر العروبة والإسلام نشير فقط إلى أن مصر كانت قبل الفتح العربي والإسلامي لها تحت الاحتلال الروماني، الذي تمسك بها أكثر مما تمسك ببقية البلدان العربية الأخرى(...)، وذلك للخيرات الوفيرة التي فاضت بها على خزينة الإمبراطورية، ولكن هذا الخير كله آل إلى العرب بعد الفتح الإسلامي فكان مصدر قوة وعزة لهم، فمن مصر انطلقت عملية الفتح الإسلامي للجوار العربي وتحديدا بلاد ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، والأندلس، ولعل ما ميز الفتح الإسلامي لمصر عن بقية البلاد الأخرى هو ترحيب شعبها بالعرب والمسلمين واحتضانهم، في الوقت الذي استغرقت فيه عمليه فتح البلاد المجاورة ما يزيد عن سبعين عاماً وذلك لقساوه أهلها وصعوبة تضاريسها.
وتجسدت عزة مصر في حياة العرب والمسلمين بعد ذلك في أمرين غاية في الأهمية، وهما:-
1- تحرير بيت المقدس من الاحتلال الصليبي (583‏هـ=‏1187م)‏.
2- هزيمة المغول في معركة عين جالوت (658 هـ= 1260م).
وفيما يتعلق بالأمر الأول، فقد جاءت عملية التحرير لبيت المقدس، بعدما تربع صلاح الدين الأيوبي على عرش مصر، بعد إطاحته بالدولة الفاطمية الضعيفة التي كانت في أواخر عهدها(...)، ولعل أحد مظاهر هذا الضعف هو احتلال الصليبين لبيت المقدس في الحملة الصليبية الأولي (492‏هـ=1099م)‏ أمام مرأى ومسمع من الفاطميين(...)،وما إن تحقق لصلاح الدين ما أراد حتى عمل على جمع كلمة العرب والمسلمين تحت لواء الجهاد لتحرير بيت المقدس من الاحتلال الصليبي، وقد تحقق له ذلك في العام (583‏هـ=‏1187م)‏، وكان للجنود المصريين الدور المهم في عملية التحرير التي شكلت بداية النهاية للوجود الصليبي في المنطقة العربية.
ولم يكتف المصريون بكل ما سبق، ولكنهم سارعوا في العصر المملوكي إلى الزحف باتجاه فلسطين لملاقاة المغول في معركة عين جالوت، وقد تحقق للمصريين ما أرادوا حيث ألحقوا بالمغول هزيمة منكرة في العام (658هـ= 1260م)، وعاد المغول أدراجهم إلى آسيا الوسطى، بعدما ظنوا أن سقوط بغداد هو سقوط للأمة العربية والإسلامية.
إن هذه الأحداث العظام التي يسجلها التاريخ العربي والإسلامي لمصر، هي جزء يسير مما لمصر من فضل على أمتها، والشاهد مما سبق أن عزة مصر هي عزة للعرب والمسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها والعكس صحيح، ولعل ما لحق بالعرب من هزائم طوال القرن الفائت ما كان ليتحقق لولا حالة الوهن التي كانت عليها مصر.
ولقد تجسدت هذه الحالة أكثر منذ اتفاقات كامبد ديفيد سيئة الصيت حينما نجح (الإسرائيليون) في إبعاد مصر عن أمتها العربية والإسلامية، ولعل ضرب المفاعل النووي العراقي في العام 1981م، وبعد ذلك الاجتياح (الإسرائيلي) للبنان في العام 1982م، وقائمة الآثار السليبة في هذا المضمار يصعب حصرها، هي خير شاهد على أثر غياب مصر عن أداء دورها الطبيعي اتجاه أمتها العربية.
ورغم عظيم الهزائم التي لحقت بالعرب والمسلمين طوال السنوات الفائتة بسبب تغيب مصر عن دورها، فإن ما جرى وما يجري فيها هذه الأيام هو أشبه بحالة البعث التي مرت بها(...)، بعد سقوط الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين، فمنذ الثورة المصرية المجيدة ومصر تتصدر الأحداث في العالم العربي، وباتت أمل الأمة العربية والإسلامية، ولعل مطالبة مصر برفع الحصار (الإسرائيلي) المفروض على غزة منذ خمس سنوات هو أول باكورة عملية التغيير في مصر، وهي التي كانت في عهد الرئيس المخلوع مبارك جزء من الحصار الظالم على غزة، ويبقى الجدار الفولاذي المصري على الحدود المصرية- الفلسطينية خير شاهد على عظيم جرم النظام المخلوع بحق الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة (...)، ولقد تجسد حالة البعث في الإعتصامات، والاحتجاجات الشعبية المصرية في الذكرى الـ63 لإحياء ذكرى النكبة الفلسطينية، حينما احتشد في ميدان التحرير الجمعة الفائتة ما يزيد عن مليون مصري، وكانت وجهة هؤلاء جميعًا الحدود المصرية- الفلسطينية لولا تدخل الحكومة المصرية بتأجيل هذا الأمر إلى وقت لاحق.
إن المأمول من مصر في المرحلة المقبلة اتجاه الأمة العربية هو كبير بلا شك، وقد يعتقد البعض أنه مستحيل، ولكن جذور مصر التاريخية الضاربة في العمق، وإرادة شعبها العظيم، وإصرار قيادتها الحكيمة على عودة مصر إلى أمتها كافية لاستعادة الأمة العربية لدورها الحضاري والتاريخي المشرف، إيذانا بالبدء بعملية تحرير الأرض العربية، وتطهير المقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، من دنس الاحتلال اليهودي كما استطاع السلطان صلاح الدين تحرير بيت المقدس من الاحتلال الصليبي قبل 824 عامًا.

نقلا عن المركز الفلسطيني