مشاهدة النسخة كاملة : إرهاصات عصر «كلمة الشعوب أولاً» (محمد خالد الأزعر)


أبو فاطمة
05-20-2011, 06:30 PM
إرهاصات عصر «كلمة الشعوب أولاً» (محمد خالد الأزعر)

المصالحة الفلسطينية والاستعدادات الوطنية السابقة عليها والمواكبة لها، من تعزيز للأبنية والمؤسسات متعددة الوظائف على طريق إثبات جدارة هدف إعلان الدولة، وحركة دبلوماسية واسعة النطاق تمتد من أميركا اللاتينية إلى أوروبا وآسيا لاستقطاب الاعتراف الدولي بهذا الهدف، وذلك في ظل رعاية عربية عامة ومصرية خاصة، مدفوعة بإحساس شعبي عربي قوي بوجيعة الفلسطينيين وضرورة نصرتهم بشكل ملح وعاجل وإبداعي، مثل تسيير الحشود والتظاهرات المليونية نحو حدود فلسطين التاريخية.
.. هذه المعطيات المستجدة الفوارة في رحاب فلسطين التاريخية وجوارها العربي، تدعونا للاعتقاد ببروز مدرسة فلسطينية وعربية شعبية، تتصور أنه ليس بالجيوش والحروب الساخنة، ولا بتوجهات النخب الحاكمة وحدها، ولا بإرادات الآخرين تحدث التحولات الاستراتيجية من حول قضية فلسطين.
ويوحي خطاب القوى العربية الصاعدة والرائدة للمستجدات الراهنة العاصفة، وفي طليعتها القطاعات الشبابية، بأنها تؤمن بأن الخرائط العربية من حيث توزيع موازين الموارد وأبنية الحكم داخلياً، وأنماط العلاقات الخارجية المؤثرة في مواجهة المشروع الصهيوني وكيانه السياسي "إسرائيل"، يمكن أن تتحدد وفقاً لخيارات وضغوط عربية شعبية فطرية، وليس فقط بناء على قراءات للنظم الرسمية محفوفة بعمليات استتباع أو استذلال للقوى المتربعة على قمة النظام العالمي.. بمعنى أن الشعوب العربية يمكنها في لحظة من استعادة الإرادة، والوعي بمقدراتها الذاتية ودورها ومكانتها، أن تصبح طرفاً فاعلاً في تقرير مصائر قضاياها ومنها قضية فلسطين، وليس مجرد أقوام «مفعول بها» طبقاً لمخططات الفاعلين الدوليين في عواصم الشرق والغرب.
تبدو هذه الملاحظة مغايرة للقناعة شبه المستقرة؛ المستقاة من مسار التاريخ السياسي للصراع الصهيوني/ العربي لعقود.. والتي مؤداها وقوع سواد الجماهير العربية في موضع رد الفعل والأغلبية الصامتة؛ الخاضعة على نحو تلقائي أو إكراهي لرؤى النخب الحاكمة وتكييفاتها لإدارة هذا الصراع حرباً وسلماً.
وغالباً ما كانت هذه الرؤى والتكييفات تأتي نتاجاً لمرجعية عليا، أساسها أولوية مصالح هذه النخب من ناحية، وتأثرها الفائض من ناحية أخرى، بمواقف الفواعل الآخرين ونتائج حروبهم ومنافساتهم ومخططاتهم المتوالية، على الصعيدين العالمي والإقليمي.
والواقع أن كلاً من النخب (النظم!) العربية الحاكمة، وصناع القرارات الموصولة بما عرف بقضية «الشرق الأوسط» في قمة النظام الدولي، كانوا دوماً على دراية وإدراك بمكنون القوة والغضب الرابضين في صدور القوى الشعبية العربية؛ الرافضة لأساليبهم في إدارة هذه القضية.
وكانت الفكرة السائدة أنه في حال إطلاق العنان للتعبيرات الشعبية الحقيقية تجاه ما يدور في إطار عملية التسوية، على سبيل المثال، فسوف تذهب جفاء معالم كثيرة من مخرجات هذه العملية، المتعارضة وحقوق عربية أو فلسطينية ثابتة، بالمعنى التاريخي أو القانوني أو بهذين المعنيين معاً.
ويعرف المختصون والمتابعون عن كثب، أن هذه الفكرة قد استخدمت بشكل ذرائعي واضح، في غمرة الجدل حول جدوى التحول الديمقراطي في العالم العربي..
وذلك حين قرن بعض التنظيرات بين توسيع مساحة الممارسة الديمقراطية، وبين احتمال صعود قوى «متطرفة» بديلة عنها، تقضي على فرص التسوية ومنهجيتها القائمة على ما يدعى بالاعتدال والحلول الوسط. وكان اقتناع دعاة التحول الديمقراطي في عالم الغرب بهذا الطرح، كفيلاً بإسكاتهم وإجبارهم على ابتلاع ألسنتهم.
وللإنصاف، ينبغي الاعتراف اليوم بأن هذا الجدل كان يقوم على أسس منطقية وتشوفات صحيحة.. ففي اليوم التالي مباشرة لاندحار بعض نظم الدول الموصوفة بالاعتدال؛ الضالعة في التسوية على خلفية هذا التصنيف، أفصحت شعوب هذه الدول عن خياراتها المختلفة.
ومثلما أنها لم تستأذن من أحد حين ثارت على أنماط الحكم الدكتاتوري داخلياً، ومضت إلى فتح الأبواب والنوافذ أمام رياح الديمقراطية، فإنها عجلت بإعلان مكنونها الذي احتبس طويلاً تجاه عملية إدارة الصراع والتسوية على حد سواء.
الشاهد عموماً، أن زوال حاجز الخوف الذي أسكنه القمع طويلاً في نفوس الشعوب العربية، ربما يسفر عن إبداع مقاربات ومبادرات أخرى غير تقليدية، للتعامل مع العربدة الصهيونية الإسرائيلية. وإذا لم تكن هذه المبادرات على قدر من الحرفية والإتقان السياسي المتعارف عليه في إدارة الصراعات بنجاح، فإنها على أقل تقدير ستدفع بآراء الجماهير ورؤاها إلى الواجهة..
وسيتعين على النخب القيادية أن تعي وجودها بين ظهراني شعوب لم يعد من الممكن استبعادها، شعوب تسمع وترى وتراقب، ويمكنها أن تحاسب وألا تغفر لمن يسيء إلى حقوقها، لا سيما في مواجهة "إسرائيل".

نقلا عن المركز الفلسطيني