مشاهدة النسخة كاملة : ذكرى النكبة.. من المرارات إلى البُشريات (عدنان سليم أبو هليل)


أبو فاطمة
05-19-2011, 02:57 PM
ذكرى النكبة.. من المرارات إلى البُشريات (عدنان سليم أبو هليل)

يجمع المراقبون على أن ذكرى النكبة هذا العام كانت مختلفة في الشكل وفي المضمون؛ أما شكلا فلم يكن التفاعل معها على طريقة المهرجانات والأحفال وأغاني العتابا والميجنة التي يغلب عليها الطرب والحبور والتي يكون فيها صوت المعاناة والتهجير نشازاً أو رياء، وأما في المضمون فمن رصد تصريحات العدو – قادته وكتابه – في تحليل ما جرى على الحدود وما يمكن أن يترتب عليه أو يتفاقم إليه يدرك أن هذه الذكرى في هذا العام كانت فارقة وانعطافاً تصحيحياً لكيفية التعامل مع القضية والتأثير فيها لب هذا الانعطاف ولحمته إعادة الدور للشعوب وبالأخص للشباب وللتيار الإسلامي وهو ما عمل وحرص المحتل - ومن في حزبه منا ومنهم - أن يبعدوه عن المواجهة لتبقى في يد النظم التي تتفاهم وتتفهم مقتضيات الاحتلال وتتقاطع مع غاياته وتتقطع في خدمة أهدافه..
زحفت الجموع تجاه حدود فلسطين وغالبيتهم من الشباب كفئة عمرية ومن اللاجئين الفلسطينيين كجوهر معاناة واهتزت تلك الحدود كما لم يحدث من قبل واخترق الشريط الحدودي في أماكن منه.. وتجاوز المشهد التعبير عن النكبة والمرارة وعن الشوق لفلسطين إلى التضحية من أجلها وإلى أن يسقط العشرات بين شهيد وجريح ما صبغ ذكرى النكبة بلون الجدية العالية ورسم أفقاً لعمل كبير يبدو أنه صار يتحضر وينضج سريعاً في الوجدان الفلسطيني والوجدان العربي العام.. العدو لم يستطع إخفاء خوفه من كل هذا ومن التطور الممكن له.. فجاءت تصريحاته وتعبيراته أشبه بالهيستيريا الإعلامية.. وكلها تحذر من أن الملايين سيكونون على الحدود في مناسبات أخرى.. فما الذي استجد على الحالة الفلسطينية وعلى مفهوم النكبة؟ وأقول:
ذكرى النكبة هذه الأيام جاءت والعدو يمر على الصعيد السياسي والديبلوماسي بحالة عبرت عنها السفيرة السابقة للكيان في الأمم المتحدة "غابرئيلا شليف" بالقول: "إن مكانة إسرائيل في الأمم المتحدة في الحضيض".. وعبر عنها أيضاً رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية والرجل الثاني في حزب «كديما» المعارض شاؤول موفاز بقوله: "إن إسرائيل تتصرف كالنعامة وتضع رأسها في الرمال ولا تبادر إلى شيء وهذه معادلة سيئة للغاية في هذا الوقت".. وقال «لم تكن حاجة لانتظار أحداث الأحد لنستوعب أن واقع الشرق الأوسط يشهد تغيرات جوهرية كبيرة وليست بسيطة، وما حصل هو مقدمة لما سيحصل في أيلول المقبل من أحداث قد تداهمنا أمواجاً أمواجاً» جاءت ذكرى النكبة هذه الأيام والقضية الفلسطينية تستبشر وتعتجن بالثورات العربية ضد نظم طالما كانت جزءاً من معادلات أمن العدو الصهيوني وطالما حمت حدوده وبعضها لا يزال يفعل البؤس نفسه حتى الآن.. المصالحة الفلسطينية أيضاً أعطت هذه الذكرى زخماً وحراكاً ومساحة وقلصت من قدرة أجهزة أمن السلطة في الضفة على منع المواجهات – وإن حاولت ولم تفلح.. هذه الذكرى أتت أيضاً على وقع تعاطف دولي غير مسبوق مع القضية تمثل في مواقف دول كثيرة في أمريكا الجنوبية وفي أوروبا من الدولة الفلسطينية القادمة ورفع التمثيل الرسمي الفلسطيني وتمثل في إجماع أربع عشرة دولة في مجلس الأمن للاستيطان الصهيوني بما فيهم روسيا وبريطانيا وفرنسا والصين دائمات العضوية ولم تتخلف عنه إلا أمريكا دون سواها..
هذه كلها مرافقات للنكبة وكلها تحولات ذات بعد استراتيجي وغير مرتبطة بتكتيك أو بحدث أو بظرف وسيكون لها ثقلها في رسم مستقبل القضية.. وليس صحيحاً ما توهمه العدو من أن مواقع التواصل الاجتماعي على النت هي العلة وهي الحاسمة ليسعى في حجبها ومنعها ما يسعى، وليس صحيحاً أن هذا النفس الثوري المتأجج في الوجدان هو مجرد أحاسيس أو هيجانات عابرة.. ولكن الصحيح أنه تحول وتغير مادي ومعنوي نضج وأخذ حقيقيته وأحقيته من تراكم عشرات السنين من المعاناة والدماء والظلم، ومن مثلها عشرات أخرى من الصمود والتضحيات والمقاومة والانتصارات، والصحيح أنه ميراث طويل وجاد ويومي من التثقيف الوطني المتواصل من الأجداد إلى الآباء ومنهم إلى الأبناء ثم إلى الأحفاد.. والصحيح أيضاً أنها مشروع متكامل من الفكرة إلى البرنامج إلى الأدوات، ومن المكون الإنساني البشري كفاعل أساس إلى المكون العقائدي الأيديولوجي إلى القناعات..
لقد فهم العدو ومن وراءه أن جموع الشباب الزاحفين إلى الحدود بدمائهم وعزلتهم ومسالمتهم وإن لم يخترقوها من الناحية المادية الميدانية إلا جزئياً أنهم اخترقوها معنوياً وأسقطوا هيبتها مع ما سقط من جدار الخوف في نفوسهم.. العدو اقتنع اليوم أن مقولة الكبار سيموتون والصغار سينسون قد ولت إلى غير رجعة، وفهم أن ما قام به هؤلاء الشباب إنما هو المقدمة والتجربة (والبروفة) لزحف شامل غداً تترسخ صورته ومداه في وجدانهم وقناعاتهم وعزمهم.. العدو يسأل نفسه اليوم: ماذا يستطيع أن يفعل لو أن مئات الآلاف وربما الملايين قدموا إلى الحدود من كل صوب مدنيين مسالمين وتقدمت معهم مئات أو آلاف كاميرات التصوير والتوثيق وعشرات أو مئات وكالات الأنباء ووسائل الإعلام والهيئات الحقوقية والأهلية والشخصيات العامة والمشاهير والنخب وذوي الثقل والاعتبار السياسي والفكري والاجتماعي ومن جنسيات عربية وغربية.. هل سيبقى عند ذلك الاحتلال احتلالاً؟ وهل سيبقى الكيان الصهيوني كياناً؟ وحتى لو كان يملك كل أسلحة الدنيا وقتل منهم الآلاف سيبقى السؤال: وماذا بعد؟ وهل يختلف الأمر بين أن يستشهد واحد وحده أو يكون معه عشرة أو ألف أو عشرة آلاف ممن يستنسخون منهجية ميدان التحرير وميدان التغيير ومواجهات الزنتان ووازن ومصراتة والبريقة وتضحيات درعا وحمص وبانياس وتلكلخ؟ بالنسبة لمن يستشهد لا فرق، ولا فرق أيضاً بالنسبة للملايين الذين يموتون بلا ثمن وتتشابه بل تتماس حياتهم في كثير من الأحيان مع الموت.. أما الفرق الحقيقي فهو بالنسبة للكيان الصهيوني الذي سيكون قد اجتاحته الملايين من كل الجهات..
أتذكر هنا ثلاثة أمور؛ أتذكر مقولة للهالك بيجين – رئيس وزراء العدو سابقاً – الذي قال في مذكراته: لو كان لدى الفلسطينيين عام 48 كاميرا تلفزيونية واحدة ما قامت "إسرائيل".. يقصد أنها كانت ستفضح جرائمه وإرهابه وأن العالم لم يكن ليسمح بذلك ، وأتذكر يوم اجتاحت الزحوف حدود غزة مع مصر وفكت الحصار عنوة عنها.. يومها قال رئيس النظام الساقط ماذا أستطيع أن أفعل؟ وأتذكر أيضاً أن باراك – وزير حرب العدو – سئل ذات مرة: ما الذي تستطيعون فعله لو أن مئات الآلاف الغزيين اجتاحوا الحدود باتجاه مدنكم؟ فكان جوابه: "ذلك يوم لا أحب أن أتخيله.." .
على العدو ومن لا يزال يحمي حدوده أن يعلموا أن إبقاء المعركة محصورة ومحدودة في نظمهم وتفاهماتهم وتقاطعاتهم قد ولى، وأن يعلموا أن عزل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي والإسلامي وعن الشعوب قد صار نسياً منسياً وماضياً بائساً لا يحب أحد أن يتذكره ، وأن يعلموا أن الشباب الذين زحفوا إلى جسر الملك حسين ومارون الرأس والجولان.. والذين حاولوا (أو جربوا) اقتحام السفارة الصهيونية في الجيزة ليسوا مجرد شباب طائش ولا هم شباب مسلسلات هابطة وأغاني خليعة ولا هم صرعى لواعج حب منحرف.. ولكنهم شباب الثورات الذين حركوا المياه الراكدة وأزالوا نظماً مستبدة وطواغيت كانوا متجذرين بمعادلاتهم الأمنية ومعالجاتهم الاستبدادية..
آخر القول: في ذكرى النكبة هذه المرة أبدع الشباب فكرة الزحف إلى حدود فلسطين.. صحيح أن الفكرة لم تصل أفقها ومخططها وأن سقوط العشرات بين شهيد وجريح قد يبدو ثمناً غالياً بالنظر للعائد السياسي والميداني؛ لكن الفكرة كفكرة هي رائدة ومن بعدها سيكون المستقبل طموحاً ومختلفاً.. وسيأتي اليوم الذي لن يكون بعيدا لتجتاح مئات الآلاف من كل الجهات تلك الحدود وعندها لن ينتظر أحد الجيوش الرسمية ولن يأبه أحد بالنظم المتفرجة أو المتربصة.. ولولا ما جرى في تونس ومصر وما يجري في ليبيا واليمن وسوريا لكان مثل هذا الطموح مجرد خيال وهرطقة غير مفهومة.. الحقيقة أن تحرير فلسطين وتجسيد وعد الله بنصر المؤمنين ما كان يوماً أقرب مما هو اليوم.. (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

نقلا عن المركز الفلسطيني