مشاهدة النسخة كاملة : حوارٌ واعتذار من عبد الرحمن الكواكبي (عبد الغني عماد)


أبو فاطمة
05-19-2011, 02:37 PM
حوارٌ واعتذار من عبد الرحمن الكواكبي (عبد الغني عماد)

http://imageshack.us/m/269/9434/kwakybi.jpg

حين نشر مقالاته التي جمعت في كتاب تحت عنوان "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" جاء في مقدمته: "هي كلمة حق وصرخة في واد إن ذهبت اليوم مع الريح قد تذهب غداً بالأوتاد". وكأنه في هذه العبارة يقف اليوم بعد مئة سنة ونيف شاهداً على ما يفيض به زمنُنا من تحولات وانتفاضات، رافضاً لكل أشكال الاستبداد والقمع والقهر ليقول: ما بالكم أبناء أمتي، لقد تأخرتم كثيراً؟
ألم أخبركم أنَّ أصلَ الداء هو الاستبداد السياسي. وأن "أشد مراتب الاستبداد هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الذي يتصرف بشؤون الرعية بلا خشية حساب ولا عقاب محققيَّن".
ألم أخبركم إن "المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه إنه الغاصب المتعدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدّها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته".
ألم أخبركم أن المستبد "عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما، مستعد بالطبع للشر، يودّ أن تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعة، وكالكلاب تذللاً وتملقاً...".
ماذا دهاكم، ألم أخبركم منذ مئة سنة ونيف: "إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل، وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط...".
ألم أخبركم إن الاستبداد "داء أشد وطأة من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظم تخريباً من السيل، أذلُّ للنفوس من السؤال...".
ألم أخبركم أن الاستبداد قد يجعل الإنسان يكفر بنعمة الله "لأنه لم يملكها حق المُلك ليحمده عليها حق الحمد.. وقد يجعله حاقداً على قومه، لأنهم عون لبلاء الاستبداد عليه.. وفاقداً حب وطنه، لأنه غير آمن على الاستقرار فيه.
ألم أخبركم منذ مئة سنة ونيف إن الاستبداد يُضطّرُ الناس إلى استباحة الكذب والرياء والخداع والنفاق والتذلل. وإلى مراغمة الحسّ وإماتة النفس ونبذ الجدّ وترك العمل...
ما بالكم أين كنتم؟ ألا تقرأون؟ ألم أخبركم إن الأمة التي لا تقاوم الاستبداد والتي "لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية".
... عذراً يا سيدي أغلبنا لم يكن يقرأ، وبعضنا القليل إن قرأ لم يكن يتعظ، والقلة التي كانت تتعظ لم تكن تعمل، ومن بقي منهم ليعمل كان مصيره كمصيرك النفي ثم القتل.
... عذراً سيدي... قرأنا كتابك، لكنه ظل عند غالب من يقرأ في هذه الأمة، مجرد ترف فكري، تعاملنا معه كتحفة فنية وأدبية، تجادلنا في شأنه، دبّجنا المقالات حوله، تحدثنا عن أهميته، أكثرْنا من الإطراء لك، وكنا نتذكرك دائماً ونضعك إلى جانب كبار رواد النهضة الفكرية... إلى أن تحولت أمتُنا إلى "ظاهرة صوتية"؟ عذراً سيدي... قرأنا كتابك ولم نفقه ما فيه حين قلت إن بين الاستبداد والعلم حرباً دائمة وطراداً مستمراً. يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبد في إطفاء نورها.
عذراً سيدي ... يا ابن أشراف حلب الشهباء، تأخرنا كثيراً حتى نتعلم ونفهم ونفقه أن قوانين الطوارئ ليست طريقاً للتحرير، وأن الاستبداد أكبر حليف للهزيمة، وأنه أقوى صديق للاستعمار في السرّ والعلانية، مهما تخفّى وراء "القناع" وتجمّل بأحلى الكلام.. تأخرنا لنعرف إن الاستبداد والفساد وجهان لعملة واحد، بل إن الاستبداد مجلبة لكلا الاثنين: الفساد والاستعمار، ومقبرة للتحرر والتقدم، مهما طبّل المطبلون وصاح الصيّاحون.
... قلت يا سيدي إن دولة الاستبداد "دولة بُلهٍ وأوغاد"، وها نحن نراهم لا يقبلون نصيحة ولا مشورة ولا إصلاحاً، يعدون ولا يفون، يقولون ما لا يفعلون، يعلنون العهود والوعود وينكثون بها، لا يتورعون عن قتل شعبهم بدم بارد إذا ما اعترض، ولا تفريق عندهم بين النساء والأطفال.
... كتبت يا سيدي عن طبائع الاستبداد، وقمت بتعريفه وتحديد أسبابه وأعراضه ونذره ودواؤه؟ وطرحت أسئلة عديدة منها لماذا يكون المستبد شديد الخوف؟ لماذا يستولي الجبن على رعية المستبد؟ ما تأثير الاستبداد على الدين؟ على العلم؟ على المجد؟ على المال؟ على الأخلاق؟ على الترقي؟ على التربية؟ على العمران؟ من هم أعوان المستبد وحاشيته؟ هل يُحتمل الاستبداد؟ وكيف يكون التخلص منه؟ وبماذا ينبغي استبداله؟
عذراً سيدي... لقد فهمنا متأخرين، وأدرك شباب الأمة هذه الحقائق، وها هم اليوم في الساحات يواجهون دولة الاستبداد التي وصفتها إنها دولة بُله وأوغاد، بصدورهم العارية يغيّرون وجهة التاريخ في هذه المنطقة، يحاولون أن يصنعوا مستقبلاً أكثر إشراقاً... فهموا الدرس جيداً هذه المرة، فقد سقط القناع.. عن القناع... لكل هذه الأسباب ..... نعتذر منك.

نقلا عن السراج الإخباري