مشاهدة النسخة كاملة : الدم الفلسطيني يحاصر "إسرائيل" (مسعود ضاهر)


أبو فاطمة
05-18-2011, 02:58 PM
الدم الفلسطيني يحاصر "إسرائيل" (مسعود ضاهر)

كتبت آلاف المقالات في ذكرى نكبة فلسطين التي توصف بالكارثة المستمرة إلى أن بلغت عامها الثالث والستين. لكن حالة النهوض التي يشهدها العالم العربي منذ مطلع العام 2011، أعطت للنكبة الفلسطينية وجهاً مستقبلياً واعداً، فوجدت "إسرائيل" نفسها لأول مرة منذ تأسيسها عام 1948، محاطة بزحف فلسطيني - عربي في داخلها ومن الحدود التي تفصلها عن سوريا ولبنان ومصر.
رفعت المظاهرات السلمية التي غلب عليها الطابع الشبابي، شعار «الشعب الفلسطيني يريد إنهاء الاحتلال»، فارتعبت القيادات الإسرائيلية وأمرت بإطلاق الرصاص على المتظاهرين في الداخل أو على من هم خارج حدودها، مما يشكل اعتداء مباشراً على سيادة الدول المجاورة التي تقدم بعض مسؤوليها بشكاوى إلى الأمم المتحدة، بعد سقوط واحد وعشرين شهيداً ومئات الجرحى. فدخلت المنطقة في حالة من التوتر المفتوح على أبعاد مستقبلية واعدة بالحرية والتغيير. فمرحلة ما بعد 15 مايو 2011، لن تكون أبداً كالتي سبقتها في تاريخ القضية الفلسطينية بشكل خاص، وقضايا العرب المصيرية بشكل عام.
حين كان الدم الفلسطيني يحاصر "إسرائيل" من جميع الجهات، لم يجد أمين عام الأمم المتحدة ما يقوله سوى المساواة بين الجلاد والضحية، فطلب من جميع الأطراف «الهدوء وضبط النفس». أما وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية التي أوهمت العالم بأنها تدافع عن الديمقراطية وحق المواطن العربي في التعبير السلمي، فقد لازمت الصمت لعدم إدانة جرائم "إسرائيل" المعلنة وقتلها وجرحها مئات المتظاهرين خارج حدودها، ناهيك عن تحويل مناطق سيطرتها إلى سجن دائم لجميع الفلسطينيين، على اختلاف توجهاتهم. فدولة "إسرائيل" هي الوحيدة بين دول العالم التي لا حدود لها، ولا تنفذ قرارات الأمم المتحدة التي تعجز عن فرض عقوبات عليها، بسبب الدعم الأميركي الدائم لها. وهي تخالف جميع القوانين والأعراف الدولية، وتبني المستوطنات على أراضي الغير، وتسيطر منفردة على آبار النفط والغاز المشتركة في المياه الإقليمية المحيطة بها. واستفادت من اتفاقيات أوسلو لتهجر قرابة المائتي ألف فلسطيني من الضفة الغربية ومنعهم من العودة إليها، وسيطرت على جميع ما كان يعرف بأراضي الدولة، والمشاع، وأراضي البدو، وغيرها في مناطق احتلالها.
لم تكن سياسة "إسرائيل" وحلفائها السبب الوحيد لنكبة الفلسطينيين. فبعض قادتهم مسؤولون أيضاً عن استمرارها، بسبب نزاعاتهم الدموية على السلطة، وتخليهم عن الكفاح المسلح لتحرير الأرض والكرامة والإرادة الفلسطينية. فتوسلوا الراعي الأميركي لكي يكون حكماً نزيها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم اكتشفوا لاحقاً بؤس السلام الزائف والرهانات الخاسرة.
بدورها، تتحمل الأنظمة العربية المتخاذلة عن دعم قضية العرب الأولى، مسؤولية مباشرة في إطلاق يد "إسرائيل" لكي تلحق الدمار بفلسطين والفلسطينيين، وتحتل أراضي عربية جديدة في الضفة الغربية، والجولان، وجنوب لبنان، وتحول سيناء إلى محمية شبه منزوعة السلاح.
وباستثناء مساعدات مالية غير منتظمة، وغالباً ما استخدمت للتأثير سلبياً على القرار الفلسطيني المستقل، تخلى النظام العربي عن دعم فلسطين على المستويين المحلي والدولي:
أ ـ فتركوا ل"إسرائيل" أمر جباية الضرائب من الفلسطينيين المحاصرين، لتحجبها عنهم متى تشاء. ومارست سياسة عنصرية ضد الشعب الفلسطيني الذي تحمل عبء الاحتلال قبل وبعد قيام دولة "إسرائيل" عام 1948، وحرمته من أبسط أشكال الحياة الإنسانية الحرة الكريمة في مخيمات الشتات. وساندتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون في سعيها المحموم لشطب حق العودة للفلسطينيين، وعلى بناء مستوطنات جديدة في فلسطين بعد ترحيل سكانها بالقوة.
ب ـ وأوكلوا المساعدات الإنسانية للأمم المتحدة، التي أقامت «الهيئة العليا لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين»، والتي غالباً ما كانت قراراتها تخضع للضغوط الإسرائيلية.
اليوم، وفي ظل الثورات الشعبية المنطلقة في أكثر من بلد عربي، نجح الفلسطينيون في إنهاء مرحلة الانقسام الداخلي، واستفادوا من التبدلات الإيجابية التي تعصف بأسس النظام العربي الذي تقاعس عن حمايتهم. فحملوا قضاياهم المشروعة بأيديهم، وفي طليعتها حقهم المشروع في العودة إلى ديارهم وبناء دولتهم المستقلة على أراضيهم، وعاصمتها مدينة القدس التي تضم أماكن مقدسة للديانات السماوية، اليهودية والمسيحية والإسلامية، ولا يجوز ل"إسرائيل" تهويدها أو التحكم فيها.
وأدرك الفلسطينيون قبل فوات الأوان، أن المجتمع الدولي لا يدعم الضعفاء ولا المتقاعسين عن القيام بواجباتهم. وقد شكلت المصالحة الفلسطينية عامل استنهاض للشعب الفلسطيني، يعزز وحدته الوطنية ونضاله المتواصل لتحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي. ومن المتوقع أن يتبدل موقف المجتمع الدولي تجاه قضية فلسطين، بعد أن أيقظت الوحدة مجدداً الأمل في ضمير كل فلسطيني، وقد تساعد في إطلاق يقظة عربية شاملة تعيد تصويب البوصلة العربية، انطلاقاً من أن فلسطين هي قضية العرب المركزية، ويتوقف على حلها مستقبل جميع العرب. وبدا واضحاً أن وحدة الفلسطينيين هذا العام، كانت العامل الأهم في الإعداد للمظاهرات الشبابية التي تحدت العنجهية الإسرائيلية، من الداخل وعند حدودها الإقليمية. وحين بدأ الإسرائيليون التحضير للاحتفال عالميا بـ«ذكرى استقلال إسرائيل الثالثة والستين»، رد الفلسطينيون بتظاهرات ترفع شعار: «عيد استقلالكم هو يوم نكبتنا»، و«الشعب الفلسطيني يريد إنهاء الاحتلال». فقد طالت النكبة شعب فلسطين طوال السنوات السابقة، لكن الدم الفلسطيني هذا العام حاصر "إسرائيل" من جميع الجهات، وبات يهدد أيضاً مستقبل شعبها.
وقد نبه بعض حكماء اليهود إلى أن الصهيونية باتت تشكل خطراً على اليهود أنفسهم، وليس فقط على المسلمين والمسيحيين، وذلك بسبب التفسيرات العنصرية لنصوص توراتية وتلمودية تجاه غير اليهود. ودعوا العقلاء في جميع الأديان للكشف عن الحقائق التاريخية، واعتماد خطاب سياسي وإعلامي عقلاني، يشدد على الحوار، وليس الصدام، بين الثقافات والأديان والحضارات. فمقولة هانتنغتون عن صراع الحضارات تنم عن جهل بمسيرة التاريخ الإنساني الذي أثبت فشل الدعوات الفاشية، والنازية، والدكتاتورية والعنصرية، التي تنتسب إليها الصهيونية العالمية.
ختاماً، تبنت القيادة الفلسطينية بعد المصالحة شعار «نريد لكل فلسطيني أن يعود إلى فلسطين»، وتمسكت بحق عودة الفلسطينيين إلى أرضهم لإنهاء حالة الشتات، فباتت القضية الفلسطينية مجددا في قلب الأحداث. هناك زمن عربي جديد يحضن زمناً فلسطينياً جديداً، لن تبقى فيه "إسرائيل" قادرة على ممارسة أعمالها العدوانية دون أن تلقى مواجهة عنيفة، وتواجه العقاب الذي تستحقه على عنصريتها وتجاهلها لجميع القرارات الشرعية الدولية. فقد أطلق الخامس عشر من مايو 2011 مساراً بارزاً في تاريخ فلسطين والعرب المعاصر، وبدأت "إسرائيل" على الفور تعيد النظر في جميع مقولاتها، بعد أن شعرت بخطر يهدد وجودها وجميع مشاريعها الاستيطانية.

نقلا عن المركز الفلسطيني