مشاهدة النسخة كاملة : تحصين الاتفاق الفلسطيني مالياً (عصام الجردي)


أبو فاطمة
05-18-2011, 02:53 PM
تحصين الاتفاق الفلسطيني مالياً (عصام الجردي)

يدرك الفلسطينيون أن الاتفاق بين السلطة الفلسطينية وحركة "حماس" لن تمرره "إسرائيل" من دون ثمن سياسي أولاً، واقتصادي واجتماعي وإنساني ثانياً. ذلك أن الخلاف المستحكم بين الفريقين كانت له أثمان باهظة على المستويات كافة. وكان استمراره تهديداً لقضية الشعب الفلسطيني بذاتها.
نفهم أن تلجأ الحكومة "الإسرائيلية" إلى أيسر السبل المتاحة لها للضغط على الفلسطينيين بعد توقيع الاتفاق، بتجميد تحويل عائدات الضرائب والمكوس الأخرى البالغة نحو 4.1 مليار دولار إلى السلطة الفلسطينية خلافاً لاتفاق أوسلو. وتحتاج السلطة الفلسطينية بحسب رئيس الحكومة سلام فياض إلى نحو 150 مليون دولار أمريكي لسداد رواتب وأجور العاملين في الضفة الغربية وقطاع غزة شهرياً. ما لا نفهمه غياب الدعم المالي العربي لهذا الاتفاق السياسي. وقد تم توقيعه بعد سنوات من المحاولات الفاشلة كان خلالها مطلبا للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية. معظم الدول العربية التي ترى في وحدة القرار السياسي الفلسطيني بوابة لا بديل منها لموقف فلسطيني موحد، سواء لمتابعة نضال الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال، أو/ولصوغ موقف موحد في علاقات الفلسطينيين بمواقع القرار الدولي، عملت هي الأخرى للاتفاق.
وفقاً للحكومة الفلسطينية لم تتسلم السلطة في 2011 سوى 52 مليون دولار أمريكي، من بينها 5.42 مليون من دولة الإمارات العربية. هذا قبل توقيع الاتفاق. بعده يفترض أن تتحرك المساعدات العربية لصيانة الاتفاق اقتصادياً وإنسانياً جنباً إلى جنب مع تكثيف الجهود العربية مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للضغط على الحكومة "الإسرائيلية" كي تفرج عن الأموال المحجوزة للفلسطينيين، ولتلاقي قرار الاتحاد الأوروبي بمنحة إضافية للفلسطينيين في 2011 بواقع 122 مليون دولار.
وكما يعاني الشعب الفلسطيني ونضاله ضد المحتل استعصاء في الجيوسياسي لم يواجهه شعب أو حركة تحرير، هكذا هي الحال في البعد الاقتصادي. "إسرائيل" تمسك بتلابيب الاقتصاد الفلسطيني. هو مقسوم في الداخل بين الضفة والقطاع، ومحصور بين رفح المصرية والأردن وبحواجز وقيود على تنقل الأفراد والبضائع استهلاكاً محلياً وواردات وصادرات. فضلاً عن التحكم في الموارد المائية ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات. تستعصي مشروعات التنمية في واقع كهذا، وتتحول مجرد إعانات وأعمال غوث وخدمة حياة يوماً بيوم. لم نتحدث بعد عن العملة والتحويلات المصرفية.
ندرك أن الاتفاق الفلسطيني جاء في ظروف سياسية تاريخية ومعقدة تعيشها المنطقة، الأمر الذي يجعل حاضنة الاتفاق العربية ضعيفة وهشة سياسياً. كما أن عدداً من الدول العربية أقر برامج تمويل محلية لمواجهة الهموم الداخلية خصوصاً على المستوى الاجتماعي. بيد أن ذلك لا يفترض أن يسقط الدعم المالي لاتفاق سياسي طال انتظاره، ويعوزه الكثير من وسائط الدعم العربي والدولي.
ويأتي موضوع إعادة إعمار قطاع غزة الذي رصدت له في مؤتمر شرم الشيخ 5.5 مليار دولار من ضمن الأولويات. فإضافة إلى بعد الموضوع الإنساني والاجتماعي في غزة الذي يعاني بطالة بنحو 45 في المئة، في مقابل نحو 30 في المئة في الضفة الغربية، فمن شأن تحريك إعمار القطاع تدعيم المصالحة الفلسطينية، وزيادة اللحمة بين الفلسطينيين، وجسر الفجوة (في البؤس) بين أهالي الضفة وبين أهالي القطاع التي اشتغل عليها الاحتلال كثيراً ولا يزال. ومن مؤشرات هذه الفجوة أيضاً وفق تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد) في أيلول/سبتمبر 2010، أن 61 في المئة من أهالي القطاع يعانون انعدام الأمن الغذائي في مقابل 25 في المئة في الضفة الغربية.
كانت "إسرائيل" تتذرع بغياب المفاوض الفلسطيني في ظل الانقسام بين الحكومتين في الضفة وغزة. ليس على سبيل المقارنة، اتحاد المستثمرين العرب كان يقول أيضاً إن الانقسام الفلسطيني عطل الكثير من مشروعات الاستثمار.
القطاع الخاص الفلسطيني أولاً، والعربي ثانياً عليهما الكثير ليقوما به إلى جانب الحكومات العربية في تحصين الاتفاق السياسي الفلسطيني اقتصادياً ومالياً. يحتاج الأمر إلى تضحية؟ صحيح. لكن "إسرائيل" المستفيدة من حركة استهلاك الفلسطينيين تحت الاحتلال، وبالتالي من تحويل أموال الجمارك وسداد الرواتب، تحجم عن ذلك لأسباب سياسية. الوضع مشابه في عملية إعادة إعمار قطاع غزة الذي سيحرك الطلب على مواد صناعة البناء "الإسرائيلية". وهي تعرقل العملية للأسباب نفسها.

نقلا عن المركز الفلسطيني