مشاهدة النسخة كاملة : ضرورة الثورة الشعبية الفلسطينية (أسامة عبد الرحمن)


أبو فاطمة
05-18-2011, 02:12 AM
ضرورة الثورة الشعبية الفلسطينية (أسامة عبد الرحمن)

انطلقت الثورة الشعبية العربية واستطاعت بوسائل حضارية سلمية أن تحقق في بعض الأقطار بعض أهدافها على طريق الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، منطلقة إلى استكمال البناء المؤسسي والدستوري الذي يحفظ هذه الأهداف، ويحقق الحياة الحرة الكريمة، في مجتمع قوي متماسك، ليضع التنمية بكل أبعادها على الخط الصحيح بعد الإخفاق الكبير الذي أفضى إليه المسار المغلوط للتنمية.
ومعروف أن التنمية بأبعادها المتعددة عملية حضارية متواصلة، تسعى إلى تحقيق القاعدة القوية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وتقنياً في عالم يشهد تطورات متسارعة وقفزات نوعية كبيرة، ليس فيه مكان للذين يتخلفون عن الركب لأنهم سيظلون في ردهات التخلف.
والتنمية في بعدها السياسي تشمل الديمقراطية ومنظومتها المتكاملة من الحريات وحقوق الإنسان وسيادة القانون واستقلال القضاء. ويقع في صلب مفاهيمها ومضامينها.. حرية الإرادة واستقلال القرار. ولعل كثيرين كانوا ينتظرون أن تكون الساحة الفلسطينية من أولى الساحات التي تحتضن ثورة شعبية سلمية، تسعى إلى تحقيق الغايات النبيلة التي سعت إليها الثورة الشعبية العربية. ولكن الساحة الفلسطينية ظلت متأخرة وإن خرجت بعض المظاهرات المحدودة.
ولعل هذه كلها إرهاصات لثورة شعبية فلسطينية قادمة، ولكن الوضع الفلسطيني يبدو معقداً بصورة كبيرة، فالاحتلال يجثم على الضفة الغربية ويحاصر غزة. والفلسطينيون في الضفة الغربية يواجهون قوات العدو واجتياحاته ومداهماته وحواجزه. وفي غزة يواجهون غاراته وقنابله وحصاره. ومسار التفاوض أضاع الوقت الطويل في ردهات عبثية لم تفض إلى أي محصلة ملموسة، وبدا مسدوداً، وانكشفت تداعيات هذا المسار وعثراته الكثيرة، ومزالقه الخطيرة، والشوائب المستهجنة التي شابته. والمقاومة بدا وكأنها آثرت التهدئة بدعوى قطع الطريق على الكيان الصهيوني للاعتماد على أي ذريعة لشن عدوان، وتجنيب الفلسطينيين مخاطر مثل هذا العدوان، مع أن الكيان الصهيوني ليس في حاجة للبحث عن ذريعة متى ما قرر العدوان وهو بطبيعته عدواني.
ربما بدا الوضع على الساحة الفلسطينية مختلفاً، حيث يجثم الاحتلال بسنابكه وآلياته ومجنزراته وحواجزه وحصاره. والساحة الفلسطينية شهدت أكثر من انتفاضة، وشهدت سقوط العديد من الضحايا. والانتفاضة في مضمونها هي ثورة، ولكن هذه الثورة أجهضت قبل استكمال مسيرتها وتم اختطافها. وأي ثورة شعبية على الساحة الفلسطينية، لابد أن تستلهم الدروس والعبر من الانتفاضات الفلسطينية والوسائل المعاصرة التي اعتمدت عليها الثورة الشعبية العربية. صحيح أنها تواجه وضعاً مختلفاً. إذ هي تحت الاحتلال، وأول أولوياتها هو زوال الاحتلال. ولذلك فإن مهمتها الأولى إسقاط احتلال جثم عليها عقوداً، وهو احتلال مارس عبر هذه العقود أعتى أنواع القتل والقمع والتنكيل والحصار والتشريد والتهويد، مدعوماً من الولايات المتحدة وهي القوة الأعظم في العالم، والحليف الاستراتيجي الذي يمده بأحدث الأسلحة وأكثرها تطوراً، وأشدها فتكاً. ومواجهة هذا العدو المترسن بالأسلحة الباطشة، والمدعوم أمريكياً، على كافة الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية، هي مواجهة تبدو عصية وإن كانت غير مستحيلة، أو باهظة التكلفة، وفي حاجة إلى دعم عربي حقيقي يتجاوز القول إلى الفعل، ويتجاوز العوائق المفروضة والقيود المنصوبة تحت أي ذريعة يفرضها توجه قطري انكفائي، أو توجه دولي تمسك بزمامه الولايات المتحدة الأمريكية.
إن الثورة الشعبية المرتقبة على الساحة الفلسطينية، والتي من أول أولوياتها، إزالة الاحتلال من الممكن أن تنهج نهج الثورة الشعبية العربية، في السعي إلى تغيير النمط القيادي، وهو لا يختلف من حيث طبيعته وممارساته عن النمط القيادي الذي استمرأ الاستئثار بالقرار، والانفراد به بعيداً عن تطلعات القاعدة المجتمعية العريضة. صحيح أن الاحتلال الجاثم على الساحة الفلسطينية يتحمل وزراً كبيراً في قتامة المشهد الفلسطيني. ولذلك فإن الثورة الشعبية الفلسطينية في مسعاها إلى تغيير النمط القيادي تسعى إلى نمط قيادي جديد يستلهم النضال الفلسطيني، ويعتمد الرأي الجماعي، ويسلك النهج الديمقراطي المرتكز فعلاً على صوت الشعب وإرادته. ولا يكون ذلك إلا ببناء مؤسسي صحيح وصلب. وهذا المسعى في ظل الاحتلال الصهيوني أكثر استعصاء من المسعى ذاته في دولة غير خاضعة للاحتلال.
والشعب الفلسطيني ليس له دولة بعد، فهو يواجه الاحتلال، ويأمل في الدولة، ولذلك فإن الثورة الشعبية تتجاوز أبعادها أبعاد الثورة الشعبية العربية، ولكن يمكن استلهام الكثير من وسائل العصر التي اعتمدت عليها الثورة الشعبية العربية، في سبيل حشد جماعي كبير متصل ومتواصل ينسق حراكه وينقله للعالم عبر فضائه الإعلامي الواسع. فقد يخلق ذلك ضغطاً غير مسبوق ويخرج القضية الفلسطينية من أطرها التقليدية، ويحقق قدراً من النجاح، ربما يتلاحم مع وضع عربي جديد بدأت بعض نتائج الثورة الشعبية العربية ترسمه.

نقلا عن المركز الفلسطيني