مشاهدة النسخة كاملة : الإزدواجية الإبداعية في أدب جمال ولد الحسن. (محمد فال ولد محمد حرمة)


أبو فاطمة
05-17-2011, 06:32 PM
الإزدواجية الإبداعية في أدب جمال ولد الحسن. (محمد فال ولد محمد حرمة)

المرحوم جمال ولد الحسنفي هذا الحديث المقتضب عن شعر جمال ولد الحسن -والحديث شجون- سنحاول قدر الاستطاعة التعرف على هذا الشعر بعرض نماذج منه قد تعطي للقارئ صورة مصغرة لديوانه الكبير، والمتنوع أغراضا ومواضيع وأساليب، ويظل حديثنا هذا عامل تذكير يعيد إلى ذاكرتنا الوطنية الضعيفة اسم هذا الرجل الكبير الذي لانكون مغالين إذا جعلناه مثالا أول على الإزدواجية الإبداعية المقبولة في الشعر الموريتاني والتي نعني بها : التكافؤ الإبداعي في الإنتاج الشعري الفصيح واللهجي.
ففي شعر ولد الحسن الفصيح تبهرك القوة والغرابة في كل شيء في الألفاظ ، في اختيار المواضيع، في طرق التعبير، وتجذبك الرقة والظرافة في كل شيء، في المعاني، في الصور، في الأغراض التي تتداخل في شعره تداخلا مربكا ومذهلا ومؤثرا.. مما يفسّر اختفاء الحدود في كثير من الأحيان بين أغراض الغزل والمدح والنسيب والعتب ونحوها مع ما تحمله ألفاظ ومعاني وتراكيب هذا الشعر من أسرار نحوية وصرفية وبلاغية لا تحصى:

أوكام عن بعد عليك ســـــــلام ذهبــــــــــت تجر جمالك الأيام

أنكرت منك وقد عرفت معالما وبدت وقد خفــيت بكل الأعلام

أوهمتني هذي ولي أبهمت ذي فتــدافع الإيــهام والإبهـــــــــام

أنكرت مني مثل ماأنكرت منك فطـي صمــتك يا وكـــــام كلام

ولقد تركتك والزمان مـــــدللي وأنا على كــــتف الزمان غلام

فعجبت من شيبي ومن صلعي وأن قد ليث من دون اللــــــــثام لثام

مرت ســـــــــــنينٌ أوكام كثيرة ودهت خطوب ياوكـــام جسام

وتفرق الحي الجميع وقطّـعت بين الأحبة ياوكـــــــــــام زمام

سقيا لعهدك ياوكام فإنــــــــــه عهــد له قبــــــــل العهود ذمام

إن الشاعر هنا برهن لنا من خلال "وكاميته" هذه على أنه من أجود الناس شعرا في مجال الفصيح وأرقهم قلبا وأوفاهم وأحفظهم للعهد ، فإن شعره اللهجي كذلك "لغن" لايقل أبدا عن شعره الفصيح جذبا للسامع والقاريء واحتواءا للعقل والتفكير..تحتويك ظرافته وقرب مأخذه لأفكاره وألفاظه. كما يجذبك لشعره امتزاج الجد الصادر عن عقل مفكر وعالم.. بالفكاهة المنبعثة من أعماق نفس بها الطيبةُ والمرحُ وكرم الأخلاق:

عَنْــــــدِ كَهلتْ وَتَاتْ خـَـــاترهَ عنْ لَخْــرَاتْ

لمْــتَنَاتْ الزّيــــــنَاتْ وَتَاتْ اهلْ التِّشــــــهَارْ

ذَهِي مـَــــــامنْهَ تَاتْ يكون اطـْــــــرِيحْ العَارْ

ءلُكـُـــوفْ افْكَرجَاتْ ءُمَصْ وُجُــــوهْ التّـــجَارْ

وُاتْغَــدّجْ كاعْ اعْيَاتْ وايْــعَيْثَرْهَ لغيَـــــــــــــارْ

ءُمَهبّاسْ ابْــــلا ذَاتْ وامْضَـيَـــــــــــعْهَ لحْمَارْ

غَيْر الَّ كَطتْ رَاتْ لَيْـــلَ بَيْــــظَ وانْهَــــــارْ

العلبْ الِّ في الّصيف امتينْ كِيفنُّ عاد اكطيعُ هَيّيـــــــــــن

ءلمْغالِك لخـــرين امسـاكين ذيك اعكـــــــــــلهم لاهِ تشتدْ

واسْبَاخْ الميمون الثنــــــتين عَادُ يُجَوْلاَوْ ءُكلـــــــــــحمد

والكَود الشركْ الصّـــالحين فيه مـــــــــن الظّايَ كَد الكَد

واسْراح الحاسِ مـــعلومين والزّرْع اعلــــــــيهم كِيفن بَدْ

وانَ لابُدّالِ نمــــــــــــــشِ ءُحدْ امشَ يَعرَفْ عنُّ بَعـــــد

امنـــــــين الِّ يمش عن ش فبـــــــــــــلد مايجبرْ شِ فبلد

حدْ افذَ الخارجْ يلطفْ بيه مَكبَظْ سيف التّلفِــــــــــين اعليه

فالمِيعاد وصاحبْ عاطيه مِعاد أيتم الوقتُ عــــــــــــــــادْ

ءعند كوم اثنين ابديـــــه فالمِعادْ اجْبَرهم متـــــــــــــــرادْ

عاطِ مِعاد ايْتَلفَنْ فيــــــه لوخـــــــــــــــــــر ماهُ عاطِ مِعَادْ

ولا يفوتنا هنا أن نثبت هذه القطعة الفصيحة التي ترسم بظرف وإبداع وغرابة علاقته الحميمة مع الأرض:

أمكيش إني قد رأيتك في الصبا وبعد بلوغ الرشد رأي عيان

وأرقب من تلقـــائك البرق نائيا وأقعـد أرعى تواك المتداني

فمالك يامكيش أصبحـت ملزما فؤادي أشد الوجد والهيمان

تمن علي الذكريات تدــــــــللا إذ أنت وذكر الحي مقترنان

رويدك إني لســـــت أفتأ ذاكرا أجدد ذكرا كل لحـــظة وآن

ولســــــت بناس ماحييت وإنه يجــدد ذكر الحي كل مكان.

وإن كانت هذه الأبيات تحمل وجها إباعيا آخر هو كونها ترجمة شعرية رفيعة المستوى لـ"طلعت مكيش" المشهورة لأحمدو السالم ولد الداهي ومعارضة في نفس الوقت لأبيات شعرية بديعة قالها الشاعر محمد الحافظ ولد السالك ولد الطلبة ترجمة لهذه الطلعة:

يَمُكَّيـــــــــــشْ آن بالتغريش شفتك في السغرْ ءُفتفكريش

وانشوف من ابروكك لعمَيشْ وإلا ركَب نَــــــــــوّك نكعدْ

ولا رَايِمْلِ عــــــدت اعريش لغْــــــرابْ من اللّيعَ والوجد

وامْــــــــــــــكَررْ في يمكيش عـنك بالعـــــــــــراد اتْفَكّد

غير آن كاع أصلِ فَـــكّــــــْاد ألاّ نتــــفكد نتفـــــــــــــــــكد

مــانِ نَاسِ شِ والعــــــــــرادْ ايفــــــــــــــــكَدْ بيهَ كلْ ابلدْ

وقد نقل الشاعر محمد الحافظ ولد السالك الصورة كاملة إلى الشعر محافظا ما استطاع على معاني وأفكار "الطلع" ومحتفظا قدر الإمكان بالألفاظ غير الدارجة الواردة فيها فقال :

مكيــــش إني قد رأيتــــك قبل في صغري وفي ما بعده من مرحله

ولكم خفت منك البروق فشتــــمها وإذاظل منك النوء فغـــدوت له

واعتدت من وجدي عريش غرابه أورا عريــش غرابة لي منزله؟

وتمــــــــــــن يامكيش أن ذكرتني ليـــــلى وروض حياتنا ماأجمله

أما أنا فخلــــيق ذكرى لم أكن أنســــــــــى من أيام الصبابة انمله

إني لمدكر وليلـــــــــى كل دا ردارها في ذي وذي متمـــــــــــثله.

وهكذا جاءت ابيات جمال السابقة ترجمة "للطلع" من جهة ومعارضة لهذه الأبيات من جهة ثانية مع أن ماتحمله في طياتها من عاطفة وحب وفاء للأرض وللناس، قد يبتعد بها عن فضاء الترجمة الذي هو فني وعملي بدرجة ما إلى فضاء آخر من فضاءات الشاعر الأدبية والفكرية المتعددة، فيكون بذلك عنصر الترجمة ثانويا وتصبح الأبيات في الأساس تعبيرا حقيقيا عن ما يريد الشاعر التعبير عنه من هموم نفسه ومشاغلها والله وحده يعلم ما مراد الشاعر .
تعطي هذه النصوص المعروضه على قلتها الصورة العامة لشعره جميعا، وذلك من حيث كونها اختيارات نوعية من الديوان تبرز من خلالها السمات الإبداعية في إنتاجه الفصيح واللهجي ،ويظهر التميز البارز في طريقة توظيفه للأغراض والمعاني والأفكار والمواضيع .كل ذلك مع السيطرة المتمكنة على خصوصية وتميز كل من الشعرين عن الآخر، وهو ما يجعل ازدواجيته الشعرية نموذجا ومثالا للشعراء الموريتانيين المعاصرين، لا تقصر إبداعا وتميزا عن الإزدواجية الشعرية في ديوان امحمد ولد أحمد يوره، آخذا بالاعتبار التفاوت التاريخي والحضاري- إذا صح التعبير- بين الإثنين.
كان مع علمه وتصوفه أديبا حقيقيا ..يعامل الناس والحياة معاملة أدبية..تلاحظ بكل وضوح إذا تحدثت معه في الأدب أن موضوع الحديث له مكانة خاصة في قلبه وإحساسه..يقرأ عليك الشعر في أناة وطرب، ويسمعه منك في اهتمام وإصغاء وتدبر، ثم بعد هذا وذاك يعلق لك على هذه القصيدة أوتلك أحلى تعليق وأظرفه وأشمله، فتحس وأنت تتناول معه موضوعا من مواضيع الشعرأو تقرأ عليه شعرك أو شعر غيرك أنه فذ في مجاله وأن الشعر والشاعر في موريتانيا بحاجة إليه دائما.
إن ديوانه الشعري غني كما ونوعا ..اكتفينا منه هنا بما قدمناه من نصوص نموذجية لضيف المجال عن عرضه مبسوطا في هذه العجالة ولأن ظباء الشعر فيه كثيرة جدا فما يدري خداشنا ما يصيد.
كانت وفاة هذا الرجل خسارة حقيقية عرفتها الأمة جميعا، إلا أن موريتانيا تبقى في جميع الأحوال الخاسر الأول ..لقد خسرت ابنها النموذج هذا حيا وميتا ..فحين مات بعيدا وهو العالم الجليل والمفكر اللامع والشاعر المبدع لم تقل موريتانيا الرسمية أي شيء، ولم تفعل أي شيء معلنة بذلك أن العلماء وحياتهم سواء عندها، رغم أنها آنذاك ترفع شعار العلم والمعرفة عاليا.
وقبل ذلك في حياته لم تتح لمواطنيها فرصة الاستفادة من عطائه المعرفي الجسيم، متعمدة التفريط في أنفع خدمة ثقافية يمكن أن تقدمها للمجتمع، وأوفرها على الإطلاق .لكنه من جانبه رغم كل هذا الإغضاء المتعمد، ظل وفيا ووطنيا يمد موريتانيا البعيدة من منفاه في جزر القمر، في مالي، في الخليج، بعلمه وأبحاثه وشعره ونثره..
يشع سنى.. على وطن عزيز أضاع فتى وأي فتى أضاعا.
رحمه الله وأنزله بفضله وكرمه أعلى عليين وجزاه عنا وعن الشعر وعن موريتانيا كلها خير جزاء.

نقلا عن تقدمي