مشاهدة النسخة كاملة : من يتاجر بقضية الرق في موريتانيا ؟


أبو فاطمة
05-15-2011, 05:42 PM
من يتاجر بقضية الرق في موريتانيا ؟

لقد كشف الحقوقيون المدافعون عن العبيد وغيرهم من الساعين إلى تطبيق القانــون رقم 048/2007 القاضي بتجريم الإسترقاق، خلال الاشهر القليلة الماضية عدة حالات من الانتهاكات الجسيمة، بدءا بعيشة منت امبارك التي خضعت للاسترقاق من طرف اليدالي ولد الفيجح (حرطاني )، و مرورا بامباركة بنت أساتيم التي أرادت استرجاع ابنتيها المسترقتين من طرف أسرتي أهل ابوه و أهل احريطاني و كذلك الإماء الثلاثة اللاتي بموجبهن جرى الزج بثلاثة نساء داخل السجن، و قبل كل ذلك كانت بنت بكارفال قد أودعت السجن، للتهمة ذاتها، كما هو حال الاخ بيرام ورفاقه الذين حوكموا وسجنوا بهدف النيل من تاريخهم النضالي والعمل على قلب الحقائق والوقائع الجلية لقضية ما عرف ساعتها بعرفات1، وانتهاء بقضية سعيد ويرك التي تفجرت الاسبوعين الماضيين، وذلك بعيد لجوئهما إلى المبادرة من اجل انبعاث الحركة الإنعتاقية هاربين من نير العبودية لدى أهل حاسين !
كيف يمكن مع كل ذلك أن يتبجح علينا رئيس الدولة في خطاب كيهيدي، بما يفيد ضمنا أن كل هذه البلاغات تعد ضربا من ضروب الكذب والافتراء ؟ وان المتاجرة بقضية الرق هي التي دفعت بالحقوقيين إلى الزعم بها ؟؟، وقد تمادى الرئيس في فاحش الأوصاف والنعوت ليقول بأن أنين المسترقات وصرخات المغتصبات هو تهديد جلي لوحدة الشعب الموريتاني، وتفريق للأواصر العائلية فيما بين مكوناته !! وكأنه يقول للقضاة لا تسمحوا بحدوث ذلك واتركوا ملاك العبيد يعبثون ما وسعهم الجهد، فنحن هنا من أجلهم لا من أجل العبيد !
في مدينة كيهيدي انتصب الرئيس مصليا، و قدم الاعتذارات باسم الدولة عن المجازر العنصرية التي راح ضحيتها أبرياء الزنوج، وتاليا توجه الى مدينة كيهيدي لتحظى بمشاريع تنمية هامة رغم شح الموارد، كما ان الرئيس يروح إلى هنالك عقب أحداث الجامعة ليعالج الجرح من المنبع، هذا كله واجب و هو قليل من كثير تستحقه هذه المدينة و أولئك الأقوام و لكن ...في مدينة كيهيدي أعاد الرئيس على أسماعنا خطابا مهينا للأرقاء بعامة وللمناهضين لاستمرار الرق خاصة، حين نفى وجود الرق وكان لسان حاله يقول لسعيد ويرك و حسنية و لخويدم... لتذهبوا إلى الجحيم إنكم بضاعة خاسرة ، أما بيرام و ببكر وغيرهما من الحقوقيين، فغدو في عين الرئيس مجرد تجار نخاسة عصرية و هنا يروقني طرح السؤال : من يتاجر بالرق ؟
لكي تكون هنالك تجارة لابد أن يكون ثمة بائع و مشتري، فمن صلب الخطاب الرسمي عرفنا أن التجارة هي : "القول بوجود الاسترقاق في موريتانيا، و عرض حالات منه لا يمكن رفضها و لا حتّى التشكيك فيها " و أن البائع هو من يقول هذا و يحمل الأدلة الدامغة إلى الرأي العام الوطني و الدولي و هذا أمر يقوم به بيرام هذه الأيام بطرق ووسائل لا تترك أي مجال للشك بالصورة و الكلمة ، حيث يعرض الضحايا على الصحافة و يشهدون بأنفسهم على أوضاعهم ويتحدثون دون رقيب مع الصحفيين، و منهم من يصف سنوات خضوعه للاسترقاق ومنهم من تجد في اللحظة مناسبة لفضح أسياد أرغموها على الفاحشة يوما أو أياما، ومنهم من يبين عن أوجه العنف و الضرب التي تعرض لها جسده، و البعض الآخر يكتفي بتبيان الإهانات اللفظية و النفسية
عرفنا مما سبق أن التاجر هو بيرام و أن البضاعة هي القول بوجود الرق بشتى أشكاله و أنواعه و أن الدولة تباركه وتحمي ممارسيه ، فمن المشتري المزعوم؟! هو على ما بدر من كلام "قائد موريتانيا الأعماق" ذلك الشخص الذي يدفع لبيرام ثمن عمله و هو نفسه الذي دفع من قبل لمسعود و أتبعه للقادة المؤسسين لحركة الحر قبل ذلك!! أما نحن فلا نعرف صراحة من المشتري هذا؟ وهو كما يقول ملاك العبيد قد يكون أجنبيا! و إذا كان الأمر كذلك فلا بد من الوقوف لحظة لإثارة سؤالين: من المعني بالتحديد، هل هي دولة أم منظمات أو هيئات دينية أو سياسية ؟ ثم من أجل ماذا يشتري هؤلاء هذه التجارة؟
حول السؤال الأول يرد أصحابه على أن ثمة منظمات غربية لا تريد الخير للمسلمين و هي التي تصرف الأموال في سبيل زعزعة امن موريتانيا و استقرارها ، فيضعف الدين و تدخل هذه المنظمات لنشر ثقافتها التبشيرية و غير ذلك مما يهدد المشروع العروبي الذي نجح حتى الآن في تحويل أئمة المساجد إلى وزراء شغلهم الوحيد هو كتابة خطب الجمعة لكي تحول بيوت الله التي أمر أن ترفع و يذكر فيها اسمه، إلى منابر لتمجيد الحاكم و التغنّي بمنجزاته و التهجم على المعارضين لنظامه و المدافعين عن ضحايا التأويل الخاطئ لشرع الله!
أما الحقوقيون فلهم ردودهم على ذينك السؤالين فنحن نرى ان المشتري الحقيقي والذي لا مراء فيه هو السلطة الموريتانية التي تعين لحراطين وزراء للعدل و الداخلية سعيا الى تكميم أفواههم و جعلهم في مواجهة الواقع المرير، ويكونون أقرب إلى المثل المصري "شاهد ماشافش حاقه"، وبالتالي تعميهم الوظيفة ومزاياها عن معاناة أبناء جلدتهم كالطفل سعيد والصغير يرك، وامباركة بين أساتيم، الذين حرمهم عابدين من حقهم في العدالة النزيهة، حين مكن أسيادهم من رقاب العباد والبلاد، وبرأهم من أي جرم مشهود عليهم به، وبينته حاضرة تتكلم و تطالب بالإنصاف ورد الاعتبار.
هذه هي المتاجرة بالرق ! التعيين في مقابل شهادة الزور!، ومن أكبر الأمثلة على ذلك تعيين الشيخ أحمد ولد الزحاف سفيرا في جنيف حيث المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان، وحيث يكون دوره هناك كسفير هو الإبقاء على شهادة الزور كماركة موريتانية خالصة، تعبر الحدود، ويصطحبها السفراء في حقائبهم الدبلوماسية ...هذه أيها القراء الكرام هي المتاجرة ! والمتاجرة تعني تعيين لحراطين كلما أثار الحقوقيون قضية جديدة تستوجب من الدولة توجيه ضربة موجعة إليهم فتشفع ذلك بتعيينات محدودة في صفوف مناوئيهم من الشريحة نفسها.
فعندما اعتدت الشرطة في عرفات على بيرام و رفاقه لمجرد كونهم أبلغوها عن حالة استرقاق، و طالبوهم بالمؤازرة حتى لا ينقلب السحر على الساحر! بادرت الدولة بتعيين الوزير التالي ( المكلف بالتعليم الثانوي) و مدير إحدى أهم الشركات التابعة للدولة و مناصب أخرى.. فهذه هي المتاجرة ؟
أما لماذا ؟ فالجواب واضح للعيان: فالدولة (دولة الأسياد) تريد إخفاء الممارسات الإسترقاقية و التلبيس عليها حتى لا تعلم الدول المانحة ـ التي لا تساوم بالنيل من حقوق الإنسان على الرغم من بعدها و معاداتها للدين ـ أن الرق ( أبشع و أرذل و أقدم أنواع استغلال الإنسان للإنسان)مازال موجودا بل و محميا من طرف الدولة، فإنها تلجأ الى التعيينات ذرا للرماد في العيون و تغليفا للعار و الذل و حفاظا على سمعتها في الخارج أما حقوق الإنسان في الداخل فشعار تبيعه الدولة للمانحين مقابل دراهم تتقوّى بها زمرة من الجنود على القيام بانقلاب على القيم الديمقراطية!
لماذا يفتخر الرئيس دائما بان الدولة ليس فيها سجين سياسي؟ و لماذا يمجد الشعب و يصفه بالتلاحم و التعاضد و المسالمة؟ أليست هذه تجارة يراد لها الربح في المزاد العلني ؟ أليس الهدف الواضح هو تلميع الصورة التي دنسها الانقلاب الأخير و تتدنس أكثر كلما خطب الرئيس و تكلم عن محاربة الفساد و هو الذي لم يقل لنا من أين حصل على ثروته الواسعة ؟ ثم أي فساد أكبر من تحويل القصر الجمهوري الثاني في الدولة إلى مرفق طبي كان يمكن تشييده في مكان آخر أقرب إلى الفقراء و بثمن أقل تاركا للدولة ثاني أهم معلم لهيبتها !! و أي فساد أكبر من تعيين مسئولين سامين في الدولة و منعهم من صلاحياتهم؟ فلا احد في الدولة اليوم يعمل ففي الأمر تعطيل للخبرات و تبذير للأموال لأن الناس يتقاضون رواتب و لا يِؤدون من الخدمات مقابلها سوى الكذب على المواطنين و تخديرهم بالوعود الزائفة ، هكذا كل القطاعات اليوم معطلة و العمال سئموا الانتظار و في غضون شهر من الآن سيضرب جميع عمال الدولة ما عدى الموظفين السامين الذين ليست لهم مبادئ و لا شهامة و لا أنفة و لا يملكون الحرية حتى في الاستقالة ، بل ينتظرون الرواتب و العلاوات !
فالسيد وزير العدل يحتاج إلى لقاء الوزير الأول لإعطائه الأوامر الصادرة عن الرئيس، بتوقيف سيدة ضبطت في حالة تلبس واضحة بممارسة الاسترقاق التقليدي الذي تركه الأجداد للأحفاد ، رغم أن القانون واضح و صريح و لكن الرئيس هو الآمر الناهي الوحيد !هذه هي التجارة الرخيصة يا سيادة الرئيس و هي التي يجب أن تتوقف كما يجب أن تتوقف الدولة عن حماية ممارسي الاسترقاق و عن تسميته باستغلال القصر أو العمل المنزلي أو أي إسم آخر.
يجب على رئيس الدولة أن يصدر أوامره للحكام و الولاة و القضاة و مفوضي الشرطة بان يتوقفوا عن مؤازرة و حماية و توجيه الأسياد، باسم الدولة و بوسائلها. و أن يترك المنظمات الحقوقية تقوم بدورها في التبليغ و المتابعة و المؤازرة لصالح ضحايا الرق و نحن نضمن له و لنا وطنا واحدا متآخي و متعاضد و متآزر، يفتخر كل مواطنيه بالانتماء له، و سنكون كلنا جنود للدفاع عنه وسيكزن الوطن مصدر فخر و اعتزاز للجميع أما إذا واصل هذا الخطاب المقزز و النتن الرافض لوجود الرق و الواصف لمناهضيه بالمتاجرة، الذي ردده ولد الطايع و سدنته على مدى عشرين سنة ومن أجله فتحت أبواب البلد للتنقيب والنهب و غرقنا في الديون و دفنت النفايات و فتحت السفارة الصهيونية على أرضنا الطاهرة إلا من الرق، الذي بقي قنبلة موقوتة تهدد المجتمع بالانفجار في كل لحظة، هذا الخطاب هو الذي أفرز بيرام ، الذي ليس سوى الشجرة التي تخفي الغابة، فنحن كلنا بيرام !!

نقلا عن السراج الإخباري