مشاهدة النسخة كاملة : المرأة الموريتانية تستمد قوتها من قسوة الرجل (فاطمة الداه)


أبو فاطمة
05-14-2011, 06:05 PM
تستمد المرأة الموريتانية قوتها من قسوة الرجل (فاطمة الداه)

كَثُر الحديث في الآونة الأخيرة عما توصلت إليه المرأة الموريتانية من تحرر، وعن مكانتها في المجتمع،وكثرت الكتابات والندوات والبرامج الحوارية التي تُشيد بهذا الدور، إلا أن معظم هذه الحوارات تدور حول كون الدولة أو الرجل-الذي هو من يُسَيِر الدولة وإن كان الحضور النسوي موجوداً إلا أنه بشكل صوري حسب اعتقاد البعض– كونه هو من أعطى المرأة هذه المكانة أو من مهَّد لها للوصول إليها.
لا أعارض كون المرأة الموريتانية تتمتع بمنزلة خاصة في مجتمعها مقارنةً مع نظيراتها في الكثير من الدول الإفريقية والعربية المجاورة،لكن ما لا أتفق معه هو أن يكون الرجل هو من أعطى للمرأة الموريتانية تلك المنزلة أو شجعها عليها، بل المرأة هي من انتزعها بجِدِّها وعملها وحُسن تسييرِها والأكثر من ذلك تحملُها للمسؤولية اتجاه أسرتها في الوقت الذي يتخلى فيه معظم الرجال الموريتانيين عن تلك المسؤولية .
سمعتُ عن إحصائية تشير إلى أن 37% من النساء الموريتانيات هن معيلات أسر، وهذا رقم كبير! مع أن الإحصائية حسب ما أعتقد كانت تعني بالنساء معيلات الأسر، المطلقات و الأرامل، غير أن ثمة معيلاتٍ للأسر من نوع آخر، وهن اللواتي تخلى أزواجهن عن الإنفاق على أسرهم بسبب البطالة أو لكون الواحد منهم يبعثر نقوده على هواه و يرفض الإنفاق على أسرته بشكلٍ كاملٍ أو جزئيٍ.
يتحمل الرجال في العالم بأسره مسؤولية الإنفاق على أبنائهم بعد الطلاق و ثمة قوانين تُلزِمهم بذلك ومحاكمُ مختصةٌ في الشؤون الأسرية، و هو ما تم استحداثه في موريتانيا، إلا أن هذه القوانين لا تزال غير مُلزِمةٍ، كما أن هناك حواجزَ اجتماعية أخرى تحول دون تَوَجُّه المرأة إلى هذه المحاكم لانتزاع حقِّها بالقانون، و مع أن المجتمع الموريتانيَّ من أكثر المجتمعات تفقُّهاً في الدين الإسلاميِّ الذي يوجِب على الرجل إنفاقَ أسرته حتى لو كانت المرأة غنيةً، إلا أن ما يعرفه المجتمع نظرياًّ شيءٌ و الواقع شيءٌ آخر، في التقاليد الموروثة عندنا لا يعتبر الرجل مُلزَماً بالإنفاق على أبنائه بعد الطلاق و يعاب على المرأة وعلى أسرتها أن تحاكمه من أجل النفقة، وفي المقابل يتحتم عليها أن تلقي على عاتقها تربية الأبناء و توفير متطلباتهم بكل قوة و تحمل و يعاب عليها كذلك أن تتأثر من الطلاق أو تبدي تذمراً من تحملها لهذه المسؤولية، و بالتالي لم يعد أمامها إلا أن تنساقَ لرغباتِ المجتمع و تقاليده وهو ما يجعلها تحتفل بالطلاق، لكن ( مُكرَهٌ أخاكَ لا بطل ) .
تحتفل المرأة الموريتانية بالطلاق لعدة أسباب:
الأول هو: خوفها من نقد المجتمع لها إذا هي أبدت الحزن أو التذمر أو خافت على مستقبل أبنائها بشكل أو بآخر.
والثاني: أن هذا الطلاق لن يمنعَها من الزواج مرة أخرى، وربما تزوجت بمن هوأفضل من مطلقها.
والثالث هو: أن لهذه المرأة الصحراوية المعتادة على شظف العيش صلابةً وعِزةَ نفس و إباءٍ يمنعها من الاستسلام للحزن على انقطاع رزق تؤمن بأن الله هو من بعثه مع هذا الرجل وسيبعثه مع غيره.
لم أتحدث هنا عن الجانب العاطفي أو النفسي، و تعمدتُ الحديث عن الجانب المادي للتفكك الأسري لأن الجانب العاطفي في معظم الأسر الموريتانية ضئيل جداً وإن وُجِد فإنه يتلاشى في السنوات الأولى للزواج و تصبح الأسرة قائمةً على التعامل بشكل ميكانيكي، فهو لا يخاطبها بمحبة ولا يتعامل معها بحنان مهما كان حبه لها وخاصةً إذا كان ذلك أمام الآخرين، لأن الطبيعة القاسية للبدو تعيب ذلك التعامل الرقيق للرجل مع زوجته ولا تراه من الرجولة في شيء.
الرجل في موريتانيا لا يذكر اسم زوجته ولا كنيتها بل يخاطبها بضمير الغائب"هي" و كذلك تخاطبه، الأسرة الموريتانية تعيش في حالة من اللاحرب واللاسِلم و مع ذلك ظلت المرأة التي يمثل الجانب العاطفي في حياتها كل شيء تقريباً، ظلت مع افتقادها له محافظةً على توازنها النفسي وقوة شخصيتها قبل الطلاق وبعده، بل جعلتها تلك التجربة التي عاشتها و تعيشها من عدم اهتمام الرجل بها جعلتها أكثر قوةً وصلابةً واعتماداً على نفسها، حيث لا تعول على الرجل في كثير من أمورها. هذاهو السِّر في نجاح المرأة الموريتانية – في نظري– و ليس السِّر فيه أن الرجل يقدرها ويحترمها مع أن لديه الكثير من الأسباب ليقدرها بل ليفتخرَ بها و يُجِلَّها وهو من تربَّى غالباً في حضن أمٍّ مطلقة و فرت له كل ما بوسعها ليصبح رجلاً محترماً و متعلماً، ثم ترك أبناءه لزوجته التي وقفت إلى جانبه في السَّرَّاء و الضَّرَّاء و يوم تخلى عن الأبناء وجدها أماًّ فاضلةً و بحجم المسؤولية لتتولى عناء تربيتهم و تعليمهم بمفردها وتسهر على كافَّة احتياجاتهم بلا كلل ولا ملل وتخلت عن الكثير من رغباتها الشخصية واحتياجاتها من أجلهم، بينما انساق هو لرغباته الشخصية ونزواته ولم يفكرإلا في نفسه.
وبالله التوفيق .

نقلا عن السراج الإخباري