مشاهدة النسخة كاملة : ذكرى النكبة ودعاة النسيان (عوني صادق)


أبو فاطمة
05-14-2011, 03:07 AM
ذكرى النكبة ودعاة النسيان (عوني صادق)

(إن إحراز الموافقة على تمسك "إسرائيل" بـ 78 في المائة من مساحة "أرض إسرائيل" هو نصر الصهيونية التاريخي. إن دولة ثنائية القومية على 100 في المائة من هذه المساحة هي نهاية الحلم الصهيوني، ولا مناص من تحقيق هذا الحل حتى لو استمر أربع سنين أو خمساً. يجب أن تحسم "إسرائيل" بين هذا الفعل وبين الاستسلام لشبان التلال ورعاتهم من الساسة) (أفرايم سنيه- هآرتس 10/5/2011).
في هذه الأيام تحل الذكرى الثالثة والستون لنكبة الشعب الفلسطيني في ظروف فلسطينية وعربية متغيرة. والمعروف أنه إلى ما بعد مؤتمر القمة العربية الذي عقد بعد الهزيمة الحزيرانية (1967) ظل العرب متمسكين بعروبة فلسطين التاريخية ويرفعون شعار (لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات). مع زيارة أنور السادات إلى القدس المحتلة وخطابه في الكنيست معلناً أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، بدأ التخلي العربي والفلسطيني الرسمي عن الشعار وعن فلسطين التاريخية معاً. ومع توقيع اتفاقية (كامب ديفيد 1978)، وتوقيع (معاهدة السلام المصرية "الإسرائيلية" 1979)، تأكد انتصار الحركة الصهيونية عام 1948. كان ذلك يعني عملياً قبول عمليتي الاغتصاب والتطهير العرقي وما نتج عنهما من مظالم، وتجاوز القرارين 181 و194 وحق عودة اللاجئين عربياً، وتحولت ذكرى النكبة إلى "واقعة تاريخية" لا تلزم أحداً بشيء. في سبتمبر/أيلول 1993، ومع إعلان اتفاق أوسلو، انضم الفلسطينيون رسمياً إلى دعاة النسيان وإن ظلت الواقعة تذكر في المناسبات.
في هذه الأيام، يبدو أن دعاة النسيان أصبحوا أكثر تصميماً عليه، وعلى الرغم من الظروف المتغيرة عن تلك التي سادت في السنوات الثلاثين الأخيرة، حيث الثورات العربية تغير من ملامح الصورة العربية، وحيث المصالحة الفلسطينية تفترض تحسناً في المناخ الفلسطيني، غير أن ما يحسم الأمر في نهاية التحليل يعتمد على طبيعة المواقف التي تتخذها طلائع الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية وبقدر ما يستفيدون من كل ما هو إيجابي في المتغيرات العربية.
العرب والفلسطينيون الرسميون، وبطبيعة الحال ما يسمى "المجتمع الدولي"، يتجاهلون ما جرى في العام 1948، ويرون جذر الصراع ماثلاً في ما جرى في العام 1967، وذلك ما لا يقدم حلاً للصراع، بل يبقي الأبواب مفتوحة لتجديده. ومن على شاشة فضائية فلسطينية تابعة لفصيل فلسطيني مقاوم، طالب أحد قيادات حركة (فتح) البارزين، أحد أعضاء اللجنة المركزية وأحد الأسماء المرشحة لرئاسة "حكومة الوحدة التكنوقراطية الانتقالية"، بعد المصالحة، إلى نسيان فلسطين التاريخية بذريعة أن "لا أحد في العالم" يناقش القضية من هذا المنظور، وهو يفترض أن "حل الدولتين" أو "الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية" هو ما يجب أن ينصب عليه الجهد الفلسطيني لحل المسألة الوطنية واسترداد الحقوق. المفارقة هنا هي أن بين اليهود "الإسرائيليين" من يرى غير ذلك تماماً.
ففي حوار مع عالم الاجتماع "الإسرائيلي"، البروفيسور يهودا شنهاف، (أجراه د. إياد البرغوثي ونشره موقع "عرب 48" بتاريخ 29/4/2011)، حول النكبة والمواقف "الإسرائيلية" منها والحلول المطروحة للصراع، يرفض شنهاف اعتبار العام 1967 وما جرى فيه لحظة صفر الصراع ويعود إلى "لحظة التطهير العرقي وفرض السيادة اليهودية الحصرية على البلاد"، أي العودة إلى العام 1948 باعتباره "جذر الصراع وأساس الحل". وعن "حل الدولتين" يقول: " كل من يريد دولتين لشعبين... يطلب عمليا من عرب ال48 التنازل عن حقوقهم القومية في دولة يهودية، كما يطلب في الوقت ذاته إخفاء مسألة 1948". ويعلق على موقف (اليسار الصهيوني) الذي يؤيد هذا الحل قائلا: "التناقض هنا هو أن "اليمين (الصهيوني) يفهم أكثر من اليسار (الصهيوني) أن مسألة 1948 هي القصة الحقيقية". ترى ماذا يمكن أن يقال عما يسمى (اليسار الفلسطيني) الذي يقبل "حل الدولتين" ويرى أن الصراع بدأ من يونيو/ حزيران 1967؟
المساومة الجارية منذ ثمانية عشر عاماً في إطار "حل الدولتين" تدور على ما نسبته 8-10 في المائة من مساحة فلسطين الكلية، مع إسقاط حق العودة، معتمدة على الدعم الأمريكي لهذا الحل. ولمناسبة "يوم الاستقلال" "الإسرائيلي" بعثت هيلاري كلينتون رسالة تهنئة قالت فيها: إن "أمن "إسرائيل" يشكل حجر الأساس للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وسوف يبقى كذلك". وكما هو معروف، فإن "أمن "إسرائيل"" تقرره "إسرائيل". لكن مطالبة أفرايم سنيه بما يفيد ضرورة إخلاء المستوطنات والحفاظ على 78 في المائة من فلسطين التاريخية باعتباره "نصر الصهيونية التاريخي"، يدل على بعد نظر وحرص واع على (أمن "إسرائيل")، إلا أنه لا يرجع ولا يفكر في الرجوع إلى العام 1948، ولا يقدم حلاً نهائياً للصراع كما يرى البروفيسور شنهاف.
لقد كانت للنكبة نتائج كارثية لم تستطع حروب "إسرائيل" المنتصرة أن تمحو آثارها أو تقلل من تداعياتها على المنطقة أو العالم. كذلك لم تستطع الهزائم التي لحقت بالأنظمة والدول العربية أن تلغي من الوجدان العربي أو الفلسطيني أن جريمة ارتكبت في العام 1948 وحتى الآن لم يلق المجرم العقاب المناسب لها، وأنه بسبب تلك الجريمة هناك وطن سرق، وحقوق نهبت، بل ومستقبل شعب وأمة سدت في وجهه السبل. ومهما كانت قدرة البعض على طمس الحقائق وتزويرها بالقوة أو بالسياسة، فلن يستطيع ذلك إلى الأبد، وسيظل الحق أقوى من الطمس والتزوير، وسيظل أصحاب الحق وراءه يطالبون باسترداده حتى يعود.

نقلا عن المركز الفلسطيني