مشاهدة النسخة كاملة : فيصل مولوي فارس "الحكمة" الذي ترجّل (وائل أبو هلال)


أبو فاطمة
05-10-2011, 02:00 AM
فيصل مولوي فارس "الحكمة" الذي ترجّل (وائل أبو هلال)

شيخ معمّم "بالحكمة"؛ هذا أول ما يقفز لذهني عند ذكر اسمه، حكمة تغلب على تصرفاته وأقواله، بل لكأني به أحد أعمدتها في العصر الحديث، وهي "الحكمة" التي ترفع صاحبها قدراً عندالله وعند الناس باذن الله، وهكذا كان رحمه الله ... "ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا".
فلا يمكن أن يكون أبو عمار - رحمه الله - في جلسة إلا توجهت الانظار اليه ليفتتحها، أو يرتب أولوياتها أو يبلور نتائجها بأدقّ ما تكون البلورة تعبيراً عن المقصود، وأناقة في اللغة، وشمولاً في المضمون.
وأشد ما تكون الحاجة إليه اذا اشتد الخلاف وحمي وطيس النقاش، وعلت الأصوات، وبدت الآراء مختلفة بصورة لا يمكن معها الالتقاء ... فاذا به يتقدم بصوته الهاديء الوقور ويطرح صيغة لايملك معها الجميع – أو الأغلبية - إلا الركون إليها وكأنها ماء التوافق الذي يطفيء لهيب الخلاف .. فينظرالحميع في وجوه بعضهم: كيف استلّ هذا الشيخ المعمّم صيغة ترضيهم؟ ولا يستطيعون التقديم بين يديها ولا من خلفها .. إنها الحكمة .. الحكمة التي يتفضّل الله بها على من يشاء من عباده.
تلك الحكمة التي جمّعت الشباب الإسلامي في أوروبا – وخبروها - على اختلاف مشاربهم؛ فقد استطاع الشيخ - رحمه الله - خلال فترة قيادته لاتحاد المنطمات الاسلامية في أوروبا (أكبر المؤسسات الإسلامية في القارّة) والذي كان له فضل كبير – بعد الله – بإنشائه أن يصهر هذه الثقافات المتعددة في بوتقة واحدة وفق وسطية الاسلام من جهة، وبما يتناسب مع البيئة الغربية الأوروبية من جهة أخرى، مما ساهم بتكريس هوية إسلامية تستطيع التعايش مع هذه البيئة.
وقد ساهم- رحمه الله - برفقة ومعية رفيقه الشيخ يوسف القرضاوي في الإجابة على كثيرٍ من الاشكالات الفقهية والفكرية التي تواجة الجالية الاسلامية هناك من خلال ترسيخ مرجعية المجلس الأوروبي للإفتاء.
الحكمة أيضا- ودائما- كانت حاديه في قيادته دفّة الجماعة الإسلامية في لبنان: الطائفي الحزبي المقاوم المتعدد الثقافات، فبعد تأسيسها على يد الدكتور فتحي يكن – رحمه الله؛ استطاع بالتعاون مع رفيق دربه الأستاذ إبراهيم المصري وضع الجماعة - بسيطة الموارد - على الخارطة السياسية اللبنانية المعقدة، وجعلها رقماً صعباً في المعادلة الحزبية اللبنانية، وممثلا رئيسًا- إن لم تكن الرئيس - للسنة في لبنان. ومن خلال هذا الموقع، وبالحكمة التي حباه الله إياها أصبح مرجعية معنوية لا يبتّ أمرٌ في الشأن اللبناني الداخلي إلا بالرجوع اليه.
الحركة الإسلامية العالمية كان لها نصيبٌ من حكمته - رحمه الله؛ فلا شك أنه كان الرجل القوي في قيادتها، بل لعله كان من الشخصيات النادرة جداً الذي رشح لمنصب المرشد العام للإخوان المسلمين من غير الاخوان المصريين (سبقه بذلك الأستاذ هاني بسيسو- الفلسطيني- رحمه الله)، وما ذلك إلا للمكانة التي حظي بها بين أعلام الحركة ورموزها، وللحكمة التي تحلّى بها ويتطلبها هذا الموقع برمزيته.
أما فلسطين؛ فشأنه معها ولها كان عظيماً، لا يمكن أن تسبقها في الاهتمام قضية، لم يتغيّب عن محفل تُذكر فيه القدس أو فلسطين، لم يتوانَ عن بذل أي جهد حتى لو كان في أقاصي الشرق أاو الغرب من أجل فلسطين، احتضن المشروع الإسلامي لفلسطين بكل قوة، كان سندا قويا للقضية بمقاومتها داخل أطر الحركة الاسلامية وخارجها، بل كان ممثلاً معنوياً للقضية في كثير من المحافل دون صفة رسمية.
كل هذا وغيره الكثير الكثير، مما يجب تأريخه وتوثيقه من القريبين منه، كان يتم بهدوء بالغ، لا تكاد تسمع أو تحسّ به، وإنما تشعر بأثره بعد أن يتم، فتقول في نفسك: جزا الله خيراً الشيخ فيصل الذي كان سببا في كذا وكذا من الخير ..
سلام عليك أبا عمّار في الصالحين، سلام عليك في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء باذن الله، سلام عليك في ورثة الأنبياء من العلماء العاملين، سلام عليك في الحكماء الذين اقتبسوا نورا من حكمة سيد الأنبياء، سلام عليك بما صبرت على المرض فنعم عقبى الدار.
سيّدي لم أستطع زيارتك في مرضك لأنّي لم أتحمّل رؤيتك عاجزاً، وتغيّبت عن وداعك الأخير؛ لكن أملي بالله رحمة وتفضلا منه أن نلتقي في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه.

نقلا عن المركز الفلسطيني