مشاهدة النسخة كاملة : في سجون الضفة.. آمال الفرج تتحطم على صخرة الواقع (تقرير)


أبو فاطمة
05-09-2011, 04:32 PM
بعد انتظار طويل لتوقيع المصالحة
في سجون الضفة.. آمال الفرج تتحطم على صخرة الواقع (تقرير)

كثيرون هم الذين كانوا ينتظرون توقيع المصالحة بفارغ من الصبر، حتى تكتحل عيونهم برؤية أبنائهم الذين غيبتهم معتقلات وزنازين القهر في السلطة الفلسطينية سنين وشهورًا، لكن المماطلة والتسويف من قبل أجهزة الأمن دفعتهم للخروج عن طوعهم والغضب والتنكر للمصالحة التي لم تفرج عن أبنائهم.
والد شهيد وأسير
الشيخ حسين أبو حديد (60 عامًا)، من مدينة الخليل، والد الشهيد القسامي إياد أبو حديد، ووالد الأسير المختطف لدى السلطة محمد أبو حديد، يرى أن المصالحة التي تمت، شكلية ووهمية ولن تعمر كثيرًا، وذلك بسبب تعنت أجهزة أمن السلطة في الإصرار على عدم الإفراج عن الأسرى السياسيين.
وقال الشيخ أبو حديد في حديث خاص لـ"المركز الفلسطيني للإعلام": "ابني محمد، معتقل منذ أكثر من عام، وقد تعرض للضرب والتعذيب، ورغم ذلك صبرنا صبر أيوب، وصدر بحقه قرار إفراج من المحكمة العليا، ولم تفرج الأجهزة الأمنية عنه، واليوم الأحد صدر قرار محكمة عسكرية بالإفراج عنه من سجن أريحا، ولم يفرج عنه أيضًا.. أين هي المصالحة؟.. أين تطبيقاتها؟، إن بقاء أبنائنا في سجون السلطة سيجعلنا نغسل أيدينا منها ومن المصالحة".
وأضاف الشيخ أبو حديد: "لقد أرهقنا اعتقال أبنائنا، ونحن نتنقل من سجن إلى سجن، من الخليل إلى بيت لحم، إلى أريحا، إلى جنين.. أما آن الأوان أن تنتهي رحلة العذاب هذه؟ أليس من العيب على المسؤولين الذين يزمرون ويطبلون للمصالحة أن يناموا في بيوتهم براحة وطمأنينة، ونحن لا ننام وأبناؤنا مغيبيون عنا ظلمًا وزورًا وبهتانًا!".
واستنكر الشيخ أبو حديد هذه المماطلة في عدم الإفراج عن ابنه، وقال مستهجنًا: "يا عالم.. أبناؤنا لم يسرقوا دجاجًا وليسوا مجرمين ولا قتلة!، أنا ابني محمد القابع في سجن أريحا، حافظ للقرآن، وداعية وخطيب وطاف سجون الاحتلال ومعتقلاته لحساب من يغيب عن أمه وأبيه وإخوانه وخطيبته التي تنتظره بفارغ الصبر، أليس من العار أن يبقى في الاعتقال؟!".
واعتبر الشيخ أبو حديد أن الاستمرار في الاعتقال السياسي وعدم تبييض السجون والإفراج عن المعتقلين، عار في جبين السلطة التي لم تلتزم بشروط المصالحة.
زوجة تبكي وتناشد
بنفس الألم والغضب تساءلت (أم الأمير) زوجة الأسير نضال القواسمي الذي مرّ على اعتقاله نحو نصف عام أو أكثر، قائلة: متى سيكون الإفراج عن زوجي يا أبو مازن ويا أبو الوليد؟.. لقد انتظرنا توقيع المصالحة على أحر من الجمر، وقمنا بعدِّ الدقائق يوم التوقيع دقيقة بدقيقة وثانية بثانية وتوقعنا أن يعلن أبو مازن عن الإفراج عن الأسرى من القاهرة، بحسب ما وعدنا، ولكن دون جدوى.. هل يتلذذ السياسيون على أنات وآهات أطفالنا وأمهاتنا؟.. إلى متى؟.. إلى متى؟، ( وانفجرت بالبكاء)، ثم عادت وتساءلت: "ألم يكن الأجدر أن لا يتم التوقيع إلا بعد عملية الإفراج الشاملة عن كافة الأسرى؟".
وناشدت أم الأمير المخلصين من أبناء الشعب الفلسطيني العمل الجاد والضغط من أجل إغلاق ملف الاعتقال السياسي بأي شكل كان، لأن الاستمرار في إبقاء هذا الملف على حاله مهزلة ومأساة لا تحمد عقباها، وأكدت أن زوجها المعتقل في سجن الظاهرية بمحافظة الخليل مضرب عن الطعام منذ أربعة أيام، وهو مريض سابقًا وربما تصبح حياته في خطر.. وطالبت قيادة حماس في الداخل والخارج بتحمل مسؤولياتها تجاه أسراها!.
عالم يعتصر ألمًا على نجله
العالم والبروفيسور أمير عبد العزيز رصرص (75 عامًا) قضاها في تخريج أهل العلم والفكر والدعوة.. ألّف العديد من الموسوعات والدراسات.. وقف متألمًا أمام مقر جهاز الأمن الوقائي في الخليل لزيارة نجله مربي الأجيال، أنس أمير رصرص (48 عامًا)، فلم يسمح له وطرد من أمام المقر.
استهجن العالم الجليل ما يجري.. وقال: "ماذا اقترف ابني حتى يغيب في سجون السلطة نحو ستة أشهر في العزل الانفرادي؟ ألا يخافون الله؟ أين هي الوحدة والمصالحة؟، أما آن الأوان أن يرى ابني النور ويعود إلى أطفاله وزوجته؟.. أنا رجل كبير في السن، وبحاجة إلى من يساعدني.. إنني أناشد كل أصحاب الضمائر الحية التدخل للإفراج عن ابني أنس".
وأضاف البرفيسور رصرص: "ابني داعية ويصلي ويصوم، وقد قضى جل حياته في تربية الأجيال، كما أمضى في سجون الاحتلال سنوات عدة.. هل يكافأ من يقدم لوطنه بهذا الشكل؟.. يعذب ويشبح ويغب عن ذويه وأطفاله وزوجته؟.. لم أسمع أن ابني تنازل عن القدس ولا حق العودة! ولم يتآمر على وطنه حتى يوضع في زنزانة انفرادية".
واعتبر البرفيسور رصرص أن الاستمرار في اعتقال نجله واعتقال الآخرين من أبناء الشعب الفلسطيني لن يجعل المصالحة تعمر كثيرًا، لأن المصالحة تعني إنهاء الاعتقال السياسي وعودة القلوب والنفوس عامرة بالمحبة والألفة والأخوة والوطنية.. وفي الختام ناشد رصرص القيادة الفلسطينية بكل أطيافها العمل على إنهاء ملف الاعتقال السياسي وتبييض السجون.
طفل مشتاق لوالده
وقف حزينا امام منزله ينتظر عودة أبيه من الاعتقال.. لقد قيل له يوم توقيع المصالحة الأربعاء الماضي إن والدك سيفرج عنه اليوم.. تابع كالكبار بفارغ الصبر كل مراسيم التوقيع!! وبعدها خرج لينتظر عودة والده ولكن انتهى اليوم وبدأ يوم جديد وهكذا دواليك؟.. إنه الطفل محمد حرب، نجل الأسير المجاهد المعذب الشيخ أنور حرب، الذي علق على بكرة التعذيب في سجن الوقائي في الخليل عشرات الأيام حتى كسرت ثلاثة أضلاع في قفصه الصدري، وغيب في الزنازين سبعة أشهر، وما زال، حتى أصبح وزنه الآن 51 كيلو، رغم أنه يبلغ من العمر نحو 50 عامًا.
لا يزال محمد ينتظر على مدخل المنزل في بلدة بيت أولا قضاء الخليل، لعل والده صاحب اللحية البيضاء والشعر الأبيض يطل من بعيد.. تارة يبكي، وتارة أخرى يصاب بالذهول.. يدخل مخاطبًا أمه أم محمد: (يماه مش اصطلحوا .. طب ليش أبوي لحد الآن ما روح؟!)، فتصمت الأم صمت الخنساوات، تخفي حزنها ودموعها لعلها تساهم في بناء رجولة وعزيمة ولدها في ظل غياب الزوج في رحلة مجهولة يعلم الله متى تنتهي.
مصالحة في خطر
أمام هذه المآسي يقف القلم حائرًا، وتتلعثم الكلمات.. ماذا يمكن أن نقول لهذه الأسر؟، وكيف يمكن إقناعها بأن المصالحة مجدية وستجمع شقي الوطن وستعيد اللحمة، وهم لم يجتمعون بعد مع أبنائهم المعتقلين، انتظروهم طويلاً وهم يسمعون أناتهم وآهاتهم وصراخهم بفعل القتل البطيء الذي مارسته الأجهزة الأمنية ضدهم عبر أساليب همجية لم تحصل إلا في محاكم التفتيش في العصور الوسطى.. أما آن لهذا القهر ان ينتهي؟.. أما آن لهذا الظلم أن يقلع؟.. كفى.. كفى، فليعد المتحاورون إلى منازلهم.. فالمئات من المعتقلين في سجون السلطة سئموا من المواعيد الكاذبة.. وتصريحات الضميري الحاقدة تزيدهم قنوطًا ويأسًا من جدوى المصالحة.
إن نبض الشارع الفلسطيني يتسارع وترتفع وتيرته غضبًا على الاستمرار في الاعتقال السياسي والاستدعاءات اليومية لمراكز التحقيق في كافة مدن الضفة الغربية، كل ذلك جنبًا إلى جنب مع إبقاء ملف الاعتقال السياسي دون إغلاق؛ الأمر الذي يجعلنا نقول بكل ألم إن المصالحة باتت في خطر!.

نقلا عن المركز الفلسطيني