مشاهدة النسخة كاملة : أزمة الجرنالية ...هل تستعصي على الحل؟


ام خديجة
05-08-2011, 10:55 AM
أزمة الجرنالية ...هل تستعصي على الحل؟

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=200w__01_56.jpg

أحمدفال بن الشيباني

جذور الأزمة:

إن تخلي بعض الشركات طواعية عن مباشرة بعض الخدمات أو الأعمال ذات الارتباط الثانوي بنشاطها الأساسي وإسناد تنفيذها إلى شركات خدمية مختصة أو ذات خبرة متميزة في مجال ما ،أسلوب شائع ومتبع من طرف الشركات الكبرى .وهو ما قننه المشروع-مدونة الشغل وغيرها من القوانين ذات الصلة- فيما سمي بالتعاقد من الباطن أو التعاقد مع العامل بالمقطوعية إلخ......

وقد جربت اسنيم،منذ أزيد من ثلاث عقود،هذه الأشكال من التعاقد حتى خلصت إلى التعاقد من الباطن كإطار ثابت لإنجاز الأعمال المؤقتة وغير الدائمة أو التي تتطلب تخصصا معينا في مجالات محددة.

وكانت اسنيم تتوخى من هذه السياسة تركيز جهودها وقدراتها على مهامها الإستراتيجية والتخفيف من الأعباء المالية لبعض الأنشطة الثانوية والإفادة من خبرات المختصين في بعض المجالات ،إلا أن تراكمات كثيرة ـ من أشدها وقعا التقلبات المتلاحقة على مستوى رأس الهرم الإداري وما ينجم عن ذالك من تقلب في الخطط والتوجهات الإستراتيجية ـ أدت إلى ما قدتم توصيفه في المقاربة الماضية والذي أذكره هنا ملخصا في نقطتين اثنتين:

- الخروق القانونية التي تطبع العقود حيث انحصرت الخدمات التي تقدمها الشركات المقاولة من الباطن في توفير اليد العاملة مقابل ما تستفيد في خرق سافر للقانون ( المادة 148 من مدونة الشغل ) بالإضافة إلى الخروق المتعلقة بحقوق العمال.

- الانتشار المفرط للمقاولة من الباطن حتى غزت قلب الشركة الرئيسية –اسنيم- واحتلت بعض المهام الإستراتيجية ذات التأثير المباشر على نشاطها الأساسي وهو الإنتاج المعدني لخامات الحديد.

هذه الوضعية ترتب عليها وجود العمال المؤقتين جنبا إلى جنب مع العمال الرسميين بالشركة يؤدون نفس الأعمال أحيانا وفي نفس الظروف مع تباين كبير في الأجور والامتيازات والحقوق .مما يؤدي دوما وبشكل متكرر،إلى ما تعرفه الساحة من توقفات عن العمل من طرف هذه الشريحة والدخول في إضرابات مفتوحة يؤججها الاستغلال السياسي والتوظيف الشخصي، من بعض الأطراف، لتداعياتها. والمتضرر الأول هم العمال المسلوبة حقوقهم ثم شركة اسنيم المهددة في صلب مهمتها وخططها لرفع منتوجيتها وقدرتها على المنافسة .

هذا هو المناخ الذي تفجرت فيه الأزمة الأخيرة لتأخذ أعلى أشكال الاحتجاج: المسيرات، الاحتكاكات مع قوى الامن وأخيرا الاعتصام لأزيد من نصف أسبوع


تطورات الملف الأخيرة :


في ذروة الأزمة وبالضبط في 29 ابريل الماضي وصلت إلى ازويرات بعثة وزارية مشكلة من وزير الداخلية ووزير البترول والطاقة والمعادن في مهمة لإيجاد حل للأزمة وكان أول لقاء لها مع الأطر النقابية حيث تبادل الطرفان وجهات النظر وتصوراتهم للحلول الممكنة كما أعرب كل طرف عن حسن نيته واستعداده للبحث عن مخرج من الأزمة وطلب النقابيون إشراك الساحة المعتصمة من خلال ممثليهم وهم الأمناء العامون لأقسام البنى التحتية في رسم هذا المخرج إلا أنه ،وفي أثناء الاجتماع ،كانت ساحة الاعتصام مسرحا لانقلاب على هؤلاء من طرف أحد أطر إحدى المركزيات النقابية في جو طبعه التأليب على النقابات وأبدع فيه مستخدما كل الأساليب الدعائية من نقر للطبول وزغاريد و إنشاد المأجورين وتهريج جماعات من خارج العمال لإرهاب المخالفين.

في هذا الجو جاء إلى الساحة مبعوث من طرف اللجنة الوزارية لطلب ممثليهم فانبرى النقابي المذكور وسأل الجموع من يمثلكم للمفاوضات فرد المهرجون أنت وحدك فأعاد السؤال للتأكيد ليس معي أحد؟ فأجابوا بل وحدك فقط.....

فأخذت المفاوضات - بهذه البساطة – منحى أدراماتيكيا،أحاديا ومريبا.... خرج منه بعد ساعات ليعرض في شكل مسرحي محكم ما زعم أنه انتزاعات لصالح العمال:

1- الاتفاق على التحقيق في قضية إطلاق النار على المعتصمين يوم الخميس وجرح مواطن في رجله تعالج منها في المجمع الصحي لاسنيم وقيل أنه انتزعت رصاصة من رجله.

2- البدء في اكتتاب العمال المؤقتين من طرف شركة اسنيم يوم الاثنين ،الموافق 02-05-2004

3- دفع الشركات لمبلغ تشجيعي لم يحدد بعد.

4- إخلاء الساحة من المعتصمين.

وكانت الطبول تقرع بعناية عند مفاصل العرض وتطلق الزغاريد والإنشاد. وفي النهاية سأل الجموع هل توافقون على نتيجة المفاوضات فارتفعت أصوات بلام الألف لكن المهرجين قريبين ليفو بالغرض فصاحوا نعم موافقون .... نعم موافقون.

و في الصباح دعت اللجنة الوزارية منسقي المركزيات النقابية، بعد إخلاء الساحة من المعتصمين بفعل الدعاية و الترويج للبنود السالفة الذكر، ليعرضوا عليهم محضر الاتفاق الموقع سلفا من طرف الوالي و الشخص المذكور لكنه خلا من البندين الأولين وهما:

ـ التحقيق في حالة إطلاق النار

ـ البدء الفعلي ـ يوم الاثنين الموالي ـ في اكتتاب عمال الجرنالية من طرف اسنيم

و تلخص محتواه في النقاط التالية:

1. دفع الشركات المقاولة مرتبا لصالح عمالها.

2. تشكيل لجنة برئاسة الوالي و عضوية ممثل عن اسنيم و ممثل عن الشركات المقاولة وممثلي المركزيات النقابية ابتداء من الاثنين الموافق 02/05/2011 لمتابعة تجسيد الحلول المقترحة من طرف اسنيم و التفاوض عليها.

3. إخلاء الساحة من طرف المعتصمين وعدم إلحاق أي عقوبات بالعمال من طرف الشركات المقاولة( كيف يعاقب أزيد من ألف عاملِ...!)

ثم طلبوا من المنسقين التوقيع عليه. إلا أن المنسقين أجمعوا على إدانة الشكل الانفرادي والمشبوه الذي سارت فيه المفاوضة أخيرا. و أحجموا في البداية عن توقيع المحضر فاستماتت اللجنة الوزارية مسندة من طرف السلطات الإدارية في الدفاع عن سلوكها وبررته بأنها كانت أمام حالة غير عادية شبهوها بالتفاوض مع محتجز رهائن فكان لا بد من ذلك. ووضح جليا أن الشغل الشاغل للجنة كان إخلاء الساحة وليس التوصل إلى حل جذري للأزمة. ووعدوا برد الملف إلى إطاره الصحيح وهو التفاوض حصريا مع النقابات في إطار اللجنة التي وردت تشكيلتها في الاتفاق. وتحت هذه الدعوى ولأن الساحة-وهي كانت وسيلة الضغط المتاحة- قد أخليت أشرت النقابات على الاتفاق المذكور إلا الكونفدرالية الوطنية للشغيلة الموريتانية CNTM فقد احتفظت بتوقيعها حتى تصل المفاوضات إلى نتيجة ملموسة.

وفي تطور لافت وخطير أكدت السلطات الإدارية مستوى التنسيق بينها والشخص المذكور عندما أصدر الوالي مقررا إداريا لتعيين اللجنة، وردت فيه فقرة مفصلة على مقاسه لا شراكه في المفاوضات والتي كانت قد ألتزمت في الاتفاق المذكور وأمام اللجنة الوزارية بحصرها على الأطر النقابية وبالفعل حضر أول اجتماع للجنة فانسحب عنها ممثلو النقابات. كما عقد المنسقون الجهويون لهذه النقابات مؤتمرا صحفيا أدانوا فيه سلوك الإدارة وإخلالها بالتزاماتها وأصدروا بيانا طالبوا فيه السلطات برد الملف إلى إطاره الصحيح والبعد به عن أجواء المزايدة والمتاجرة بحقوق فئة من أضعف شرائح المجتمع وأكثرها عرضة للظلم.


آفاق الحلول الممكنة

إن أطراف الأزمة مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحلي بالمسئولية التامة حيال ملف شائك ومعقد والابتعاد به عن الحلول الترقيعية أو أنصاف الحلول ،ومعالجته في إطاره الصحيح وفق مقاربة تشاركية واسعة..... وأعني هنا بالأطراف: الدولة،ممثلة بالسلطات الإدارية والمصالح المختصة،اسنيم، الشركات المقاولة و النقابات.

فالدولة مسئولة عن تطبيق القوانين والتي لو كانت مطبقة سلفا لما حدث أي مشكل. واسنيم لكونها طرفا في عقد فاسد ومع شريك يخرق القوانين،والشركات المقاولة مسئولة عن احترام القوانين والنهوض إلى مستوى الشركات الخدمية وعدم الاكتفاء بتأجير اليد العاملة لأن ذالك خرق سافر للقوانين ونوع من استغلال الإنسان واسترقاقه أما النقابات فهي مسئولة عن الدفاع عن حقوق العمال بشكل مهني ومحترف بعيدا عن المزايدة والانتهازية .فمن ناحية لا يتوقع من اسنيم أن تستوعب 4000 عامل ـ وهو حجم العمالة المؤقتة ـ دفعة واحدة ولا يراد للمقاولة من الباطن أن تنمحي من الوجود فحاجة الشركة إليها في بعض المجالات مبررة وفي الأساس لسنا ضد رجل أعمال موريتاني يستثمر أمواله في مجالات خدمية مستحدثا فرصا للعمل ويدر على خزينة الدولة أموالا في شكل ضرائب وغيرها ثم يحقق لنفسه بعد ذالك ربوحات ترضيه. فما السبيل للجمع بين صيانة حقوق العمال ومصالح شركة أسنيم ومقاوليها من الباطن؟

إن ذالك، في نظري،يتحقق من خلال الأمور التالية:

1- اكتتاب اسنيم بشكل مباشر لكل العمال المؤقتين الذين يشغلون وظائف إستراتيجية متعلقة بالإنتاج وهو ما يقدر بنصف هذه العمالة مع صيانة حقوقهم من أقدميه و غيرها فإما أن تحاسبهم الشركات التي ينفصلون عنها أو تتنزل اسنيم منزلتها في مراعاة هذه الحقوق.

2- الإبقاء على الآخرين في إطار المقاولة من الباطن لكن في ظل احترام القوانين وصيانة حقوق العمال ويمكن تصور ذالك وفق المنهجية التالية :

ـ إحالة كل الأعمال غير المتعلقة بشكل مباشر بالإنتاج وذات الكلفة العالية كصيانة المنازل والطرق والحراسة وتنظيف المنشآت إلى التعاقد من الباطن.

ـ إجراء مناقصات مفتوحة لهذه الخدمات والتركيز في دفتر التكاليف، على الاشتراطات الضرورية لحماية حقوق العمال وأن تكون العطاءات متضمنة دراسات مفصلة عن كل الأعباء من آليات ووسائل إنتاج ونقل للعمال وعمالة بشتى مستوياتها من فنيين وإداريين ومسيرين ماليين ومشرفين على العمال وتكاليف رعايتهم الصحية وتكوينهم المستمر وسكنهم وتسجيلهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي إلى آخر ذلك من الحقوق المنصوص عليها في القوانين وبعد ذلك هامش الربح المتوخى من طرف المقاولين.

3 ـ فرض الدولة لاحترام القوانين من طرف الشركات المقاولة التي تكسب المناقصات وإبطال اسنيم للعقود معها تحت طائلة الإخلال بحقوق العمال.
وفي الأخير علي القول بأنه لا بد من مراجعة بعض النصوص القانونية ذات الصلة لتضمينها مزيدا من الاشتراطات لضمان حقوق العمال في إطار المقاولة من الباطن.


أحمدفال بن الشيباني
الأمين الفدرالي لنقابة المعادن والأشغال العامة
المنضوية تحت الكونفدرالية الوطنية للشغيلة الموريتانية


نقلا عن الأخبار