مشاهدة النسخة كاملة : إلى السيد رئيس الفقراء (صداف ولد سييدي)


أبو فاطمة
05-05-2011, 06:08 PM
إلى السيد رئيس الفقراء (صداف ولد سييدي.)

كشفت الاحتجاجات الشبابية الأخيرة في موريتانيا، وما قوبلت به من قمع ووحشية من طرف الأجهزة الأمنية، عن الوجه الحقيقي للنظام الموريتاني الذي يبدو أنه يعاني
قصورا كبيرا في فهم واستيعاب المرحلة التاريخية التي تمر بها الشعوب العربية والإسلامية، وما تعنيه من تحول عميق وجذري في البنية السياسية والاجتماعية للمجتمع العربي.
نظام ولد عبد العزيز "العسكري" يسبح ضد التيار ،ويسير عكس حركة التاريخ، من خلال العقلية الأمنية المتخلفة ،ولغة العنف والقمع التي يواجه بها الشباب الأعزل الذي يطالب بالحرية والعدالة والتشغيل ومحاربة البطالة،وبوطن لا يتحكم فيه أصحاب الأحذية الخشنة، والنياشين المزيفة، والطابور الخامس من أشباه السياسيين والمثقفين.
لقد كان القمع الذي ووجه به شباب الخامس والعشرين من فبراير منذ اليوم الأول لتظاهراتهم السلمية،تعبيرا واضحا عن حالة التخبط والارتباك التي يعيشها النظام الموريتاني،وعن مدى العجز الواضح عن تقديم أي حلول للمشاكل والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،التي يرزح تحت وطأتها المجتمع الموريتاني، اللهم سوى الحلول الترقيعية التي لا تتماشى ومنطق الدولة، وتدبير الشأن العام، وصيرورة المجتمع، (تقسيم بعض الأسماك المنتنة في الأحياء الفقيرة، تدشين حنفية للماء إرضاء لشيخ قبيلة، تعبيد طريق لا يتجاوز العشر أمتار، تخطيط عشوائي وارتجالي لبعض أحياء الصفيح....) ومع ذلك كلام كبير وخطب ومواعظ عن محاربة الفساد وتنظيم القاعدة،وتحقيق العدالة الاجتماعية وإشراك الشباب..وغير تلك الاسطوانة المشروخة التي دأبت أبواق النظام الصدئة على ترديدها على مسامعنا صباح مساء.
الصورة في موريتانيا يا رئيس "الفقراء" لم تكن بتلك الرومانسية التي يرسمها خطابكم الرسمي ووسائل الإعلام "العمومي" التي عادت هي الأخرى إلى لغة الخشب ومصطلحات ما قبل عصر"الفيسبوك" مثل (استقبل الرئيس: وودع ،وعاد وأشرف،وحققت بلانا..) بل الصورة أدهى من ذلك وأمر، وهي التي دفعت بشباب الخامس والعشرين من فبراير إلى النزول إلى الشارع تعبيرا عن رفضهم القاطع للأساليب المتخلفة التي تدار بها شؤون البلاد والعباد، وما وصلت إليه أحوالهم من فقر وبطالة أو"تبطيل" إن جاز التعبير، واستشراء فساد ومحسوبية وارتجالية..
سيدي الرئيس إن خروج أولئك المساكين من الشباب وهم على يقين أنهم لن يستقبلوا من طرف "أمنكم" بالورود ولا بالزهور، وإنما بمسيلات الدموع وخراطيم المياه..لم يكن ناتجا عن فراغ وإن كان أغلبهم يعاني بطالة مزمنة،وليس وليد التأثر بمايجري من ثورات واحتجاجات في العالم العربي كما يحلوا لبعض "كهنة" نظامكم و"فقهائه" أن يروجوا دائما ،وإنما كان جهادا في سبيل الكرامة والحرية والتشغيل ودحر الفقر،وابتغاء مرضاة شعب فقير كسير ذليل عبثت به مافيا الفساد ومصاصي الدماء المتحالفين مع العسكر وحاشيته وسلطته التي لا تبقي ولا تذر، كان خروجهم ذاك نتيجة حتمية لسياسات رعناء اقتصادية واجتماعية ومناخ سياسي جاف يسود فيه منطق الإقصاء والاستعلاء والأحادية، والهيمنة والظلم، وتدار فيه أمور الدولة والمجتمع على طريقة "الثكنات العسكرية" وتصدير الأوامر وتنفيذها من دون وجود أي حق لأي شخص كان في الاعتراض عليها أومناقشتها.
لقد وعدنا نحن وآباؤنا وأمهاتنا ..من طرف نظامكم بتحويل موريتانيا إلى فردوس أعلى،فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب مواطن..وسمعنا حديثك في الحملة الانتخابية،وحديث رسلك ..لقد قالوا لنا إنها "موريتانيا الجديدة"،وقيل للشعب يومها إن لكم أن تتعلموا فلا تجهلوا أبدا، وإن لكم أن تشبعوا فلا تجوعوا أبدا، وإن لكم أن تسكنوا فلا تتشردوا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا، وإن لكم أن تتزوجوا فلا تتطلقوا أبدا وإن لكم .....وإن لكم ...وإن لكم ...، ومع ذلك لم تكن تلك الوعود سوى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء..
لقد خرج شباب موريتانيا كما شيبها وأطفالها وكهولتها..ومن لم يخرج منهم لازال ينتظر ولسان حاله هل إلى خروج من سبيل؟خرجنا بعد أن ضاقت علينا الأرض بما رحبت وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا وكان ردك علينا نار البطالة والفتنة العرقية والبؤس وتكميم الأفواه مثواكم،خالدين فيها مادمت أنا رئيسا عليكم،خرجنا سيدي رئيس "الفقراء" بعد انتهاجكم مقاربة أمنية تسعون من خلالها إلى تكميم الأفواه وتغول أجهزة الاستخبارات في المجتمع،خرجنا نريد أن تبقى ساحة جامعتنا اليتيمة منبرا للحرية والتنافس الفكري والإيديولوجي والتدافع الثقافي بالمجادلة بالتي هي أحسن، بعيدا عن "الأمننة" وفرض إرادة طلاب الحزب الحاكم على الجماهير الطلابية بقوة السلاح حتى وإن لفظتهم الساحة الجامعية وأخرجتهم من اللعبة،خرجنا لرفض"البلطجية" في ساحة الجامعة وأساليب المخابرات القذرة المكشوفة التي تسعى من ورائها إلى دق أسافين الكراهية وإذكاء النعرات الطائفية والعرقية بين أبناء الشعب الواحد والرقص على جراحنا ومآسينا،كل ذلك من أجل إسكات صوت الطلاب وتشويه عملهم الهادف لإسترجاع حقوقهم المسلوبة.
سيدي الرئيس يتحدثون اليوم عن إنشاء حزب للشباب وعن مبادرات هنا وهناك لقوى شبابية قيل أنها تحظى بدعمك ورعايتك، ونحن نتساءل يا"رئيس الفقراء" عن المكانة الاجتماعية والاقتصادية لشبابكم وفتيانكم ؟وعن سخاء القدر الذي منحهم رعايتك والوقوف إلى جانبهم؟ في الوقت الذي يزج بشباب "الفقراء" خلف القضبان،ويركلون ويجرون من قبل رجال الأمن "البواسل" على مرآى ومسمع منكم إن لم تكن بتوجيهاتكم السامية وتحت قيادتكم النيرة، لا لذنب اقترفوه سوى أنهم احتجوا سلميا على الأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية، مطالبين بحقهم في التشغيل والسكن والعيش الكريم والزواج..حتى وإن رفع البعض منهم شعار إسقاط النظام.
يريدون فقط حقوقهم المشروعة والتي تعهدتم بها لهم،ومع ذلك اخترتم أن تعاملوهم بهذه القسوة والإرهاب والوحشية من قبل أجهزة امن لا ترقب في مواطن إلا ولا ذمة.
سيدي الرئيس هناك فرق كبير بين "شباب العصر" وحزبه المدلل وعطوره الفرنسية التي تزكم الأنوف، وسياراته الفارهة وآخر صيحات الموضة من الأحذية والساعات والنظارات....هذا إن كان بالفعل من فئة الشباب، وبين شباب آخر يعيش حياة البؤس والبطالة والفقر والتهميش والإقصاء.. فرق كبير بين من ترعرع في أحضان السلطة والمال ونشئ في حليتها وهو في الخصام السياسي والنضالي غير مبين،وبين من عاش وترعرع في أحضان الفقر والجوع وبيوت الصفيح وتسكع في الخارج والدول الأجنبية طلبا للعلم ومع ذلك لم يسعفه تعليمه ولا مؤهلاته في الولوج إلى سوق العمل أحرى وظائف الدولة،وإنشاء الأحزاب السياسية ذات الخمس نجوم.
فرق كبير سيدي الرئيس لان هؤلاء التعساء المقهورين حينما تظاهروا سلميا جوبهوا بالقمع والتنكيل والسجون،ورموا في مؤخرة سيارات الشرطة كما ترمى الخراف لأنهم لايستحقون الحياة نتيجة مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية، وبين أولئك المدللين الذين تنشأ لهم الوظائف والوزارات وتبرم لهم الصفقات العمومية وترمى أحزاب الأغلبية من اجلهم لأنهم "شباب العصر" ياسلام، أما أولئك التعساء فلا مكان لهم في "موريتانيا الجديدة" سوى خلف القضبان وتحت جنازير الدبابات والمصفحات..مع أن رئيس موريتانيا "رئيس للفقراء" إن لم تخني الذاكرة..
علينا أن نناضل ياشباب الفقراء والمحرومين بل وياشباب موريتانيا جميعا..حتى يندحر الظلم والقهر وتشرق شمس الحرية والمساواة في ربوع وطننا الحبيب ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

نقلا عن الأخبار