مشاهدة النسخة كاملة : عن أي أسامة أكتب؟ (احمد مصطفي )


أبو فاطمة
05-05-2011, 02:50 PM
عن أي أسامة أكتب؟ (احمد مصطفي)

هل أكتب عن الفتى اليمني السعودي الذي خرج ذات صباح من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله حتى أدركه الموت في باكستان وقد وقع أجره على رب غفور رحيم؟
أم أكتب عن فارس مجاهد أمتهن الجهاد الأكبر والأصغر، وانضوى تحت لوائه حتى النهاية إن كانت هناك حدود فاصلة بين البداية والنهاية؟
أم أكتب عن الرجل الذي ردم بعرقه وصبره وجلده ودمه ورؤاه المثابة الفاصلة بين الفكر والممارسة... بين القول والعمل... بين الخنوع والجهاد؟ أم أكتب عن الشيخ النحيف الذي تمنطق بإيمانه وبندقيته وتسامى فوق كل العرقيات والقوميات، وطفق ينير دروب الجهاد؟ أم أتحدث عن الناسك الزاهد الذي لم تغره الدولارات والحياة المخملية... الرجل الذي ولد وفي فمه ملعقة ذهبية فلفظها وامتشق سيف جهاد بتار؟ أم أكتب عن الرجل الذي أثار اختفاؤه تساؤلات ستظل عالقة؟ هل مات الشيخ بصورة طبيعية ووظفت المخابرات الباكستانية سر وفاته لتستفيد من الفدية الممنوحة وتثبت ولاءها للأمريكيين؟ هل تلقفت أمريكا موضوع الوفاة من قبيل فحص الجثة وتأكيد الوفاة وتحويل الموضوع إلى نصر طال انتظاره؟ أم أتحدث عن فارس يرفض الترجل، فقد شغل الناس حيا وسيشغلهم رحيله الغامض لفترة طويلة؟
على أية حال لا أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أكتب لذلك سأترك هذه الخواطر تأخذ مجراها بعفوية فليعتبرها القراء الكرام كتابة غير مصنفة في تأبين رجل فوق التصنيف.
حزن وسعادة
تلقيت نبأ استشهاد الشيخ أسامة بن لادن بالكثير من الحزن وبفائق السعادة.. الكثير من الحزن لفقد شيخ قد لا نتفق مع طروحاته ورؤاه، ولكنه غصبا عني وعن غيري تحول إلى رمز، وإلى نجم من نجوم هذا القرن الغريب... وتلقيتها بفائق السعادة لأن الشيخ الرمز لم يعتقل، ولم تدنس روحه الطاهرة.
لقد قاتل بثبات حتى الشهادة، فحقق مبتغاه، وقدم إلى ما قدم، ولم يذل ولم يقهر وأطلق ديناميكية لن تتوقف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها.
ويخطئ من يتصور أن اختفاء بن لادن هو النهاية، بل هو بكل تأكيد البداية، وقد يتوهم أصحاب الحسابات الانتخابية أنهم حققوا مكاسب آنية في أفق منظور، ولكن مجريات التاريخ في سياقها العام قد تثبت أن اختفاء بن لادن سيضفي هالة رمزية على مقارباته الجهادية، فهذا النوع من الرجال، وهذا النوع من الأفكار عصي على فرق الموت..
إلى متى سيتجاهلون الواقع الذي أنبت القاعدة وخلق بن لادن؟
في هذه اللحظات الحزينة لابد من وضع بعض النقاط على الحروف، فليفهم الأمريكيون ومن على شاكلتهم من الغربيين أن البطش والظلم ونهب الثروات والكيل بمكيالين الذي يمارس في حق العرب والمسلمين لن يؤدي إلا إلى تنامي القاعدة وغيرها من الحركات التي يسمونها بالإرهابية والتطرف، فالمشكلة ليست بن لادن بقدر ما هي الظلم الغربي الممنهج والمؤدلج للشعوب العربية والإسلامية، وما دام هذا الظلم قائما، ستكون هنالك ردود أفعال محسوبة أو غير مسحوبة من بن لادن أو من غيره.
إنهم في الغرب يتمادون في ارتكاب أخطاء تاريخية استيراتيجية مميتة إذا لم يعيدوا تقييم منطلقات أساسية من أهمها.
1- أنه لا أحد في العالم الإسلامي يسعى إلى تفجير صراع حضارات أو صراع ديانات، ولا أحد يستفيد من تنامي الكراهيات التي تزرعها الدعايات المغرضة هنا وهناك، فالمستفيد الوحيد هو الدعاية الصهيونية التي توظف سيطرتها على الإعلام والمال والعقول الغربية لخلق بؤر مواجهة يتسلل منها الصهاينة لتحقيق أهدافهم الشريرة على حساب الشرق والغرب ودون محاسبة أو عقاب، فلولا هذه العنجهية وهذا التجاهل، وهذا الظلم المتراكم لما كانت هنالك قاعدة، ولكان أسامة بن لادن تفرغ لأعماله التجارية، ومرابحاته المغرية.
2- إن معاداة الإسلام وشيطنة المسلمين وإلباسهم جبة معسكر الشرق وجرهم لملأ الفراغ الذي تركه انهيار المعسكر الشيوعي ممارسة بائسة هي الأخرى لا تخدم إلا الدعايات الضيقة فالإسلام خلاصة رسالات السماء لكل البشر وهو دين سماحة ومحبة ووسطية وتفاهم وتكامل بين كل الأمم، هكذا كان وهكذا هو وهكذا سيظل.
3- لكي تكون مواجهة التطرف موضوعية لابد من مواجهة "التطرفات"والتجاوزات العنصرية الفتاكة المتنامية في الغرب فمن غير المنطقي أن نضع التطرف في خندق العالم الإسلامي ونتجاهل التطرفات الماحقة التي تنموا بشكل لافت في العالم الغربي.
4- يظل التجاهل الغربي لمعاناة الشعب الفلسطيني واغتصاب أرضه وسلب حقوقه وإبادته الممنهجة من طرف إسرائيل منبع كل الشرور، ويظل التواطؤ الغربي مع إسرائيل عامل تأزيم لا يمكن القفز عليه، فالكيل الغربي بمكيالين وسع هوة التوتر، وخلق الظروف التي أنبتت القاعدة وأعطت أفكار بن لادن الجهادية كل هذا الزخم الجماهيري المتصاعد، فلماذا لا يخصص قسم من جهود مكافحة الإرهاب على المستوى الكوني لوقف إسرائيل عند حدها، وإنهاء غطرستها، وفتح آفاق سلام منصف أمام الفلسطينيين والعرب؟ إذا كنا فعلا جادين في مكافحة الإرهاب؟
أليست هذه هي الخطوة الأولى على طريق الألف ميل لمكافحة الإرهاب وتجفيف كل المنابع الحاضنة للتطرف؟
5- طفحت ممارسة الغرب للكيل بمكيالين وتعامل قادته ونخبه الفاعلة مع العرب والمسلمين بمعايير مزدوجة فأسامة بن لادن وعبد الله عزام كانوا من منظور الغرب "مجاهدين شرفاء" يوم كانوا يحاربون الروس، وحين خرج الروس وتكالبت جحافل الغزو الغربي، ثبت الشيخ أسامة على موقفه الجهادي فتحول بتحول مصالح الغرب إلى إرهابي مطلوب رأسه بأي ثمن.
6- متى يدرك الغربيون أن ضحايا 11 سبتمبر 2001 وضحايا دير ياسين، وضحايا صبرا وشاتيلا، وضحايا غزة، وضحايا بغداد والفلوجة، وطرابلس، وكابول وقندهار، وهيروشيما ونكزاكي، كلهم بشر، ومعظمهم مدنيون أبرياء؟ بإسم أي منطق إنساني حضاري تمارس الإنتقائية في اختيار من يتابع، ومن يظل طليق اليد رغم جرائم الإبادة الممنهجة المرتكبة هنا وهناك؟
يجب أن لا تذهب نشوة الظفر برأس بن لادن بعقول الغربيين بعيدا عن إكراهات الواقع المرير إذا كانوا جادين في معالجات الأمور من مسبباتها، وإذا كانوا حريصين معنا على خلق عالم آمن، فاغتيال بن لادن هو بمثابة جني طائش للثمرة مع تجاهل لشجرة الإختلالات التي أنبتتها، وتجاهل لدماء الظلم والإحباط التي روتها وجعلتها تنبت ثمارا متفجرة كالقاعدة وغيرها.
وقد تفتح دماء بن لادن أمامنا وأمام الغربيين أفقين لا ثالث لهما.
- الأفق الأول: هو أفق إجراء مراجعات مؤلمة يقوم بها الغرب وينفذ من خلالها إلى معالجة جادة للإختلالات المتراكمة في علاقاتنا السياسية والإجتماعية والإقتصادية وحتى الإنسانية، وهنالك فرصة تاريخية أنتجتها الثورات العربية الديمقراطية المدنية السلمية وما رافقها من تحولات لتزكية هذا الأفق وتنمية الخيارات المتعلقة به، فهل نغتنم نحن والغرب الفرصة التاريخية لتجاوز الإختلالات ودخول مرحلة جديدة، أكثر إنصافا للجميع؟
- الأفق الثاني: هو أفق المكابرة والإسترسال في دهاليز الدعاية الصهيونية المشيطنة للعرب والمسلمين والإستماتة الدونكيكشوتية في مصارعة طواحين الشر الوهمية التي تصورها الدعايات المغرضة، ويحمل هذا الأفق في ثناياه عمرا مديدا للقاعدة ومن على شاكلتها من المتطرفين الغربيين.
هل نستطيع كمسلمين وكغربيين بعلاقاتنا المتراكمة وبمصالحنا المتكاملة أن ندفع باتجاه الأفق الأول أفق المراجعات والتكامل والتفاعل والتفاهم؟ هل يكون اختفاء الشيخ أسامة بن لادن على خط التماس الإسلامي الغربي بداية لمرحلة حضارية نوعية جديدة تنتج مقاربات جديدة؟
كل الاحتمالات واردة وكل الخيارات مفتوحة والمؤكد أن شهادة الشيخ أسامة مهما كانت ظروفها وأسرارها لن تكون النهاية، بل ستكون بداية البدايات، فقد كان لها ما قبلها، وسيكون لها ما بعدها فأيام هذا العالم الموار حبلى بالمتغيرات.

نقلا عن صحيفة الخبر