مشاهدة النسخة كاملة : المنهج الإسلامي في التنمية (عبد الحميد الغزالي)


أبو فاطمة
04-30-2011, 09:32 AM
المنهج الإسلامي في التنمية (عبد الحميد الغزالي)

فشلت إستراتيجيات التنمية الوضعية في إحداث تنمية مستدامة في معظم التجارب الإنمائية في الدول المتخلفة، وكان السبب الجوهري وما زال يرجع -كما اكتشف المشتغلون بقضايا التنمية- إلى شبه غياب شرط نجاح هذه الإستراتيجيات.
والمتمثل في ضرورة توافر مناخ مناسب للإنسان؛ لكي يقوم بمسئولية عملية التنمية، وهذا يتطلب ضرورة تطهير الحياة الإقتصادية بقدر الإمكان من كافة أشكال الظلم، وبدون ذلك ستظل مشكلة التخلف قائمة، وتزداد حدةً خلال الزمن، مهما أوتي المجتمع من إمكانات مادية.
ومن هنا، جاء النظام الإقتصادي الإسلامي، الذي يعد التوجه الإنمائي سمة أساسية لصيقة بفكره وواقعه؛ أي كما هو مفهوم، وكما طُبق فعلاً في عهد الرعيل الأول؛ حيث حقق أعلى معدلات من الحياة الطيبة بمعايير عصرنا، ليقدم منهجًا للتنمية يعيد الأشياء في المجتمع الإنساني إلى طبيعتها، ويرد قضية التنمية إلى عمادها وهو الإنسان. فالإنسان وفقًا لهذا المنهج هو أهم وأسمى ما في هذا الوجود، فهو- بحق- الوسيلة الرئيسة لعملية التنمية، وهو في الوقت ذاته غايتها؛ لكي يستطيع أن يستمر في القيام بتبعة العبادة التي تشمل جميع أعمال الإنسان، وعلى رأسها إعمار الأرض وفقًا لشرع اللّه.
وعليه، تتصف عملية التنمية وفقًا لهذا المنهج بالاستمرارية أو الاستدامة المستمدة من استمرارية الإنسان في عبادة الخالق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162)، وفي ذلك يقول الأصوليون: إن البناء على المقاصد الأصلية يصيّر تصرفات المكلف كلها عبادات؛ سواء كانت من قبيل العبادات أو العادات.
ولكنْ: أيُّ إنسانٍ يقصده المنهج الإسلامي؟
الإنسان المقصود هو الإنسان العادي بقوته وضعفه كما خلقه اللّه، وليس الإنسان الذي يتخيله الذهن الوضعي كمخلوق من مخلوقات الإقتصاد نظريًّا؛ أي الرجل الإقتصادي، أو من مخلوقات المادة أيديولوجيًّا.. فهو الإنسان الواقعي، الذي تربى على الأخلاق والقيم الإسلامية؛ أي الإنسان الأخلاقي..
ولكن: كيف يتعامل هذا الإنسان مع المادة لإعمار الأرض؟
وللإجابة على هذا السؤال، وضع المنهج شرطين أو مطلبين، بدون تحقيقهما لا يمكن أن يتحقق المشروع الإنساني الممكن في الإعمار؛ هذان الشرطان هما: أن يكون الإنسان حرًّا، وأن لا يكون مستغلاًّ؛ أي شَرْطَا الحرية والعدالة.
ولتحقيق مطلب الحرية، كان مدخل المنهج فطريًّا هو المدخل العقدي، وهو التوحيد: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 1 – 4).
ومقتضى التوحيد العبادة، وهي بدورها غاية خلق اللّه- سبحانه وتعالي- للجن والإنس، وتوحيد الألوهية هو توحيد اللّه تعالى بأفعاله، ومن ثم التلقي منه- سبحانه- الشرائع المحددة للقيم، والموجهة للمعيشة، والمنظمة لحركة الحياة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5).
فبالتوحيد تخلص العبادة للّه وحده، وهذا هو أشرف تكريم وأكمل تحرير للإنسان؛ لأنه إخراج له من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده.
ولكي تكون الحرية حقيقة على أرض الواقع؛ تتعمق في وجدان الإنسان، وتتجسد في سلوكه.. ولكي يتحقق إعمار الإنسان كشرط مسبق لإعمار الأرض، وتأسيسًا على التوحيد، فقد خص الخالق- تبارك وتعالى- لذاته العلية همَّين يشغلان مخلوقاته البشرية، وهما: الرزق والعمر، لم يتركهما- سبحانه- لأحد من مخلوقاته، وإلا تحكم في بطون ورقاب البشر، ومن ثم استعبدهم.. وتصبح الحرية شعارًا وليس واقعًا يمارَس، فأطعم- سبحانه- الإنسانَ من جوع، وآمنه من خوف، ضامنًا رزقه ومحددًا أجله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ* فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ (الذاريات: 22، 23)، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 125).
واتساقًا مع مقتضى العبادة، وتحقيقًا لإعمار الأرض، ارتبط الأمن المادي والأمان النفسي بضرورة الضرب في الأرض؛ سعيًا في طلب الرزق المقدر، وقد عادله الخالق تبارك وتعالى ورسوله- صلى اللّه عليه وسلم- بالجهاد في سبيله، والنصوص في هذا الباب كثيرة في الكتاب والسنة.
ويتأسس مطلب العدل على حقيقة إيمانية مؤداها: أن المال مال اللّه، ونحن مستخلفون فيه، وتعني تبعة الاستخلاف التمكين من المال تمكين انتفاع، والعمل الصالح على تثميره خلال الزمن حتى قيام الساعة، وأداء حقوقه لمالكه الأصلي وللمجتمع في صورة الصدقات المفروضة والصدقات التطوعية والكفارات وغيرها من النفقات؛ تحقيقًا لعدالة التصرف فيه، وإقامةً للتكافل الاجتماعي، وضمانًا لأكفأ استخدام ممكن له خلال الزمن.
ويؤكد المنهج أن الطريق العادل لنماء المال هو طريق الاشتراك الفعلي في النشاط الاقتصادي، فلا يوجد كسب طيب بدون عرق وجهد ومخاطرة، ومن ثم جاء الإسلام ونظامه الاقتصادي ومنهجه في التنمية حربًا حقيقية ومستمرة وناجحة على كل صور الظلم الاقتصادي- أي الاستغلال- من خلال: تحريم صريح وقاطع للربا والغرر، والاحتكار والاكتناز، والإسراف والتقتير، والتطفيف والبخس، والغش والتدليس، والرشوة والمحسوبية.. إلى آخر كل صور أكل أموال الناس بالباطل، وكل صور الممارسات الخاطئة في النشاط الاقتصادي إنتاجًا وتوزيعًا واستهلاكًا.
وبتحقيق شرطَيْ المناخ المناسب لقيام الإنسان بتبعة إعمار الأرض، وهما الحرية والعدل، كانت الخطوة التالية في المنهج الإسلامي هي حض الإنسان على أن يتعامل مع الأدبيات والتجارب الإنمائية وتقنيات التنمية بفكر منفتح تمامًا، على أساس أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الحكمة بشروطها الشرعية ضالة المؤمن، وذلك بما يتفق وظروف الاقتصاد والمجتمع، وبما يضمن التعامل الكفء والفاعل مع الأشياء، تحقيقًا لغاية إعمار الأرض وتقدم المجتمع، كفريضة تعبدية، يمثل الالتزام بها غاية التكليف.
ومن ثم، فبالشرك يكون ظلم الإنسان، وبالتالي التخلف.. وبالتوحيد تكون حرية الإنسان وعدالة النظام الذي يعيش في كنفه، وتتحقق التنمية الجادة والمستدامة.. فهل تعمل أمتنا بجد وإخلاص للخروج من تخلفها، بالعودة الصحيحة إلى هويتها، وبالتطبيق الصادق والشامل لمنهجها؟ أدعو اللّه تعالى أن يحقق ذلك، إنه سميع مجيب.

نقلا عن موقع السوق الموريتاني