مشاهدة النسخة كاملة : "شهادة" ولد عبدالعزيز! (محمد ولد ودُّو)


ابو نسيبة
04-25-2011, 01:07 AM
"شهادة" ولد عبدالعزيز! (محمد ولد ودُّو)

مرة أخرى يتحدث ولد عبدالعزيز عن ما قال إنه أحاديث الخلوة الخاصة بينه وبين أحمد ولد داداه في أيام "الصفاء" الخالية، متهجماً على الرجل وزاعماً أنه لم يطرح عليه يوماً سوى مطالب خاصة وشخصية جداً، مثل تقديمه في الترتيب البروتوكولي خلال اللقاءات الرسمية، وإشراك رجال الأعمال من أنصاره في الصفقات العمومية. وفي مقابل ذلك، أثنى ولد عبد العزيز على مسعود ولد بلخير قائلا إنه رجل وطني، وإنه لم يطرح عليه مرة واحدة إلا قضايا وطنية عامة.
لكن لماذا لم يقدم ولد عبد العزيز أدلة على "أقوالٍ" لم يحضرها طرف ثالث ولا شاهِدَ عليها؟ وهل يمكنه أن يكون شاهداً نزيهاً وناقلا أميناً ومحايداً في ذكر ما جرى خلال لقاءاته الخاصة بولد داداه؟ وهل الصورة التي أراد تقديمها عن زعيم المعارضة، كشخص انتفاعي ومتمصلح، تتسق مع التاريخ المهني للرجل ومواقفه السياسية، ومع ما يعرفه عنه الآخرون في مواقف وظروف مختلفة؟ وما الذي يجعل ولد داداه، وفي هذه المرحلة من العمر، يلجأ للإلحاح في مطالب ومصالح شخصية، كان يمكنه الحصول عليها في السابق، بيسر ودون أي كلفة معنوية؟ ثم، هل "شهادة" ولد عبد العزيز في هذا الخصوص مبرأة من المصلحة الشخصية وتأثيرات الحراك الداخلي عامة؟ وقبل ذلك وبعده؛ من أي منطلق -قانوني أو أخلاقي- يوزيع ولد عبدالعزيز "شهادات" الوطنية على البعض ويسحبها من البعض الآخر؟
لستُ هنا بصدد الإجابة على كل الأسئلة الآنفة، لكني سأحاول تفحص خلفياتها وسياقها المباشر. وقبل ذلك أُذكّر بأنه كان قد سبق لولد عبدالعزيز أن قدّم ذات مرة "شهادة" ادعى فيها أن ولد داداه هو من شجّعه على الإطاحة بولد الشيخ عبدالله، وأنه نصحه بقطع العلاقة مع إسرائيل ثم عاد ونصحه بالإبقاء عليها.. في إشارة غير موفّقة إلى أن أحمد هو أيضاً ذو فكر انقلابي وميول غدرية؛ إذ كان يحاول دفع الجنرال نحو فخ ما!
وبالطبع، فثمة بين "الشهادتين" رابط جلي وشديد الوضوح؛ ألا وهو الرغبة في النكاية والتشهير بالرجل والإساءة إلى تاريخه. لكن بينما جاءت "الشهادة" الأولى في سياق حملة انتخابية يتنافس فيها الرجلان، جاءت "الشهادة" الأخيرة في سياق يطبعه التأزم والانسداد الداخلي. فقد تقدم ولد عبد العزيز بشهادته الأولى في مهرجان انتخابي كان يعقده في نوذايبو، وهي أحد المعاقل التقليدية للمعارضة، وكان على الجنرال المرشح، وهو حديث عهد بـ"السياسة" حنيذاك، أن يستخدم كل ما بجعبته من نيران كي يسدد الضربة القاضية لرأس المعاضة، لاسيما أن جميع الدلائل حينها (استطلاعات الرأي، التقديرات الإعلامية، والتقارير الأمنية) كانت تشير إلى تفوق ولد داداه على ولد عبدالعزيز في نيات التصويت، رغم كل ما مارسه جنرال القصر الرمادي من استخدام للوسائل العمومية في التأثير على ذمم الناخبين. يومها أراد الضابط "السابق" الطعن في أمانة الزعيم السياسي المخضرم، وتقديمه بصورة الشخص "المخادع"، لكن أيضاً دون أن يقدم أي أدلة أو قرائن لإثبات ادعاءاته، رغم أن اللقاءات التي تحدث عنها جرت في الرئاسة، ذلك المكان الذي أصبح منذ عام 2005 مزرعة ولد عبد العزيز المحتشدة بأجهزة التصوير والتسجيل، الظاهرة والخفية، ومن ثم كان بإمكانه عرض تسجيل لنصائح ولد داداه "الكيدية" و"مطالبه الشخصية" من جنرال كان لازال يعد بـ"توزيع ما هو متوفر من العدالة"! لكنه لم يفعل، وبدلا من ذلك قدّم "شهادة" أقل ما يمكن قوله عنها إنها مجروحة وغير عادلة بجميع المعايير والاعتبارات.
أما "الشهادة" الثانية فأدلى بها ولد عبد العزيز يوم الاثنين الماضي أمام موالاته الذين اجتمعوا به وقلوبهم شتى. كانوا يتوسلون إليه ألا يتخلى عنهم إلى الحزب الشبابي الجديد الذي ينوي إنشاءه بعد أن داهمت حزبه الأول أمراض الشيخوخة المبكرة. أما هو فيأمل منهم إنقاذه من مآزقه الكثيرة، لكن دون أن يجد نفسه مضطراً اتجاههم لإبداء أدنى قدر من الاحترام أو الثقة.. وذلك وجه آخر لتناقضاته الكثيرة، ومنها التناقض بين مزاعمه حول ما دار بينه وبين ولد داداه في أحاديث الخلوة السابقة، وبين أحاديثه في الشهور الأولى بعد انقلابه الثاني (2008) حين أظهر الامتنان لأحمد ولمواقفه الوطنية التي "لا يمكن نسيانها". في ذلك الوقت كان ولد عبدالعزيز يضع كل قادة المعارضة في كفة وولد داداه في كفة أخرى ترْجحها، أما اليوم فيضع مسعود في كفة ترجح على الجميع! ومع أن وطنية مسعود ليست محل شك من أحد، وأن أول من يبصم عليها بلا تردد هو أحمد نفسه، فإن إصدار ولد عبدالعزيز "شهادة" بها، وفي الوقت الحالي تحديداً، يبعث على التساؤل عن دوافعه وأغراضه من وراء ذلك!
على كل حال نحن نتذكر استعدادات ولد عبد العزيز لمهرجانه الانتخابي الأَشْهر في عرفات، والذي وعدَ بأن يكون يوماً مشهوداً يكشف فيه بالوثائق ما زعم أنها "سرقات مسعود ولد بخلير واحتياله" على ميزانية الجمعية الوطنية. ويومها قامت أوساط ولد عبد العزيز الخاصة، رغبةً في إضفاء الإثارة على مهرجان أُريد له أن يكون بحجم كبير يبرر نتائج الانتخابات المقررة سلفاً، بتسريب إشارات إلى وسائل الإعلام مفادها أن الجنرال سيكشف أيضاً عن تسجيلات حول "صفقة شراء مسعود" في الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية لعام 2007 إلى جانب مرشح العقداء في حينه طيب الذكر سيدي ولد الشيخ عبدالله.
وإذا كان البعض قد تفاجؤوا بأن ولد عبدالعزيز أخلف وعده في المهرجان، ولم يظهر "وثائق الإدانة" ضد مسعود، فإن المراقبين للأحداث اللاحقة لم يتفاجؤوا بنتائج الانتخابات الرئاسية بصفة خاصة، والتي أُمليت على وزير الداخلية من وراء ظهر اللجنة الوطنية للانتخابات، فمنحت الفوز في الشوط الأول لولد عبد العزيز، ووضعت مسعود في الترتيب الثاني، ثم وضعت الوزير سفيراً دوناً عن غيره من سائر الذين عارضوا الجنرال ذات يوم! وبالطبع لم يكن أمام البعض إلا أن يعترفوا بالنتائج، لاسيما بعد أن اتضح للجميع أن ولد عبد العزيز هو "ابن الضرتين" أو بالأحرى مرشح الحليفين القذافي وساركوزي -قبل أن يختلفا أخيراً- ورجلهما السري سابقاً والعلني حالياً في "موريتانيا الجديدة".
أما "الشهادة" الأخيرة لولد عبد العزيز حول ولد داداه فجاءت في سياق يتضمن بعض المعطيات والخلفيات الهامة التي يتعين هنا إبرازها والتأكيد عليها:
ومنها أولا الحاجة لاختلاق جدل جانبي يلفت الأنظار بعيداً عن المشكلات العويصة التي يتخبط فيها النظام الحالي، والنتائج المخيبة لحروبه على الفساد والفقر والكزرة و"القاعدة"، والتي تُوجت كلها بالفشل الذريع لحربه الدبلوماسية الأخيرة حين همّ بالتشاغل عن إخفاقاته في الداخل بالبحث عن إنجازات خارجية في ساحل العاج وليبيا، فكانت النتيجة خسراناً وخيبة غير مسبوقتين.
ومنها ثانياً رغبة ولد عبدالعزيز في التغطية على خرق آخر من خروقاته الكثيرة للقانون والدستور، وأحدثها انهماكه منذ عدة أسابيع في تأسيس حزب سياسي بديل لحزبه الحالي الذي أنهكته الصراعات الداخلية بين جماعات المصالح ولوبيات الفساد، وقد اتضح للجميع اتصافه بكثير من خصائص الكتيبة العسكرية الخاضعة لتسلسل تنازلي يبدأ من أعلى، وافتقاره إلى كل مقومات الحزب السياسي الحديث، لاسيما ديمقراطية القرار النابع من القواعد التحتية.
أما الخلفية الثالثة لتلك "الشهادة" فتتمثل في سياسة ولد العزيز الرامية إلى تفتيت المجتمع السياسي وتمزيق قواه وإضعافها، كي يصبح الجنرال وحده مركز القوة المتفرد والأوحد. لذا فقد أراد بتلك المقارنة، غير البريئة طبعاً (وبالأحرى غير النزيهة وغير العادلة)، بين ولد داداه وولد بلخير، أن يُحدث شرخاً بين الرجلين في وقت يتمتن تحالفهما أكثر من أي وقت سابق.
وهناك عنصر رابع في هذا السياق المركب لـ"شهادة" ولد عبد العزيز، وخلاصته أن الجنرال يحتسب أنه قدّم إلى الآن ما يكفي من "رشوة" مادية لولد بلخير، بما في ذلك "سكوته عن تسيير ميزانية الجمعية الوطنية"، وبعض التسهيلات التي يعتبرها منّة شخصية.. وأنه بهذه الشهادة يقدم له "رشوة" معنوية كي يضمن تسريع عملية انتقاله من معكسر المعارضة، وعلى رأسها ولد داداه، إلى معكسر الجنرال وموالاته المأزومة والمنهكة.
وأخيراً ربما كانت الخلفية الأهم بين كل ذلك، وهذا خامس عنصر في سياق "الشهادة"، هي الرغبة في إنهاء رمزية ولد داداه وتحطيم رأس ماله المعنوي مرة واحدة. فأحمد لا يملك كتيبة عسكرية تقاتل وتنقلب، وليس لديه شركات وأسواق تمسك بتلابيب اقتصاد البلد وترهن أقوات الناس، ولا حسابات مالية ضخمة لشراء مافيا الحملات الانتخابية والبطاقات المغشوشة، وليس شريكاً للتجار والمستفيدين من الصفقات العمومية من ذوي النفوذ.. لذلك فقوّته الوحيدة إنما تكمن في استقامته الخلقية، ونزاهته المالية، وصدقه في القول، ووفائه بالوعد... ومن ثم ينبغي حرمانه من كل ذلك وتركه مكشوفاً أمام من يتترّس بقوة السلاح والمال، مضافة إليهما "قوة" الدعاية والديماغوجيا المنفلتة من كل عقال.
وهنا ربما يعتقد ولد عبد العزيز أنه بالتصفية المعنوية لأهم زعامة على المستوى الوطني، سيخلو له الجو كي يبيض وينقر ما شاء له ذلك. لكن بصرف النظر عن لاواقعية هذه الفكرة، وكونها تهدف إلى إفراغ الحياة السياسية من أي بعد أخلاقي أو رمزي، وأكثر من ذلك كونها ذات عواقب وخيمة على الجميع (إذا ما قُدّر لها أن تتحقق).. فهي تنم عن قِصر نظر يندر أن يتصف به رجال الدول.
وإذ تُذكَر الأشياءُ بأضدادها، لابد أن نذكر هنا لولد داداه أنه لم يقبل يوماً بشخصنة صراعه ضد الدكتاتورية والطغيان والفساد طيلة السنين السابقة، وقد قال مؤخراً إن خلافه مع ولد الطايع كان خلافاً سياسياً بحتاً، وأنه انتهى برحيل الرئيس الأسبق من سدة الحكم، لذلك لم يذكره بكلمة واحدة منذ 3 أغسطس 2005. لكن يبدو أن خليفته وضابط حرسه السابق لم يتصف بالحد اللازم مما ينبغي في مراعاة الرموز والمقامات وشروط الحوار العام، وتلك شهادة حقيقية يبصم عليها اليوم كثيرون بلا تردد!

نقلا عن الأخبار