مشاهدة النسخة كاملة : دولة الاحتلال وخسارة المحاور الإقليمية (أيمن دراغمة)


ابو نسيبة
04-23-2011, 03:31 AM
دولة الاحتلال وخسارة المحاور الإقليمية (أيمن دراغمة)

مع أن قيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين التاريخية كان مشروعاً مشتركاً صهيونياً غربياً، فإن اسرائيل لم تنفك منذ قامت عن العمل على تشكيل تحالفات دولية، تسعى من خلالها للاستقواء ضد العرب بشكل تحقق أهدافاً متعددة مع حلفائها وتحرم الخصم من ذلك، لتبقى على الوضع العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الدولي لصالح دولة الاحتلال على حساب العرب.
ولقد ركز قادة الاحتلال جهدهم على ضمان الدعم من الدول الكبرى ووجدوا ضالتهم، بل كان الكرم الأمريكي والغربي بشكل مبالغ فيه، فاسرائيل وبمجرد الإعلان عن دولتها وجدت تسابقاً أوروبياً وأمريكياً للاعتراف بكيانها الاستعماري الإحتلالي، ولاحقاً تمكن قادة الاحتلال من الإمساك بتلابيب صناعة القرار في مكونات النظام السياسي الأمريكي بدرجة ضمنت لهم تبنياً كاملاً لمطالبهم الأمنية والاقتصادية والسياسية، وشكلت العلاقة الثنائية مع أمريكا علاقة الأم بوليدها، ومع أن علاقات الدول مبنية على المصالح، فإن المصالح المشتركة والتي ما زالت قائمة كانت الحبل السري لكيميائية هذا التعاون الاستراتيجي.
وقد وجدت اسرائيل ومن خلال علاقتها بأمريكا الدولة الأقوى فرصة لنسج علاقات ومحاور ثنائية مع حلفاء أمريكا في العالم، وتطورت علاقاتها مع بعض الدول لتبرز بشكل واضح على حساب العلاقات بين الدول بالدول العربية، فكان التحاف مع "إيران"، ثم مع تركيا، ثم وعلى أثر كامب ديفيد مع مصر، ولهذه الدول الثلاث أهمية استراتيجية في الغلاف والفضاء المحيط، بحيث يتحقق من خلال ذلك أهدافاً متعددة، اقتصادية وأمنية وسياسية، بل الأهم من ذلك البعد الاستراتيجي من منظور دولة الاحتلال لهذه التحالفات، ولقد شكل هذا المثلث مرتكزاً هاماً وحيوياً أعطى أولوية وتفوق لسيطرة وتمكن اسرائيلي في قلب العالم العربي والإسلامي.
ولكن بدأت خسارة اسرائيل الأولى في سلم التحالفات عام 79، مع نجاح الثورة الإيرانية، وكانت هذه الخسارة كبيرة وفارقة ومفاجئة، لم يعوضها سوى التركيز على تقوية التحالفات الأخرى مع تركيا ومصر، وفعلاً أخذت العلاقات مع هذه الدول أبعاداً استراتيجية، ضمنت لفترة محددة انحيازاً من هذه الدول لصالح دولة الاحتلال، ولكن هذه الدول فيما بعد شهدت تغيرات في بنيتها السياسية ابتدأت في تركيا بوصول حزب العدالة والتنمية للحكم، وحدث تغير في توجهات تركيا نحو الشرق العربي والإسلامي، وبرز تفضيل في مصالحها انسجاماً مع البعد التاريخي والأخلاقي والفكري، وأرادت تركيا أن تعيد امجادها الإقليمية والدولية كدولة صانعة سياسات وتحالفات، ولكن تدهورت العلاقة مع تركيا على أثر الهجوم والاعتداء على قافلة المساعدات لغزة وما رافقه من اعتداء هيستيري اسرائيلي على سفينة مرمرة التركية، الحادث الذي قتل على أثره عدداً من المتضامنين الأتراك، وأدخل العلاقة الثنائية مرحلة حرجة.
وتوالت هذه الخسارات مع بداية الثورات العربية مطلع هذا العام وما أحدثته من تغيرات كان من أبرزها سقوط النظام المصري برئاسة حسني مبارك، وما شكلته من صدمة جديدة لتحالفات دولة الاحتلال، بل إن تغير الحكم في مصر يشكل التحدي الأكبر بأبعاده المختلفة.
وبسبب خسارة اسرائيل لهذه المحاور الهامة بدأت تظهر أصوات لمراجعة موضوعية لأسباب ذلك، والبحث عن البدائل، ونتيجة لهذا الشعور بالخوف برز إحساس بالقلق ظهر من خلال مؤتمر هرتسيليا، من خلال عناوين عدد من أوراق العمل التي ركزت على ضرورة أن تبدأ اسرائيل اهتمامها بتحالفات جديدة تعوضها عن خسائرها الآنفة، مثل الهند والصين لإسرائيل، زيادة على العلاقة مع اليونان ودول أوروبية مثل هنغاريا وأوكرانيا وغيرها.
وعليه فإن مراقبين للسياسة الإسرائيلية يلمسون توجسات استراتيجية داخل أروقة السياسة في إسرائيل حيال علاقاتها الخارجية وتأثير التغيرات المحيطة بغلافها على مستقبلها والبحث عن الحلول وبدائل كخطوات استباقية قبل قرب التسونامي من شواطئها وقد برز ذلك أيضاً في مؤتمر هرتسيليا الأخير، حيث قدمت أوراق عمل تحوي رؤى استراتيجية لأحداث توازن وديناميكية لضمان عدم فقدان مزيد من أوراق القوة، ركز بعضها على التسلح باللوبي اليهودي في أمريكا لضمان انحياز وتبني أكثر لسياسة خارجية أمريكية مطالب إسرائيل، والتركيز على قوة اسرائيل العسكرية، فهناك زيادة في مخصصات الدفاع في الموازنة الأخيرة، ومطالبة لأمريكا بأن تضخ مبلغ عشرين مليار دولار كمساعدات عسكرية، واقترح أيضاً الاهتمام بتكوين تحالفات جديدة وبناء محاور مع دول جديدة للتعويض عن الخسائر السابقة.
وزيادة على ذلك فإن عام 2010، يعتبرعام التراجع الدولي في ملف العلاقات الخارجية بدرجة لم يستطع وزير خارجية دولة الاحتلال "الغير مرحب به في كثير من دول العالم" إحداث اختراق يقلل من خلاله الخسائر المتتالية، مما اضطر وزير الخارجية ورئيس الوزراء ورئيس الدولة لزيادة نشاطهم الخارجي لتعويض هذا القصور، ومع ذلك الأزمة تتفاقم ومكانة دولة الاحتلال الدولية تتراجع على المستوى الإقليمي بشكل واضح وأيضاً على المستوى الدولي.
ونتيجة هذه الخسارات وظهور هذه الأفكار فإن عدداً من القادة الصهاينة يندفعون بجدية للتفكير بطرق بديلة وسياسات جديدة تأخذ بعين الاعتبار هذه التغيرات ولقد علت أصوات عدة من مفكرين وسياسيين وقادة جيش تدعوا إلى الانتباه لمستقبل دولة الاحتلال، والتفكير المبكر والجدي بإيجاد حل سلمي مع الفلسطينيين، والذي يتوقع أن نرى تركيزاً إعلامياً اسرائيلياً على هذه العناوين، لكن لا زالت هذه الأصوات ينقصها قادة تاريخيون يتبنونها.

نقلا عن المركز الفلسطيني