مشاهدة النسخة كاملة : تصدع العقد الاجتماعي (أحمــدو ولد عبد الدائم ولد انداه)


ابو نسيبة
04-23-2011, 02:49 AM
تصدع العقد الاجتماعي (أحمــدو ولد عبد الدائم ولد انداه)

كثيرة هي الموضوعات التى تستجد ـ يومياـ على الساحة الوطنية وتستحق الكتابة عنها لخطورتها بالنسبة لحاضر الوطن ومستقبله ... ولعل ما حدث يوم الأربعاء الماضي في جامعتنا الفريدة، في هذا الظرف الدقيق من أكثر الموضوعات إلحاحا... إذ الأمور تعظم بظرفيها المكاني و الزماني... راعني الحدث و استوقفني مليا، فكرت في تجاهله لكنه قض المضجع و ألح...
قدرت أن سيسيل حبر الكتاب والمثقفين من شتي الأطياف...فكان لي بعض ما قدرت ... غير أني ارتأيت مقاربة الموضوع رابطا بينه و تصدع و اختلال العقد الاجتماعي الموريتاني .
وللذكري تقوم فكرة العقد الاجتماعي علي نظرية افتراضية تتعلق بتفسير نشأة الدولة. مبناها أن الأفراد ـ كل الأفراد ـ إذ اقتنعوا بأهمية التعايش فى ظل سلطة آمرة ، توصلوا إلى اتفاق (عقد) بينهم وبين الحاكم ( بالمعني الواسع ) حدد حقوق الطرفين والتزاماتهم.
وهنا اختلفت نظريات العقد الاجتماعي بين من جعل الحاكم طاغية (نظرية توماس هوبز) و من وازن بين حقوق الطرفين في إطار ديمقراطي (جون لوك) ومن أعطى تفوقا ظاهرا لإرادة المحكومين على الحاكم (جان جاك روسو). ومن الطريف أن نجد مشتبهات بين هذا الرأي الأخير و ما يحدث في بلدنا ـ الآنـ فكل من لا يعجبه قرار للحاكم يتظاهر ضده وكثيرا ما يفلح فى تغييره،متخطيا كل الضوابط القانونية واجبة الاتباع ،وما أصحاب البورصات منا ببعيدين فقد ضغطوا فألجئوا رئيس الجمهورية إلي إلغاء نص قانوني دون مراعاة المسطرة اللازمة ... في سابقة خطيرة، هي الأولي من نوعها.
ومن العلاقة التعاقدية، تنبثق فكرة المواطنة التي تقوم علي تفعيل المركب الحضاري العام بتنوعه، وبغيابها يرتد كل عنصر من عناصر ذلك المركب إلي دائرة حركته الضيقة (القبيلة، الطائفة، العرق ) بحكم ما بالوطن من معوقات ممارسة المواطنة، مما يفضي إلي نفي كل طرف الطرف الآخر، أو يؤدي إلي تجاور دون أي تفاعل مشترك. فالمواطنة ـ علي النحو السالف ـ خيار ديمقراطي يشير إلي جوانب رئيسية أهمها :
ـ العلاقة القانونية (الجنسية )القائمة علي علاقة الفرد و الدولة، والتي بمقتضاها تمنح الجنسية وفق القوانين المنظمة لها.
ـ العلاقة السياسية : التي تحيل إلي مجموعة من الحقوق و الحريات و الواجبات للمواطنين وحدهم التمتع بها و الاستفادة من الخدمات التي تقدمها الدولة ، ثم إن مفهوم المواطنة يرتبط ارتباطا وشيجا بمدي مشاركة المواطن في الحياة العامة .
العلاقة المعنوية أو العاطفية التي ترتبط بحب الوطن و الولاء لمعطياته ورموزه.
وبتكامل هذه العناصر يتجسد المفهوم علي أرض الواقع مكرسا في واقع ملموس يصب في صالح الوطن و المواطن باعتبارهما طرفي فكرة المواطنة ،و بتضاؤل فكرة المواطنة و تلاشيها يسود منطق صدامي تتراجع أمامه السلطة المركزية التي اتفق عليها ، فتنحسر فكرة المواطنة بأبعادها السالفة ، أمام مد الفوضى و الارتباك و انعدام الأمن فتتلاشي منظومة الحقوق و الواجبات .
أقول قولى هذا لا بحكم أني أحد أعضاء الهيئة الجامعية ، المهتمة بالحقوق و الالتزامات، وإنما بصفتي موريتاني ساءته تداعيات الانتخابات الموريتانية ـ التي علي أساسها يبرم العقد الاجتماعي ـ وما يشوبها من عيوب خلقية كانت تمر أو تمرر بسلاسة، وكأن شعبنا غير قادر علي الاحتكام إلي صناديق الاقتراع . وما جري حين تجديد مناديب الطلاب بمجالس الكليات ومجلسي الجامعة ما هو إلا دليل بين علي ذلك، لكنه دليل تخطي الخطوط الحمر التي كان ينبغي أن تتوقف قبلها الأدلة ، محدثا شرخا لا في الوحدة الطلابية التي يتعين أن تكون موحدة و إنما هز بقاء دولتنا وصلابتها مما قد يفضي إلي انزلاق عرقي يطيل عمر الاستبداد ويضاعف ثمن التغيير. فكان الخطب جسيما، منذرا بخراب الحاضر ،مهددا المستقبل وسط مناخ من التوتر الحاد بلغ حد العنف فى عديد من كلياتنا كما أوضحت ذلك صور لا تخطئها العين ولقطات حية بالغة الدلالة. مما يلقي بعبء ثقيل علي كل أبناء هذا البلد و القائمين علي شأنه العام، سدا لباب التهييج والإثارة.
لا أريد أن أكيل الاتهامات جزافا إذ الأحداث في بداياتها ـ أملي وأدها في المهد ـ و لما يفتح، بعد، تحقيق مستقل ـ بشأنهاـ يحدد المسؤوليات و يميط النقاب عن تفاصيل ما جري ، غير أني مهووس بما حدث لمجتمعات أخرى نهجت النهج ، الذي يهيئنا له البعض ، فوجدوا أنفسهم فى مواجهة واستقطاب لم يحصدوا منهما إلا الخراب ، فضيعوا سنوات طويلة من عمر دولهم في الاحتراب الداخلي فيما خُربت مجتمعات أخرى تماما جراء هذا النهج، خاصة تلك المحاطة بخصوم تمنوا لها ذلك المصير وما نحن من المثال الأخير ببعيدين .
من هنا آن أوان الحديث عن الحلول الجذرية، وهو حديث بقدر ما يدخلنا مناطق شائكة للغاية، يتطلب منا لنجاعته وقتا طويلا الأمر الذي يعزز ضرورة البدء فى التحرك بأسرع ما يمكن،ولا شك أنه من الصعوبة بمكان التوصل بسرعة إلى وفاق وطني حول ماهية الحلول، ولكن طرح القضية ينبغى أن يكون نقطة البداية.
يعتد البعض بمفهومى الأغلبية والأقلية، و بئس المفهومين فى مجتمع يمثل ساحة للعيش المشترك، ويقوم فيه الدين لدى كل فعاليته بقدر كبير من التسامح وقبول الآخر، وليعلم الكافة أن الضعيف فى الداخل ـ رغم نسبية مفهوم الضعف وضبابيته ـ إن سدت أمامه السبل لديه بديل الاستقواء بالخارج، و الأمثلة علي ذلك أشهر من أن تشهر .
محدثكم من الذين يرون أن الشرخ الكبير الذي يهدد وحدتنا الوطنية ، مبناه الخلل البين في نظامنا التربوي الذي أسس لجيلين غير متسامعين يتعايشان علي أرض واحدة ، لهما نفس الحقوق وعليهما نفس الالتزامات ، تأسيسا علي فكرة العقد الاجتماعي وما يرتب من التزامات ، وقد رسخ القائمون علي العملية التربوية ذلك الشرخ ، وسقوه ، و مما راعني ما تناهي إلي علمي مؤخرا من أ ن بعض أبناء الوطن الواحد ، بلغوا حد سد أبواب أحد مدرجات الكليات علي أنفسهم مانعين غيرهم من الدخول عليهم ، في تصامم من إدارة جامعتنا التي كان عليها رفض مثل هذه المسلكيات ـ وستثاب علي ذلك في الدارين ـ إذ الأولي أن يكون أي نشاط طلابي مجالا لتقاطع الاختلافات العرقية و الطبقية يشتركُ فيه الكل علي حد سواء ولنعد ترتيب الطلاب بشكل عشوائى، فلا بد من كسر حاجز الجليد داخل جامعتنا الفريدة .ولئن كان هذا إجراء متأخر وغير كاف ، تقاومه عشرات الإجراءات المضادة فإن هذه المعركة بالتحديد تحتاج إلى اقتناع وصبر ومثابرة، فلا أظن أن أستاذا مخلصا يقبل أن يكون شاهدا على أجيال تعيش فى جزر متباعدة ملء جوانحها التعصب والفتنة مع أن ديننا واحد . ووطننا واحد تاريخنا مشترك ومستقبلنا واحد.
إنها دعوة عامة ـ الأولي أن يكون منشؤها جامعتنا الفريدة ـ تشي باستشعار تصدع عقدنا الاجتماعي و دعوة إلى أن نناقش قضايانا المصيرية فى هدوء وموضوعية تامين ، لا فى مناخ إثارة يكثر فيه الراغبون فى إشعال الحرائق. ولنحاول سويا أن نستعيد مناخا صحيا يمكننا من نقاش أهم مشكلاتنا وأكثرها حساسية ولعل في وضع حل جذري للمشكل التربوي أنجع وسيلة لتجاوز الصعاب.
الأفكار كثيرة يضيق بها المكان، ومسيرة الحلول الجذرية لا ريب طويلة وشاقة وشائكة، وبعض النفوس بل أكثرها مشحون، لكن الجميع يجب أن يؤمن بأنه لا عزة ولا منعة لأبناء وطن ممزق، لذا فوحدة الوطن وسلامته تستحقان منا أن نبادر الآن وليس غدا بكل ما يمكننا من خطوات من أجل حماية الوطن وإلا فإن التاريخ لن يغفر لنا ما فعلناه بوطننا الحبيب ذي التاريخ العظيم...
والله من وراء القصد و الهادي إلي سواء السبيل
الجمعة 19 جمادي الأولي 1432 لهجرة خير البرية

نقلا عن الأخبار