مشاهدة النسخة كاملة : لنستخلص الدرس من أحداث الجامعة (محمد دده)


ابو نسيبة
04-22-2011, 02:58 AM
لنستخلص الدرس من أحداث الجامعة (محمد دده)

ظاهرة صحية أن نعبر عن وجهة نظرنا بالطريقة التي نراها مناسبة لكن وفق القانون، وظاهرة صحية كذلك أن "نتعاون على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا فيه"، لكن ما ليس بظاهرة صحية هو أن لا ندرك أننا "ما دمنا غير معصومين، فإن آرائنا قد تكون خاطئة"، وأن الرؤية تختلف باختلاف "الموقف والموقع"؛ لذالك قال " عبد الرحمن الداخل" لوزيره "بدر" عندما سأله وهم بجوار أحد أنهار الأندلس الجميلة عن سبب ابتعاده عن مخالطة الرعية بعد أن دانت له البلاد: "أترى هذا النهر، إننا نراه من هنا على هيئة، لكن الذي يقف على الضفة الأخرى يراه على هيئة أخرى، فهل نقول أن رؤيتنا هي الحق، ورؤية غيرنا الباطل؟ أم نقول أن رؤية كل منا حق؟ " ففهم "بدر" مراد سيده وسكت.
ومنذ ذلك الحين تعلم أن المقاربة الشمولية التي تأخذ في الاعتبار، ليس فقط ما تراه هي، بل وما يراه الآخر، وإن كانت معه على خلاف، هي جوهر الحكم، وقوام السلطة، وإلا فما الفرق بين "أمير المؤمنين" و"أمير مكيافيلي". فالذي لا يقبل الآخر يشبه إلى حد كبير الذي يمرر إسفنجة على سبورة لينظفها من الطباشير، فإذا به يزيد اللوح ضبابية وتلوثا .
لا أعرف من قال "يقضي المأدلجون في العالم الثالث أيامهم النضالية الأولى في تعلم كيف يصارعون لإثبات فكرهم، وتقضي بعض الأيادي الخفية بقية أعمارهم في تعليمهم كيفية امتداح الكراهية، وفق منطق أنهم بحاجة لها كي يتغلبوا على خصومهم"، لكني أعرف أن الكراهية لا تضر إلا المتلبسين بها، اللذين يقتاتون بالعنصرية، ولا يجدون متعتهم إلا في إقصاء المخالف، وفي نهاية المطاف يجدون أنفسهم مدمرين على أرصفت العنف الملتحف بمسوح من التقوى الزائف، والوطنية المصطنعة، عارين من كل ما يمكن أن يوصف بالإنسانية، فلهؤلاء نقول "يداك أوكتا ،وفوك نفخ"... أما الذين لا يدركون أن اختلاف الآراء، لا يستدعي بالضرورة التخندق في جبهات توحي من خلال تضميناتها الاسمية بنمط مشوش من "الاستعداد الكامن للقتال"، فلهؤلاء نقول، إننا "قد لا نتفق في الرأي، لكننا نتوحد في المصير"، وأن "أسباب رد الفعل لا تغني أبدا عن التبصر في نتائجه" لأن هذا الأخير لابد أن يكون في المسائل المصيرية، عبارة عن مزيج من ضبط النفس والحكمة المؤسسة على العقل ،حتى لا نكون كالذي يقابل نبأ إفلاسه بقتل عائلته ثم الانتحار... فأن نصير أعداء بسبب اختلاف الرأي، وأن نعتبر رأينا هو "الصواب الذي لا يحتمل الخطأ"، فهذا كله يعني أن يصبح المجتمع "عاطلا عن الأمل"، وأن يضل سعينا ونحن نحسب أننا نحسن صنعا، تماما مثل "نيرون" الذي أحرق روما حبا لها، ورغبة في إعادة بنائها .
إن أكبر الصراعات هي تلك التي نخوضها ونحن ندافع عن "الرأي"، فتبرير الآراء، ومحاولة الانتصار لها بكل الوسائل تجعل من هذا الصراع "صراع ضمير". يخوضه البعض "والغاية عنده تبرر الوسيلة"، ويفسد الاختلاف فيه عنده للود قضايا، وهذا خطأ كبير، فنحن "لسنا أبناء اللحظة التي نعيش"، بل "أصحاب المستقبل الذي نصنع"، أما أخطر هذه الصراعات فهي تلك التي لا يستفيد أطرافها من أخطائهم وهذا خطأ أكبر؛ لذا فإنه لا "يفترض" بنا فحسب، بل "يجب" علينا، أن نتعلم كيف نستفيد من أخطائنا، وكيف "نستخلص الدرس الخلقي النافع من مصائبنا" حتى لا نلدغ من نفس الجحر أكثر من مرة.
قد لا تكون نظرية "بتهوفن" التي ضمنها مذكراته عن "استخلاص الدرس الخلقي النافع من الأخطاء، أو "المصائب" ـ كما سماها ـ وهو الوصف الأمثل لأحداث الجامعة مسألة مسلية، بقدر ما هي مضنية وصعبة، وذلك لما تمثله من الناحية الرمزية كأهم المراحل التاريخية في تطور المجتمعات، فالمجتمع الذي يصل هذه المرحلة يكون فعلا قد بدأ يخطوا نحو المستقبل، لما تتميز به هذه المرحلة عادة من ازدهار للفكر النقدي الموضوعي، الذي تحركه وتغذيه في الغالب الدوافع الوطنية الخالصة، والبعيدة عن الأنانية والتشبث بالمصالح الضيقة المستندة إلى اعتبارات لا تدخل في أولويات مسيرتنا المجتمعية الراهنة. غير أن هذه المرحلة أيضا رغم دلالتها الرمزية الهامة، قد تكون كذاك خطرة على مستقبل وتماسك المجتمع، لأن استخلاص الدروس قد لا يكون صائبا، بل قد يكون ارتجاليا. وهذا ما يجعل "ضبط النفس، والصبر، والتريث، والحزم، والحسم" هي متطلبات المرحلة، فالتحرك في اتجاه تمحيص وتصحيح الأخطاء لا يمكن أن يؤسس للإستقرا وتحقيق الوحدة المجتمعية، وأقول (المجتمعية) إلا إذا بني على أساس صلب ومتين .
من هنا ـ إذا ـ ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن التمحيص الدائم للآراء، والعودة إلى الحق عند الحاجة إلى ذلك ،بمنطق من ينتزعه حب التغيير البناء من براثن الصدام والعنصرية، ويدفع به نحو التفكير والحركة الدائبين سعيا وراء لحمة جميع مكونات المجتمع. هو "أعظم درس خلقي" يمكن أن نتعلمه من هذه الأزمة التي دقت مسمارا جديدا في نعش مستقبلنا. وأن الابتعاد عن ردات الفعل غير المحسوبة النتائج. و فهم التعدد على حقيقته كمصدر قوة وإغناء اجتماعيين، هما السبيل للاستفادة من هذا الدرس، وبناء دولة قوية ومجتمع متماسك. وبالتالي فإن "أعظم" صراع قد نخوضه حول الآراء، هو ذلك الذي نخوضه بقوة الأغلبية المستندة على الوسائل الديمقراطية في التعبير ـ الاقتراع ـ ودون الإساءة لأحد، ذلك الصراع الذي يناضل فيه الناس البسطاء كل من موقعه ـ بغض النظر عن عرقه أو أيديولوجيته ـ كي تكون العدالة سلوكا مجسدا للاستقرار، ويكون الانجاز قوة دافعة لتطوير المجتمع. واضعين بذلك "أساسا لموريتانيا ملتحمة ومتصالحة مع ذاتها، وقائمة على سواعد أبنائها بيضا وسودا"، فهؤلاء حقا هم اللذين لو كان لموريتانيا أن تنحني لأحد ،للاق بها أن تنحني لهم إكبارا لصنيعهم .

نقلا عن أقلام حرة