مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا على موعد مع "اثنين الغضب" (المختار السالم)


أبوسمية
04-21-2011, 09:58 PM
موريتانيا على موعد مع "اثنين الغضب" (المختار السالم)

يحل يوم الإثنين المقبل موعد “يوم الغضب الوطني” الذي أعلنت حركة “شباب 25 فبراير” تنظيمه على امتداد التراب الموريتاني للمطالبة بإصلاح النظام، وتعد التظاهرة المرتقبة امتحاناً للحركة الشبابية (المناوئة) على إثبات قدرتها على تحريك الشارع بعد شهرين من انطلاقة الحركة وتنظيمها عدة تظاهرات في العاصمة نواكشوط تعرضت خلالها للقمع الشديد .
الامتحان الأصعب أمام الحركة يتمثل في الزخم الذي ستتمكن من إظهاره في الشارع، وخاصة في المدن الداخلية التي بدأت تخرج من طوق عزلة النسيان بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدن المنطقة الشرقية من البلاد .
رغم أن استجابة الأوساط الشبابية الموريتانية لدعوات حركة “شباب 25 فبراير” جاءت في كل تظاهراتها الماضية (9 مظاهرات) دون التوقعات، فإن الحركة حققت “إنجازاً” كبيراً، ولو من الناحية الفنية، حيث أطلقت شرارة المظالم الاجتماعية والنقابية لتتحول بوابة القصر الرئاسي بنواكشوط ومباني الحكومة وساحات وشوارع العاصمة والمدن الداخلية إلى ميادين مفتوحة يومياً للاعتصامات والاحتجاجات من طرف الفئات الاجتماعية والنقابية، المحتجة على تردي الأوضاع التي تعاني منها، ولن يكون آخرها إضراب الأطباء الذي يشل المرافق الصحية في البلاد للأسبوع الثاني على التوالي، ما خلق حركة مطلبية احتجاجية هي الأوسع في تاريخ البلاد، وهذه الحركة بدأت تضيقّ الخناق على النظام وتظهر عجز الحكومة عن مواجهة المشكلات المتراكمة .
كما تمكنت الحركة الشبابية المناوئة من كسب تعاطف بعض أحزاب الأغلبية الرئاسية فضلاً عن المنظمات النقابية والمدنية والحقوقية التي رفعت صوتها مطالبة النظام بالاستجابة للشباب بدل المقاربة القمعية التي قد تدفع الأمور للخروج عن السيطرة .
وفي الاتجاه ذاته، أسهمت الحركة الشبابية المناوئة في تعزيز الخطاب الإعلامي المعارض للنظام وتجديد دماء ذلك الخطاب، خاصة في مجاله “الإنترنيتي” الذي سمح للعشرات بإثقال “حبل الغسيل” بالبعد الجهوي والقبلي لرأس النظام، الذي يتوعد أصحاب التعليقات ب”إعدامه شنقاً بأمعائه” .
وهذا الوضع دفع النظام الموريتاني للتحرك على أكثر من صعيد . ففضلاً عن المحاولات الجارية لفتح الحوار مع أحزاب المعارضة والنقابات، وتغيير الخطاب من ملفات حقوقية واجتماعية، والمساعي المبذولة لتلبية بعض المطالب هنا وهناك، فقد أخذ النظام يعيد ترتيب حساباته فيما يتعلق بمعسكر الأغلبية .
وقد انطلق ذلك، حسب ما سربته مصادر مطلعة ل”الخليج” من مقترحات أعدتها جهات نافذة في النظام من بينها ضباط ومسؤولون، وتخلص هذه المقترحات إلى أن موريتانيا لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي في وقت تبادر فيه حكومات المنطقة إلى إجراء رزم من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما تستدعي المقترحات ضرورة الاستيعاب المبكر لدرس فشل الأحزاب الحاكمة في العالم العربي، وتقترح إنشاء حزب شبابي قادر على أداء مقنع في وجه الظروف الحالية التي تمر بها البلاد .
وخلال اللقاء الذي جمع مؤخراً بين الرئيس ولد عبد العزيز وبين بعض قادة المبادرات الشبابية الداعمة له، تعرضت أحزاب الأغلبية وبخاصة حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم، لنقد شديد باعتبارها لم تستطع تجاوز أطر العمل الحزبي التقليدي لتكون على مستوى المرحلة، وقد رد ولد عبد العزيز على المتدخلين قائلاً “لماذا لا تؤسسون إذاً حزباً خاصاً بكم”؟
وكان ذلك الجواب بمثابة إشارة الضوء الأخضر، التي فتحت الحركة على أكثر من اتجاه كما سنرى .
فقد أطلقت مبادرة “السبيل الآمن نحو المستقبل”، والمعروفة اختصاراً ب “فوالا” سلسلة نشاطات تنسيقية مع عدة فاعلين شبابيين وسياسيين، واتخذت مقراً في حي “تفرغ زينة” أرقى أحياء العاصمة نواكشوط، وبدأت تشكيل لجانها تمهيداً لما يعتقد أنه إنشاء حزب شبابي .
وهذه المبادرة عرفت بنشاطها بشكل لافت خلال حملة الانتخابات الرئاسية الماضية، ويرأسها القيادي الشاب عبدالرحمن ولد الددي (36 سنة)، وهو مدير بوزارة الشؤون الاقتصادية، ويتمتع بقدرات قيادية مميزة .
تحول مقر منظمة “السبيل الآمن نحو المستقبل” إلى خلية نحل لا تهدأ ليل نهار، والإقبال الشبابي اللافت الذي لاقته في أيام قليلة، أربك الساحة السياسية في البلاد، وخاصة ائتلاف أحزاب الأغلبية التي شعرت أن الرئيس ولد عبد العزيز ينفذ انقلاباً عليها من شأنه إفراغ هذه الأغلبية من آخر محتوياتها وإحالتها إلى التقاعد .
ولأن الموريتانيين بارعون في الانقلابات والانقلابات المضادة، فهم أبرع في تفسيرها .
فقد استنفرت أحزاب الأغلبية لتنفيذ انقلاب مضاد من أجل وأد مشروع الحزب الشبابي في المهد، وخلال تحركهم على أوساط مقربة من الدائرة الضيقة للنظام، روج بعض قادة الأغلبية “للفكرة القاتلة” والقائلة أن أحزاب المعارضة بعد أن فشلت في مشروعها الانقلابي المتمثل في حركة “شباب 25 فبراير” لجأت إلى الشباب الموالي لاستخدامه كحصان طروادة وتحطيم بيت الأغلبية من الداخل .
وقد تم على عجل الإعلان عن ترتيب اجتماع بين الرئيس محمد ولد عبد العزيز والمكتب التنفيذي لائتلاف أحزاب الأغلبية، وهو الاجتماع الذي يستهدف احتواء التذمر في صفوف الأغلبية التي تشعر أنها دفعت ضريبة الولاء، ثم عاملها النظام على مسافة متساوية مع المعارضة في الحرمان من الحصول على أي مكاسب اعتبارية أو مادية . ولهذا لم تجد هذه الأغلبية بداً من الإسراع إلى إفشال انقلاب الرئيس أو الشباب عليها في ما يبدو أن موسم الانقلابات “الحميدة” لا يزال في بدايته .
وانقلاب آخر
في هذه الأثناء يروج في أوساط مقربة من الرئيس ولد عبدالعزيز أن هذا الأخير بصدد اتخاذ إجراءات من شأنها أن تعصف بهرم الجهاز الحكومي والإداري للدولة .
وقد تكون هذه الاجراءات قد بدأت بالفعل مع الشروع في “تطهير” الرئاسة من طاقمها القديم بعد إقالة شياخ ولد أعل من إدارة ديوان الرئاسة، أحد أكثر المناصب حساسية في الدولة، وكذلك إحالة مسؤولين آخرين إلى التقاعد وإبعاد آخرين سفراء في دول خارجية .
إلا أن الاهتمام الأكبر منصب حالياً على مصير حكومة رئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغظف الذي يحتفظ بالرقم القياسي في البقاء برئاسة الوزراء (للسنة الرابعة على التوالي)، رغم فشل حكومته في استيعاب الحركة الاحتجاجية المتصاعدة في البلاد .
فعلى مدى السنتين الماضيتين واصل الرئيس محمد ولد عبد العزيز ترقيع حكومة ولد الأغظف حتى أصبحت تعرف في دوائر النخبة ب”الحكومة المرقعة” من دون أن تعطي تلك “الترقيعات” إلا المزيد من اهتراء الأداء الحكومي، والمزيد من دهشة الرأي العام إزاء إصرار الرئيس ولد عبد العزيز على التمسك بحكومة لا تلقى أي قبول .
وفي انتظار التعديلات المرتقبة في هرم المؤسسة التنفيذية، لا يعرف ما إذا كان ولد عبد العزيز بصدد مراعاة التوازن المطلوب حزبياً وقبلياً وشرائحياً وعرقياً في الهيكلة العامة للدولة مع تزايد حدة الاحتقان الاجتماعي الناجم عن شعور العديد من القبائل والشرائح بتهميشها على مستوى الحكومة، خاصة شريحة “العرب السمر” (الحراطين) التي تمثل ثقلاً ديمغرافياً كبيراً في البلاد .
على أن سؤالاً مهماً يبرز في هذه الظرفية وهو ما إذا كان ولد عبد العزيز قد توصل لقناعة بضرورة استمالة القبائل الكبيرة الغاضبة، والتقليل من نفوذ القبائل المتحكمة حالياً في الجهازين الإداري والعسكري في البلاد .
ذلك أن معطيات ميدانية توحي بأن الحراك الاحتجاجي الحالي ليس وليد مثابرة المعارضة، وإنما هو نتيجة حتمية لتذمر قبائل مهمة تجد نفسها عملياً خارج اهتمام المؤسسة الرئاسية، بل ويعتبر العديد من أبنائها أنهم يتعرضون لتصفية ممنهجة .
سنة صعبة
وأياً كانت استراتيجية الرئيس الموريتاني في مواجهة المصاعب التي تعترض نظامه في هذه الفترة، فإن جل المراقبين في نواكشوط يعتبرون أن ولد عبد العزيز أمام سنة صعبة على جميع المستويات ستكون حاسمة ولا شك في مسيرة الرجل الرئاسية .
ففي حين تجرأ الرجل وزجّ بالمؤسسة العسكرية والأمنية في حرب مفتوحة على “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وشبكات تهريب المخدرات، والهجرة السرية، محققاً بذلك “حلم” القوى الغربية، وبالغ في استعداء قوى قبلية واجتماعية وأيديولوجية معينة، اندلعت نار المطالب الاجتماعية الاحتجاجية مدفوعة بانتفاضات الشارع العربي، ما مكن المعارضة الموريتانية من رفع سقف مطالبها لمقايضة الاستقرار .
ولأن النظام لا يملك من الإمكانات المادية ما يحقق من خلاله مطالب الحركة الاجتماعية الاحتجاجية المتصاعدة، فإن “الملجأ شبه الوحيد” أمامه هو الدخول في حوار مع المعارضة والنقابات العمالية لتهدئة الأوضاع وكسب المزيد من الوقت .
وحتى هذا الطريق لن يكون مفروشاً بالورود، فالمعارضة الموريتانية لا تخفي أنها لم تعد تثق في وعود ولد عبد العزيز بعد تنكره لباقي بنود “اتفاق دكار”، وكذلك الوعود التي أعطيت في اللقاءات الثنائية بين الطرفين خلال السنتين الماضيتين، ويجمع أغلب قادتها على أن الوقت مناسب لمطالب “درجة أولى” من قبيل تقليص صلاحيات الرئيس، وإبعاد الجيش عن السياسة، وأيضاً “إلزام الرئيس بانتخابات مبكرة لا يترشح فيها”، على حد تعبير أحد زعماء المعارضة .
وإذا كانت المعارضة الموريتانية تعاني “مرض” فقدان الثقة في الرئيس، فالأغلبية لا تقل إصابتها خطورة بهذا الداء، خاصة بعد دخول أحزاب في الأغلبية هذا الأسبوع عملية تنسيق ومشاورات معلنة مع أحزاب المعارضة، الشيء الذي يكشف حجم إحباط قوى في الأغلبية الرئاسية بدأت تروج هي الأخرى لعرائض “مجحفة” وتعلن صراحة أن النظام الدستوري الحالي لا يلبي شروط الاستقرار ولا الديمقراطية . وفق تعبير يحيى ولد الوقف رئيس حزب “عادل” .
وتنطلق هذه الأحزاب من أن الرئيس يدير البلاد بشكل فردي حيث لا يستشير ائتلاف أحزاب الأغلبية التي هيأت، معنوياً على الأقل، لوصوله السلطة كما أن 35 حزباً من أصل 36 حزباً من ائتلاف الموالاة غير ممثلة في الحكومة وأجهزة الدولة .
وفي هذه الحالة، فإن المراقبين يرون أن الرئيس ولد عبد العزيز بات أمام تحالف قوى الأغلبية والمعارضة معاً ضد نظامه، حتى وإن لم يظهر هذا التحالف بشكل علني “فج”، فهو على أرض الواقع تحالف بدأ يخرّب “أساسات النظام” من تحت الأرض، إذ حين تعلن أحزاب موالية تضامنها مع الحراك الاجتماعي والشبابي وتنتقد غياب الحوار مع المعارضة، ثم تطالب بخطة إنقاذ للبلد، فالقراءة الأرجح لتصرف من هذا النوع هي أن “الإحباط” من النظام القائم بات السمة المشتركة للقوى السياسية في البلاد سواء كانت موالية أم معارضة .
ولن تقف متاعب ولد عبد العزيز هذه السنة عند هذا الحد، فهناك ملف الانتخابات البرلمانية والبلدية، ثاني أهم انتخابات في البلاد بعد الرئاسية، وهي الانتخابات التي بات من شبه المحتم تأجيلها بسبب عجز الإدارة عن الانتهاء من مشروع الحالة المدنية الجديدة في الوقت الذي كان محدداً، فيما لا يزال ضمان توافق سياسي على ملف تسيير الانتخابات معلقاً في انتظار الحوار المرتقب .
وإذا تأجلت الانتخابات التشريعية، بعد القرار الذي اتخذ مؤخراً بتأجيل انتخابات التجديد الجزئي ل”مجلس الشيوخ”، فإن العملية الديمقراطية برمتها في البلاد ستصاب بنكسة كبيرة، وتدخل في نفق قد لا تكون نهايته مضيئة بالضرورة.

نقلا عن دار الخليج