مشاهدة النسخة كاملة : أحداث الجامعة ...انبعاث الأزمات العرقية (محمد الأمين ولد سيدي مولود)


ابو نسيبة
04-21-2011, 02:51 PM
أحداث الجامعة ...انبعاث الأزمات العرقية (محمد الأمين ولد سيدي مولود)

كنت ممن سمحت لهم الفرصة يوم أمس بمتابعة وقائع الإنتخابات الطلابية عن قرب ، فقد قضيت جل ساعات النهار الأخيرة أتنقل بين مختلف الكليات وأراقب الوضع عن كثب وأسمع شكايات الطلاب ونقاشاتهم وطموحاتهم وأحلامهم ...
كما تابعت مسار العنف ونتائجه حتى بعد خروجه عن حرم الجامعة ليشمل مرافق عمومية وممتلكات خاصة بعيدة كل البعد عن صراع الطلاب.
لذلك أسجل جملة ملاحظات عامة توضح بعض ملابسات الحدث خاصة البعيدة أو العميقة إذ لا يهمني ـ هنا ـ الصراع الطلابي النقابي الصرف إن لم يتجاوز حيزه المنطقي حتى وإن تلبس مع الأسف بلبوس سياسي واضح وإيديولوجي جلي ، بل وفي الأخير تلبس بلبوس عرقي وعنصري مقيت.
الملاحظة الأولى: أن إدارة الجامعة مسؤولة مسؤولية كاملة عما حدث بل وعن صناعته وتجذيره ، فهي الإدارة التي خلقت ورعت بعض النقابات والإتحادات الطلابية، وعجزت عن تقليص طبيعة الصراع الإيديولوجي والحزبي بين أوساط الطلاب الجامعيين ،بل أذكت هذا الصراع. كما أنها عجزت أو قصرت في طمأنة الطلاب ـ حتى أولئك منهم الذين يعلمون علم اليقين بحقيقة حجمهم النقابي وعددهم الذي لا يخول لهم الحصول على تمثيل ـ أن غيابهم عن التمثيل لا يعني هضم حقوقهم ولا إقصائهم بالكامل.
إن رئاسة الجامعة التي تعلم مآلات الصراع والدرجة التي وصلها الشحن السياسي والإيديولوجي والعرقي والعنصري كان من المفترض أن تعيد النظر في أسس التمثيل ولو اقتضى الأمر اللجوء إلى نظام النسبية ليجد كل طرف من يمثله ولو تمثيلا ضئيلا.
إن بقاء رئاسة الجامعة منشغلة و"متشاغلة" باجتماعات جانبية وسحبها للحرس الجامعي من أمام المكاتب في وقت بدأت فيه ملامح العنف تتجلى ، وعدم استدعائها للشرطة التي ألفت وأدمنت اقتحام الجامعة خلال السنوات الماضية، كل ذلك لا يمكن أن يصدر عن نية طيبة وسذاجة بريئة.
الملاحظة الثانية: أن أداء الطلاب لم يكن على مستوى نخبويتهم المفترضة ، سواء تعلق الأمر بنوعية الخطابات التي تبنوها أثناء حملتهم الإنتخابية، أو على مستوى العلاقة البينية بين الإتحادات حيث كان الجفاء والتحامل والتصعيد وغيره من ملامح مخاض العنف والفوضى هو المهيمن مع الأسف.
كما أن عدم قدرة بعض الطلاب على استيعاب الحسم الإنتخابي إذا كان في غير صالحه يقدح في أهليته المفترضة لخوض غمار عمل نقابي سلمي. ثم إن عدم تهذيب الولاءات السياسية والإديولوجية والعرقية لدى بعض قيادات الطلاب لا ينسجم مع العمل النقابي الذي يقومون به مما يزيد الأمور تعقيدا ويوسع الفجوة بين الطلاب ويشيب عملهم إشابة بائنة.
أما الملاحظة الثالثة : فهي ان السلطات الموريتانية وخاصة الأمنية ـ يوم أمس واليوم ـ ظهرت بمظهر يمكن نعته بغير البريء ، فالتجربة التاريخية السياسية في موريتانيا تعلمنا أن الأنظمة لدينا (خاصة ذات الخلفية العسكرية والأمنية ) غالبا ما تركب موجة الصراعات العرقية والقبيلة ، وأحداث العنف والشغب لتحقق بها مآرب تكون في الأساس عبارة عن التغطية على أزمات سياسية واقتصادية جذرية، أو تصفية خصوم سياسيين. لذلك فمن الوارد أن تكون عناصر ، ولو من الطلاب ، موالية للنظام أو للأمن عملت على تأجيج الأزمة ، بل وربما يتم السماح للأزمة أن تتسع قليلا حتى تشغل الرأي العام عن غيرها من الأزمات السياسية والإقتصادية.
أما الملاحظة الرابعة: فتتعلق بالأقليات عموما في أي بلد حيث تعيش الأقليات سيكولوجيا حالة من التوتر والعقد يمكن شحنها بسهولة وخصوصا إذا كانت هذه الأقلية قد عانت أو تعاني من ظلم بين وجفاء واضح من الأغلبية ، وقد تزداد هذه العقد مع عدم مصداقية الأنظمة وضعف العدالة وغياب قضاء مستقل يُلجأ إليه حتى تجعل من ضحية الأمس معتد اليوم ، ويستفيد متطرفو الأقليات دائما من ما يمنحه لهم الرأي العام من تفهم في إطار وضعيتهم كأقلية تعرضت في الماضي للظلم الشديد والتنكيل وتتعرض في الحاضر للتقصير في دمجها في المجتمع وطمأنتها على حقوقها، وبذر الثقة من جديد بينها وبين الدولة والأغلبية.
وختاما
لا تزال أزمة الطلاب حتى اليوم ـ رغم خروجها حيز الجامعة والطلاب ـ ممكنة التدارك ، إن فهم النظام أن ركوب هذا النوع من الموج يؤدي إلى الغرق أكثر منه إلى النجاة، وفهمت أغلبية المجتمع أنها مقصرة في جعل الأقلية مطمئنة بل ومدمجة في المجتمع، وفهم الطلاب أنهم نخبة المجتمع وأن الجامعة منابر طلابية وأن للأحزاب مقراتها وللأديولوجيات تنظيماتها ومنابرها، وفهمت الأقلية أن المظلوم إذا تحول إلى ظالم لا يسترد حقوقه بقدر ما يجعل المتعاطفين معه ينفضون ، وقد يخسر معركة لا تزال عوامل القوة فيها في غير صالحه.

نقلا عن الأخبار