مشاهدة النسخة كاملة : كتاب نوازل حمى الله التيشيتي


ابو نسيبة
04-20-2011, 09:47 AM
كتاب نوازل حمى الله التيشيتي

صدر أخيراً عن دائرة القضاء في إمارة أبو ظبي كتاب نوازل حمى الله التيشيتي (1107-1169هـ) بتحقيق الدكتور محمد المختار ولد السعد.
ويتناول هذا الكتاب جانباً مهماً من التراث الفقهي الإسلامي له خصوصيته التاريخية والعلمية، بحكم أن فقه النوازل قد شكل قنطرة لمواءمة إكراهات واقع الاجتماع البشري مع نصوص الشريعة الإسلامية الغراء، ولاسيما في الغرب الإسلامي الذي تميزت مدرسته الفقهية باهتمامها الكبير بفقه النوازل الذي يعتبر من أهم موروثها الفقهي ومن أكثره طرافة ومَنْزَعاً اجتهادياً، مؤسساً معرفياً ومنتجاً منهجياً في التعامل مع الواقع المتجدد ومصالح العباد والبلاد المرسلة، وِفْقَ آليات المذهب المالكي وقواعده المرنة في تخريج واستنباط الأحكام من خلال القول بالمصالح المرسلة، وبتغير الأحكام بتغير الأزمان، والعمل بأخف الضررين، والأخذ بما جرى به العمل...
وفي موريتانيا الأمس، كان لهذا الدرب من النظر حضوره المبكر، لكن نطاقه قد اتسع أكثر منذ القرن 11هـ/17م حيث ظهرت أولى المجامع الإفتائية في وقت توسَّعت فيه الثقافة العالمة عمودياًّ وأفقياًّ في المنطقة وأعطت أكلها للراغبين في الأخذ منها بنصيب.
ونوازل حمى الله التيشيتي، التي نقدم اليوم للقراء، عبارة عن مدونة إفتائية لواحد من كبار الفقهاء الشناقطة ممن يعتبرون سلطة مرجعية في غرب الصحراء، ومن أوائل من حاولوا تكييف النص الشرعي مع واقع بلادهم المخصوص وإكراهاته السياسية والاجتماعية الآسرة. ويشتمل هذا المجمع الإفتائي على 255 فتوى عالجت مواضيع شتى في مجالات الاعتقاد، والتعبد، والمعاملات الاقتصادية، والممارسات الاجتماعية المختلفة.
وإذا صنفنا فتاوى هذا المجمع تصنيفاً إجرائيا وفق حقول كبرى ثلاثة: اقتصادية، واجتماعية، وثقافية فكرية، فإننا نجد تكافؤاً بين نسبة فتاوى الحياة الاقتصادية مع نسبة فتاوى الحياة الدينية والثقافية، وتفاوتاً نسبيا بينهما وبين فتاوى الحياة الاجتماعية؛ وهو ما يعبر عن مكانة تيشيت كمركز إشعاع ديني وثقافي ومحطة تجارة نشطة بين الشمال والجنوب حينها. فقد كان من الطبيعي أن تتصدر الإشكالات الاقتصادية اهتمام المستفتين في مدينة قامت أصلاً بوصفها محطة عبور لقوافل التجارة عبر الصحراء، ولعبت دورا محوريا في تنظيم العلاقات التجارية بين شمال الصحراء وجنوبها ولاسيما في الربط بين مملحة "الجل" في شمال غرب موريتانيا الحالية ومنحنى نهر النيجر، وبين هذا الأخير ومراكز التجارة الصحراوية في السوس الأقصى.
ويتأكد ذلك المنحى من المقارنة بين فتاوى المعاملات وفتاوى العبادات في هذا الحقل المخصوص حيث استحوذت المعاملات على 65 فتوى مقابل 23 للعبادات، وهو ما يناهز ثلاثة أضعاف (أي 73.86% مقابل 26.14%). وقد دارت فتاوى المعاملات بالأساس حول إشكلات بيع المضغوط، والبيع بالمكاييل المجهولة، وبيع الغرر، والشراء بما في الذمة، وأخذ الطعام عن ثمن الطعام، وشرب الطبغ وبيعه، وضرورة التقويم بالعروض في ظل غياب النقود، وطرق تسديد الديون والحجر على أصحابها، والإجارة والجعل، والربا بين المسلمين والكفار ومدى جواز التدليس عليهم في البيوع، ومعاملة مستغرقي الذمم، وطرق توزيع ما تُؤَمِّنُ به القوافل أموالها وسُبُلَهَا، والهبة وما يتولد عنها أحيانا من إشكالات...
أما فتاوى العبادات في هذا الحقل، فقد تركزت بالأساس حول ما تطرحه الزكاة من إشكالات، سواء تعلق الأمر بمصرفها، أو نقلها، وزكاة العروض، وزكاة من أحاط الدين بماله، أو بزكاة الحبس، وزكاة الفطر وما تخرج منه إذا تعذر الْمُعَشَّرُ، وغيرها...
ونالت القضايا التعبدية القسط الأوفر من فتاوى الحياة الدينية والثقافية حيث بلغ عدد الفتاوى المتعلقة بها 73 فتوى من أصل 87، وهو ما يمثل نسبة 83.91 %. وقد تصدرتها الاستشكالات المتعلقة بالطهارة ثم الصلاة فقضايا المعتقد، وهو أمر طبيعي بالنسبة لمجتمع مثل المجتمع التيشيتي المعروف بتشبثه بالمأمورات الشرعية وبثقافته الدينية العالية، وغلبة العنصر الزاوي على مكوناته الاجتماعية. أما الممارسات الثقافية فلم تحظ بأكثر من 14 فتوى، أي ما يمثل 16.09 % من مجموع فتاوى هذا الحقل.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تصدرت الممارسات الاجتماعية من قضاء وفصل خصام، وغصب واستحقاق، وجنايات.. الاستشكالات المعالجة في هذا الحقل إذ بلغت مجتمعة 52 فتوى، أي نسبة 64.20 %. وحُظيت الأنكحة ومتعلقاتها وحدها باهتمام ملحوظ إذ طرح بشأنها 29 استشكالاً يمثل نسبة 35.80 % من هذا الحقل. وهيمنت على هذا الصعيد الإشكالات المتعلقة بالطلاق (11 فتاوى) والخلع (5 فتاوى)، وتوزع الباقي بين نكاح السر(2)، وشروط الزواج (2)، والصداق، والنفقة، والاستبراء، والزنا، والزواج من بنات المغافرة ومن في معناهم، والعُزبة وغيرها (فتوى واحدة لكل منها). وهذا يعنى أن الحياة الأسرية في تيشيت وأحوازها كانت حينها أقلّ استقراراً وأكثر حركية من غيرها من مناحى الحياة الاجتماعية الأخرى.
ولم يأل المحقق جهدا في خدمة هذا النص وإخراجه إخراجا سليماً وفق أصول وضوابط التحقيق المنهجية المتعارف عليها اعتماداً على ست نسخ حصل عليها من مصادر مختلفة، وأكملها من مدونات أخرى، وبَيَّنَ ما بينها من فروق، وخرَّج الآيات والأحاديث، والشواهد الشعرية، وعَرَّف بالأعلام، وشرح المصطلحات وغريب المفردات، وأَصَّلَ ما حفلت به النوازلُ من نقول وعزوٍ غير يسيرٍ ورَدَّهُ إلى مصادره الأصلية إلا فيما ندر.

نقلا عن الأخبار