مشاهدة النسخة كاملة : ما أريكم إلا ما أرى.... (الشيخ التراد ولد محمدو)


ابو نسيبة
04-19-2011, 02:26 PM
ما أريكم إلا ما أرى.... (الشيخ التراد ولد محمدو)

في مقال سابق تحت عنوان متى يتوقف النزيف؟تحدثت فيه عن الأزمة الموريتانية وتفاعلاتها المختلفة، وحذرت من خطورة الوضعية وأن البلاد تمر بمنعطف خطير إن لم يتدارك عقلاء موريتانيا الوضع، ومنذ ذلك الوقت شاء القدر أن تظل موريتانيا رهينة المنطق الأحادي وتقاد بصفة فردية لا مكان فيها لغير المعتصمين بحبل الإقصاء الذي سلط علي رقاب الشرفاء من أبناء وطننا الجريح..
وكأن موريتانيا التي أوجدتها أيادي المرابطين والغيورين لم تعد قادرة اليوم علي إيجاد حفدة هؤلاء الغرباء ليقودوا البلاد إلي بر الأمان بعد عجز من ظن يوما أنه من تلك السلالة المجيدة، وهكذا كانت البلاد علي موعد مع مرحلة جديدة عنوانها السير نحو المجهول عبر سياسات دغدغة المشاعر واجتلاب العواطف.
هل أنجز الرئيس ما وعد؟
إن المتتبع للمشهد الموريتاني منذ تولي الرئيس الحالي الحكم يلاحظ أن البلاد في حالة نزيف داخلي وتخبط حياتي غاب فيه نهج الإصلاح الذي وعد الرئيس بانتهاجه، بل ظل سيف محاربة الفساد الانتقائي مسلطا علي رقاب المعارضين، وظلت رؤوس الفساد متحكمة في مفاصل الدولة ساعدها ذلك في إحياء نظام إقصائي ناضل الكثير لإسقاطه بعد أن كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتدهور الوضع السياسي والاقتصادي حتى أصبح الشعب يعيش تحت إسعاف متواصل لا يحصل عادة إلا في حالات الطوارئ عبر طوابير مهينة في دولة عزيز الموعودة، ما دفع بالنقابات إلي دق ناقوس الخطر معلنة عن ما يشبه عصيانا مدنيا علي نطاق واسع سبقت إليه مدن الشرق علي تفاوتها وهو ما أسماه البعض بالعصيان القادم من الشرق..
ورغم ما تعانيه البلاد من النهج الأحادي فقد أصم الرئيس أذنيه عن هدير الشعب فوجد الطريق سالكا لإصلاح ذات البين بين إخوته من الزعماء الأفارقة وهو بذلك يعطي نموذجا لسياسات التخبط التي تعيشها موريتانيا تحت حكمه، فمن غير المنطقي أن يذهب رئيس لإصلاح بيني خارجي في حين أن وضع بلاده الداخلي ينذر بكارثة حقيقية هذا إضافة إلي منطق الإقصاء وغياب التشاركية السياسية، ويرجع ذلك إلي عدم قدرة الرجل علي قبول الآخر كشريك أساسي في عملية الإصلاح الحقيقي، فلم يعبا الرجل بحجم الرفض وتزايده.
ويبدو أن شخصيته المزاجية غير قادرة علي بناء منهجية راشدة لعملية الإصلاح؛ حيث ظلت التعيينات تخضع لمعايير الولاء والبراء في الفقه السياسي لجمهورية عزيز الجديدة ومدينته الفاضلة فأقصيت من إدارة الدولة رجالات الإصلاح وتمكن من مفاصلها أباطرة الفساد في الأنظمة السابقة لتصبح بذلك وعود الإصلاح ومحاربة الفساد في مهب الريح.. وأكثر من ذلك فقد تواصل منطق الارتجال والإقصاء الذي تنتهجه الرئاسة الحالية لموريتانيا بقرار أحادي جديد تمثل في تأجيل انتخابات مجلس الشيوخ الذي كان بمثابة قرار استباقي لما قيل إنها انتكاسة قد يتعرض لها حزب الاتحاد من اجل الجمهورية بعد ظهور خلافات داخلية في الحزب.
ظاهر قرار الرئيس تلبية لمطلب منسقية المعارضة التي ظلت تلح في طلب التأجيل، بل هددت بالمقاطعة إلا أن القرار يعد عملية قيصرية كان حزب الحاكم بحاجة إليها لترتيب وضعه الداخلي المهتز، وهو ما شكل صدمة قوية وهزة ارتدادية لحزب تواصل الذي فاجأه القرار الأحادي واعتبره استمرارا لسياسة الارتجال والإقصاء التي ينتهجها الرئيس الحالي عنوانها "ما علمت لكم من اله غيري".
وعلى عكس ما توقعه البعض فقد ظل الرجل الحديدي كما يحلو لأنصاره أن يلقبوه يسير بالبلاد إلي طريق مسدود، فقد فتحت شخصية الرئيس الحالي المتغيرة والمتسرعة الباب واسعا أمام لاعبين جدد علي الساحة الوطنية بعد أن كانت موريتانيا خارج التجاذبات الدولية؛ حيث وجد هؤلاء في شخصية عزيز الرجل المناسب لتنفيذ مصالحهم.
موريتانيا بين طرفي نقيض
ما إن تسلم الرئيس الحالي مقاليد الحكم في البلاد حتى أصبحت أنظار العالم المتربص متجهة نحو موريتانيا:
كل يدعي يدعي حب ليلي** وليلي لا تقر له بذاكا
لتتحول بذلك إلي منطقة ساخنة جديدة بين خطين متصارعين، من يسمون بخط الممانعة وجبهة الرفض، وآخرين عرفوا بالاستعماريين الجدد، فالأول تقوده إيران وفنزويلا ولبيا الجريحة؛ حيث سعي هؤلاء إلي اختطاف عزيز والتبشير به كزعيم عربي، فكان لهم ما أرادوا، فاتخذ قرارا سريعا يحسب له في الميزان الأخلاقي لكنه في جانبه المهني يعد تلبية لطلب قوي الممانعة خارجيا، وعدم اكتراث لجبهة الرفض داخليا التي ظلت لسنوات طويلة تطالب بقطع العلاقة المشينة مع الكيان الصهيوني.
ورغم ما شاب القرار من تشويش فانه كان بمثابة قرار تصالحي مع الشعب إلا ـن أيام العسل لم تدم طويلا بين الرئيس وشعبه حتى تفاجأ الكل بقرار الحرب مع القاعدة ليكون بذلك قرارا بالوكالة كما وصفه الكثيرون، وتجاوبا غير مسبوق مع طرف خارجي آخر تقوده هذه المرة فرنسا.
فاستفاقت البلاد علي وقع مواجهة غير محسوبة مع التيار السلفي في موريتانيا، وجندت لذلك القرار الارتجالي كل الطاقات السياسية والإعلامية، فأخذت الأخيرة تطلق عبارات حماسية تشعل لهيب المعركة من قبيل محمد ولد عبد العزيز يقود العملية بنفسه، وليست بالتأكيد نفس عصام الذي سودته، وعاشت موريتانيا برهة علي أزيز طائرات حرب لا هوادة فيها.. لاصوت يعلو فوق صوت المعركة، وظهرت أصوات منادية بوقف القرار المتهور غير المدروس، فكان نصيب تلك الأصوات الاتهام بالخيانة للوطن والتواطؤ في وقت المحن.
بل وصل الأمر بالرجل إلي ترديد مقولة سابقة "إن هؤلاء لشرذمة قليلون و إنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حذرون" وظلت مسيرة الاختطاف الفردي لموريتانيا مستمرة حتي أصبحت رهينة لطرفي الصراع في المنطقة ليدفع الشعب ثمنا باهظا جراء سياسات ارتجالية لم يستشر فيها يوما:
ويقضي الأمر حين تغيب تيم ** ولا يتسامرون وهم شهود
واستمرت الأمور علي ما هي عليه حتى تجرأ القذافي وهو في مخبأه بعد زيارة الوفد الإفريقي بقيادة محمد ولد عبد العزيز ليسال رئيس موريتانيا عن وزيرة الخارجية الموريتانية الناها بنت مكناس، وهذا تدخل سافر في شان داخلي ما كان للقذافي أن يبوح به لولا الإحساس بالفوقية التي طبعت شخصيته ونظرته للرئاسة الموريتانية على أنها ولاية من ولايات الجماهيرية، وتلك نتيجة حتمية لسياسات بيعت بالمزاد العلني كان صاحبها فيها من الزاهدين..
لقدهزلت حتي بدا من هزالها** كلاها وحتي سامها كل مفلس

نقلا عن الأخبار