مشاهدة النسخة كاملة : ليست جريمة عادية! (لمى خاطر)


ابو نسيبة
04-17-2011, 02:59 PM
ليست جريمة عادية! (لمى خاطر)

ما الذي أبقته الجماعات التي تدعي الانتساب للسلفية الجهادية في غزة لنفسها من مبررات الوجود يا ترى بعد قتلها المتضامن الإيطالي (فيتوري أريغوني)؟! وأي رسالة صلف وتحدّ غبية أرادت إيصالها للحكومة في غزة عبر جريمتها الأخيرة؟ وأي تطرف يبلغ حدّ الهوس ذاك الذي يدفع مرتزقة تلك الجماعات لكي يستسهلوا إنهاء حياة متضامن أجنبي مع غزة دون ذنب؟ وأن يقرروا فتح نارهم العابثة على أرض غزة التي لا تستوعب أصلاً وجود جماعات من هذا النوع هبطت عليها فجأة وفي ظرف حساس، ولم تكن سوى عامل تخريب وفوضى داخلية بعد تخلص قطاع غزة من عوامل الانفلات السابقة التي ظلت تعبث بحياة الناس وأمنهم حتى منتصف حزيران 2007.
جرت العادة في الدول التي تحكمها أنظمة قمعية أن تكون ظاهرة الفكر المتطرف إفرازاً تلقائياً للقمع الممارس ضد حركات وتيارات معتدلة في الغالب، أما في غزة فهذه الظاهرة تم استيلادها أو جلبها بفعل فاعل هناك لتكون عاملاً مناوئاً للفكر المعتدل الذي يشكل مرجعية لحماس الحاكمة في غزة، وفق هدف يتمثل في إرباك الحركة هناك ومراكمة الأعباء الداخلية عليها، وإجبارها على الاختيار ما بين التعايش مع هذا التيار أو مواجهته وحظره، وهما خياران شائكان بالطبع، كون عناصر هذا التيار سمتها التعالي الأجوف الذي لا مكان لديه لثقافة الحوار مع الآخر، والانحراف الفكري الحاد الذي يسوغ التكفير واستباحة الدماء والممتلكات دونما حساب، استناداً إلى قياسات أو اجتهادات فاسدة تشكل مرجعية فكرية للسلوك الشاذ لتلك التيارات.
الخطأ القاتل الذي تقع فيه تشكيلات ذلك التيار مراهنتها على أنه ما زال هناك قاعدة من المتعاطفين معها وخصوصاً من عوام الناس، وذلك استناداً إلى التأييد الشعبي الذي تمتع به تنظيم القاعدة لفترة محدودة من الوقت عقب أحداث سبتمبر 2001، قبل أن ينحسر تأييده بشكل حاد نتيجة للأخطاء الكبيرة التي قارفها في غير مكان، وخصوصاً العمليات التفجيرية التي حصدت عشرات الأرواح البريئة في عدد من العواصم العربية!
وفي ساحة كغزة سيصعب على هذا التيار تسويق بضاعته القائمة على ادعاءات الجهاد، لأنه ما من ثغرة هناك على صعيد المقاومة يمكن أن تتسع لجماعات الغلوّ الفكري حتى لو قدم التيار نفسه على أنه حامل مشعل التحرير، خصوصاً وأنه لم يصدر عنه حتى الآن أية بادرة مقاومة حقيقية للاحتلال، ولم يُعهد عنه سوى انشغاله بتفجير المنشآت والمحلات التجارية التي يصنفها (أوكاراً للفساد)، ثم القفز إلى مقام طرح نفسه بديلاً عن حكومة حماس، وإعلانه الحرب عليها، بدعوى أنها لا تطبق شرع الله، وبدافع سعيه لتشكيل إمارة بديلة تقيم (حدود الله) التي يرى أن حماس تفرّط فيها.
خلاصة القول؛ إن هذا الفكر قلّ أن يجد له سوقاً رائجة في أي مكان مهما حاول أن ينتحل لنفسه من مسميات وشعارات، وهو يمتلك من مقومات الاضمحلال ما يبقيه دائماً حكراً على نوعية معينة لديها من الأزمات النفسية والفكرية ما يجعلها قاصرة عن بناء جسور الثقة والقبول داخل مجتمعاتها، فلا هي تمارس الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ووفق قواعد الإسلام الصحيحة، ولا هي تقدّم نموذجاً جهادياً يؤكد جدارتها بتقدّم الصفوف وحمل راية المقاومة، ولذلك فستظل ظاهرة عابرة ومحدودة التأثير، وخصوصاً في الحالة الفلسطينية التي لا تحتمل فكرها ولا مشروعها المبهم!

نقلا عن المركز الفلسطيني