مشاهدة النسخة كاملة : هل الحرب القادمة على حماس عربية؟


أبو فاطمة
02-18-2010, 10:22 AM
هل الحرب القادمة على حماس عربية؟

عدنان سليم أبو هليل



يكثر الحديث هذه الأيام عن ضرورة وسرعة توقيع حماس على الورقة التي أعدها النظام المصري للمصالحة الفلسطينية، وتتزامن مع ذلك مساعي أطراف عربية وفصائل فلسطينية للضغط على حماس أو إقناعها بسرعة إنجاز ذلك وأن يكون قبل القمة العربية القادمة.. هذه الأطراف تقول: إنها تتفهم ملاحظات حماس.. ولا ندري ما قيمة هذا التفهم وما معناه ما دام النظام المصري يستتفهها ويزهد فيها، وظل في نفس الوقت يستكبر ويستكثر أن يتقبلها.. ليس صحيحا أن ملاحظات حماس على الورقة المصرية تافهة بدليل أن النظام يستخدم كل قوته وكل ضغوطه ويعرض كل مصداقيته وقيمته ومكانته للنقد والاتهام من أجل تمريرها.. إذا كان هذا هو موقف النظام المصري من الملاحظات فما قيمة أن يعطي ضمانات بأنه سيتفهم بعد ذلك تلك الملاحظات وسيتجاوز إشكالات التنفيذ، وهو الذي لم يكن نزيهاً ولا عادلاً في التعامل مع المشكل الفلسطيني منذ البداية ولا يتوقع بالتالي أن يكون نزيهاً ولا منصفاً بعد ذلك.

الورقة المصرية تنصب على شيء واحد وتعتبره الحل.. هو الانتخابات فاحتاطت له بكل ما يعطي عباس القدرة على تزويرها والعبث بنتائجها، وبكل ما يمنع حماس من القدرة على الاعتراض على نتائجها أو رفضها؛ فأوجبت الورقة على حماس أن تسمح بدخول ثلاثة آلاف عنصر من أجهزة دايتون إلى غزة مباشرة ويزاد هذا العدد بدون سقوف وصولاً للانتخابات التشريعية والرئاسية، وهذا يعني أن القوات الداخلة والمزادة قد تبلغ عشرات الآلاف قبل أن تجرى الانتخابات التي لن تتم إلا إذا صارت هذه القوات جاهزة لسحق حماس عند الاقتضاء.. أما لجنة الانتخابات المخولة دستورياً بإعلان نتائجها فهي لجنة يشكلها ويكون مرجعيتها عباس، والمحكمة المخولة بنظر الطعون في تلك الانتخابات هي أيضاً – حسب الورقة المصرية - لعباس هو يشكلها وهو يعتمدها.. السؤال هنا: ماذا لو حدث التزوير؟ ولم يلتفت عباس إلى الطعون المقدمة؟ في حين تكون غزة تحت حكم عشرات الآلاف من عناصر الأجهزة الحاقدة والمستعدة لسحق حماس بمجرد الاعتراض أو التبرم؟

السؤال هنا هل يمكن أن يقع التزوير؟ والسؤال الأهم هل الانتخابات ابتداء هي الحل؟ وأقول: صار معلوماً ويقينياً أن أعداء حماس لن يسمحوا بفوزها مرة أخرى حتى لا تقع التي يسمونها الخطيئة الكبرى (فوز حماس) مرة أخرى، ولن يقبلوا بانتخابات تعيد تكريس حماس في المشهد السياسي الفلسطيني الذي يواصلون الليل بالنهار سعياً لمنعه ومحو آثاره ومترتباته، ولن يقبلوا بانتخابات تعيد تكريس ما يسمونه الإمارة الظلامية في سدة الحكم، هنا يجدر التذكير بانتخابات أخرى جرت أخيراً في مدار حلفاء أمريكا و(إسرائيل) للتعرف على أن الانتخابات لم تعد يقصد منها تحقيق الحد الأدنى من حقوق الإنسان واحترام الرأي العام؛ ولكن صارت وسيلة فقط لتمرير سياسات وأشخاص ومعادلات على الشعوب باسم الديموقراطية.. أذكر هنا الانتخابات التي بموجبها قام التشريعي الفلسطيني الحالي وحكومة إسماعيل هنية.. ونتساءل هل كانت حلاً أم إشكالاً؟ وأذكر بانتخابات حركة محمود عباس في المؤتمر السادس وهي انتخابات داخلية للحركة وبين قوم كلهم في نفس الحركة ويحملون نفس البرنامج السياسي وكلهم يرضى عنهم الاحتلال وإن بدرجات متفاوتة.. ولنتذكر كيف زاد عدد المنتخبين إلى أربعة أضعاف بين عشية وضحاها، ثم كيف ضاعت أصوات المستحقين بأصوات المستلحقين.. ونتذكر انتخابات نقابة الصحافيين كنموذج فضيحة آخر ليس أفضل حالاً ولا مآلاً.. وانتخابات مصر وانتخابات العراق وانتخابات أفغانستان.. فإن قيل - بحسن نية ومن غير روية: لتقبل حماس بالانتخابات وتحتط لها بطلب مراقبين دوليين نزيهين.. هنا نتذكر أن نصف مراقبي انتخابات أفغانستان الأخيرة اتهموا وطردوا وفصلوا بسبب ممارسة التزوير والتستر عليه؛ وهم مراقبون دوليون يفترض أن نزاهتهم ومصداقيتهم ليست موضع شك ومع أنها انتخابات بين عبد الله عبدالله وكرازاي وكلاهما حليف لأمريكا ومن صنائعها.

ونعود للسؤال الأهم: هل الانتخابات هي الحل في المشكل الفلسطيني؟ بمعنى: لو افترضنا جدلاً أن المستحيل وقع وأن إبليس تاب وأناب وصار ملاكاً.. وأن عباس أجرى انتخابات نزيهة وشفافة مائة في المائة؛ فهل هذا كفيل وكاف بحل الإشكال وعودة الوحدة الوطنية؟ أقول: لنستعرض احتمالات الانتخابات التي تنصب عليها الورقة المصرية ويرى البعض أنها الحل.. ولنر ما إذا كانت يمكن أن تكون حلاً أو ضمانة لحل.. الانتخابات لها أربعة احتمالات؛ هي أولاً: أن تفوز حركة فتح بها جميعاً من رئاسة وتشريعي ومجلس وطني وبصدق ونزاهة! المتوقع أنها بعد ذلك ستقوم بمطاردة المقاومين ومصادرة سلاح المقاومة – كما تفعل في الضفة وكما تصرح به ولا تخفيه – ربما يتوهم البعض أن الورقة المصرية تنص على منع ذلك وعلى إبقاء حق المقاومة كحق أصيل.. الصواب أن هذا النص ليس صريحاً، والصواب أيضاً أنه لا يتجاوز الشعارات الكلامية الفضفاضة وأن الورقة المصرية عندما جاءت للتفاصيل نصت صراحة لا لبس فيها ولا غموض بأن السلاح الوحيد المشروع على أراضي السلطة هو فقط سلاح الأجهزة الأمنية.. السؤال الجوهري هنا: هل ستقبل حماس بذلك؟ وهل ستقبل بأن تستهدف وهي ترى أن المقاومة حق لها وفرض عليها وتتسمى في جزء من اسمها وعنوانها بها؟ وترى أن المقاومة لا تخضع لمعادلة الأكثرية والأقلية.. وهو منطق صحيح في كل التاريخ وفي كل التجارب العالمية وفي وجه كل أنواع الاستعمار.. وإن كان من مشكلة فهي مشكلة المأزق الذي تورطت فيه القيادة المتنفذة في الشعب الفلسطيني عندما دخلت النفق الصهيوني ورضيت بخيارات غير صحيحة ولا مقرة عقلاً ولا منطقاً..

الخلاصة أن هذه الانتخابات لن تكون قد أنهت الإشكال الفلسطيني إذا فازت فيها حركة فتح؛ والاحتمال الثاني: أن يقع تزوير في تلك الانتخابات وأن لا تقتنع بها حماس فتعترض عليها وعند ذلك فالمتوقع والمعد له أن تتحرك القوات المجهزة وبالأخص في غزة ليقع ما يقع تحت أقدامها من عنت ودماء، ولن تتغلب عليها حماس، لأن تلك القوات ستكون قد استفادت من الدرس السابق لحسم 2006.. وحتى لو حدث العكس فإن المتوقع أن تدخل مصر مباشرة وبقوة لسحق حماس بحجة أنها – أي مصر – راعية للتصالح .. ولا أظن أن لجنة بحوث الأزهر (الطنطاوية) إلا قد أعدت مبرراتها الدينية ولن تكون عاجزة عن اقتناص نص من هنا أو تبرير من هناك من شاكلة (فقاتلوا التي تبغي) أو (إزالة أعظم الشرين) أو غيره.. وأظن أن هذا الخطاب وتلك الفتاوى ستجد من يتقبلها ويبررها أو على الأقل ستكون كافية لتفكيك التضامن العربي والإسلامي مع المقاومة المؤكد في مثل هذه الحالة لو كان العدوان صهيونياً، الاحتمال الثالث: أن تفوز حماس بإحدى المؤسسات الثلاث وتفقد الاثنتين الأخريين – كما هو الحال اليوم - فيلجأ عباس إلى المتبقي مما لم تفز به حماس ليعتصم به ويجير كل القوى له ويسحب صلاحيات المؤسسة التي فازت بها حماس وله في ذلك سابقة مع حماس وقبلها مع عرفات نفسه، والاحتمال الرابع الذي لن يسمحوا به أبداً هو: أن تفوز حماس بالرئاسة والتشريعي والمنظمة (وهو من سابع المستحيلات) وعندها سيلجأ إلى ما صرح به في ستراسبورغ في شهر 4 من العام الماضي 2009 إذ سئل في مؤتمر صحفي: ماذا لو فازت حماس بالتشريعي والرئاسة وقامت بأخذ الشعب الفلسطيني إلى المقاومة المسلحة وإطلاق الصواريخ.. فأجاب: لن نسمح بأي حال لحماس أن تطلق الصواريخ وإن فعلت فسيعود الانقسام من جديد.. نعم لن يسمحوا بالمقاومة لأن لهم مشروعاً آخر ومن شاء فلينظر كيف تتحرك القوى التي تحركها أمريكا و(إسرائيل) في دار فور وفي جنوب السودان وقبل ذلك في تيمور الشرقية.. ولن يعدموا جهلة وسذجاً وقوداً لتلك المعركة كالذين أوقدوا بهم فتنة غزة مرات ومرات..

يبدو أن أعداء حماس قد خلصوا إلى أن حرباً عليها على غرار عدوان العام الماضي لم تعد ممكنة ولم يعد الرأي العام يمكن أن يتقبلها وبالأخص بعد تقرير جولدستون الذي طوق قدرة العدو على استخدام نفس الأسلحة أو أزيد منها وبعد فضيحة مصر ومحمود عباس في سياق تلك الحرب.. ويبدو أنهم قد نضج لديهم الاتجاه بأن الحروب الممكنة لا بد أن تقوم على أساسين اثنين؛ الأول: أن تكون تحت شعار له وقع إعلامي وحقوقي وأخلاقي.. كأن يقاتلوها تحت شعار حماية الديموقراطية الانتخابية وبحجة أنها تعوق الوحدة الوطنية وهذا تتكفل به انتخابات تكون على المقاس.. والثاني: أن تكون الحرب عربية عربية وهو ما ستتكفل به مصر وقوات عباس - دايتون.. وفي هذا السياق يأتي تحضير الرأي العام العربي والمصري عبر هجمات إعلامية منسقة وممنهجة تستهدف حماس وعبر موقف بعض البرلمانيين المصريين من الحزب الحاكم الذين يطالبون بغزو غزة صراحة.. هم يعتقدون أن هذين الأساسين كفيلان بتشتيت الرأي العام العربي وبالذات المصري الداعم للمقاومة ويعطيان مساحة عمل ضدها أفضل وأرحب من مساحة عمل الصهاينة في عدوان مباشر.. والورقة المصرية تأتي في هذا السياق وتحضيراً له..

والمتوقع من حماس أن لا توقع على تلك الورقة لسببين على الأقل؛ الأول: أنها حركة تحترم ذاتها وسمعتها وإذا ما وقعت على شيء فإنها تؤديه وتلتزمه وهذا مما لن تلتزمه ولا يصح أن تخضع له نظرياً ولا عملياً.. وثانياً: أن الورقة المصرية بحالها الذي هي عليه ليست جائرة فقط بل هي تفتح باباً للعدوان عليها وإثارة دماء وفتنة ربما لا تتوقف أبداً.. والمتوقع كذلك أن النظام المصري ومن ورائه محمود عباس لا يجهلان ما ستؤدي إليه ورقتهما من ذلك.. ولكن ما الذي يضيرهم إذا كانت نهاية المطاف إنهاء حكم حماس في غزة وإزالتها عن الخارطة السياسية وإذا كان ذلك يرضي أمريكا والعدو الصهيوني ويكمل مقاصد الرصاص المصبوب على غزة وينجز ما اعترف أولمرت بأنه فشل في إنجازه..

آخر القول: الكياسة قبل السياسة تقضي أن لا تراهن حماس على ورع أو تقوى أو حسن نية أعدائها (ولا أقول خصومها)، والكياسة قبل السياسة تقتضي أن تتوقع حماس الأسوأ منهم لأنهم الأسوأ، وإن كانت تعلم ذلك أو تتوقعه فالحكمة أن لا توقع على ورقتهم.. ولأن يبقى الانقسام على ما هو عليه وحتى لو بقيت غزة محاصرة بل وأن تموت جوعاً – ولن يكون بإذن الله - فذلك أقل سوءاً ألف مرة من حرب تدور رحاها عليها ويتشتت الرأي العام من حولها ويختلط فيها الأصيل بالعميل والحابل بالنابل.

akherolqawl@hotmail.com

صحيفة الشرق القطرية

نقلا عن المركز الفلسطيني