مشاهدة النسخة كاملة : أسطول الحرية" و"مسيرة الشعوب"


ابو نسيبة
04-16-2011, 10:33 AM
أسطول الحرية" و"مسيرة الشعوب"

يتكشّف صراعنا المحتدم مع "إسرائيل" عن حقيقة بازغة: تميّزها في أسلحة الجو، وتقدمنا في "أسلحة" البحر والبر. فطائراتها وصواريخها الحربية الفتاكة تكاد تحتكر الأجواء، لا سيما فوق غزة، وتجيد "المرجلة" الوحشية على البشر الأبرياء العزل من السلاح آناء الليل وأطراف النهار.
في المقابل، نتقدم على "إسرائيل" في الاستخدام السلمي للبحر والبر على مستوى قارات. فقد نجحنا وأصدقاؤنا قبل سنة في تجهيز وتسيير "أسطول الحرية1" من اسطنبول إلى غزة. كما أفلحنا وأصدقاؤنا أيضاً، قبل نحو ستة أشهر، في تنظيم قافلة شعبية عالمية انطلقت من نيودلهي عبر أراضي الهند وباكستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان والأردن ومصر إلى أن وصلت غزة وعانقتها بمئات المناصرين من شتى القوميات والجماعات وبآلاف الأطنان من الأغذية والأدوية.
كِلا التظاهرتين، البحرية والبرية، صنعت أخباراً مدّوية وشدت أنظار الملايين في أربع جهات الأرض إلى فلسطين وصمود شعبها، رغم حدة المعاناة وجسامة التضحيات. مردّ الاهتمام العالمي سببان: الأول، وحشية "إسرائيل" التي تمثّلت بقتل تسعة من الناشطين الأتراك من أهل الأسطول. الثاني، تعددية مكوّنات أهل الأسطول وأهل القافلة الذين ضموا مناصرين من شتى الأمم والإثنيات والمذاهب والمشارب.
أسطول الحرية كما القافلة الشعبية أصبحا تقليدين نضاليين عالميين سنويين. فها هو "أسطول الحرية 2" الذي يضم 15 سفينة على متنها ناشطون من 50 دولة، بينها تركيا، سيبحر في الذكرى الأولى للهجوم الصهيوني الدموي على "أسطول الحرية 1". فقد أكد فاغيليس بيسياس، أحد ممثلي المنظمة اليونانية المؤيدة للفلسطينيين والمعروفة باسم "مركب لغزة" في مؤتمر صحافي في أثينا، أن "التحضيرات تجري على الطريق الصحيح، والظروف المناسبة لإبحار المراكب ستكتمل بحلول أواخر مايو/أيار المقبل".
الناشط الهندي العالمي فيروز ميتهيبوروالا طاف أخيراً على عواصم عدة قبل أن يختتم جولته في دمشق وبيروت، معلناً أن التحالف الآسيوي الدولي للتضامن مع فلسطين، الذي سبق أن نظم القافلة الشعبية العالمية من نيودلهي إلى غزة، قرر تطوير تقليد القافلة إلى مسيرة شعبية عالمية إلى القدس، يكون موعدها السنوي 29 نوفمبر/تشرين الثاني، ذكرى قرار الأمم المتحدة رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين العام 1947.
يقول فيروز بحماسة لافتة "تصوروا هذا المشهد: ألوف الناشطين والمناصرين ومؤيدي حقوق الإنسان يزحفون براً من عشرات الدول ويحتشدون في عمان (الأردن) قبل أن يعاودوا الزحف باتجاه القدس عبر جسر اللنبي. نحن نعلم أن "إسرائيل" ستمنع الحشود من العبور إلى فلسطين، لكن ذلك لا يهم لأن الرسالة تكون قد وصلت. فالعالم كله سيشاهد الحشود وسيسمع هتافاتها المستنكرة جريمة تقسيم فلسطين والاحتلال الصهيوني والترهيب والتعذيب والتقتيل والتجويع المنهجي لشعبها، كما سيلاحظ شرور الاستيطان وتهويد القدس وتغيير معالمها التراثية العريقة. أجل، ستخاطب الحشود كل سنة وجدان العالم وتنعش ذاكرته بإبراز آثار الجريمة النكراء التي ارتكبتها دول الغرب الاستعمارية، فشردت وقتلت شعباً وساعدت شذاذ الآفاق على احتلال أرضه ونهب ممتلكاته وتشويه تراثه. إنها مناسبة احتجاج سنوية على "الهولوكوست" المعكوسة التي نفذها غلاة الصهاينة ضد شعب فلسطين الأعزل".
"إسرائيل" التي تزعم أنها تعاني ما تسميه "حملة عالمية لنزع الشرعية" عنها، بادرت إلى الرد على أنشطة مناصري قضية فلسطين. فقد دعا رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الاتحاد الأوروبي إلى منع إرسال أسطول جديد من المساعدات إلى غزة، واصفاً هذه الخطوة ب"الاستفزازية"، وزاعماً أن بين منظمي الأسطول عناصر إسلامية متشددة تريد تأجيج التوتر. ويبدو أن "إسرائيل" بدأت في الضغط على بعض الدول التي ستمر في أقاليمها المسيرات الشعبية المزمع أن تتجمع في نهاية المطاف في الأردن، للامتناع عن منح المشاركين فيها تأشيرات السفر اللازمة، وربما تطالبها أيضاً بعدم الترخيص لها بعبور أراضيها. غير أن الضغوط الأثقل وطأة ستمارسها "إسرائيل" على الأردن الذي ستتجمع فيه المسيرات وتنتظم، عند جسر اللنبي، في أعظم حشد أهلي عالمي ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين والتهويد القسري للقدس.
من الطبيعي، إزاء الحملة الصهيونية المضادة، أن نسعى نحن، مجتمعاتٍ وحكومات، إلى الرد على هذه الحملة بإنجاح تجربتي "أسطول الحرية 2" والمسيرة الشعبية العالمية إلى القدس. ولعل أسوأ ما يمكن أن يلحق بقضية فلسطين من أذى هو في أن لا تتجاوب الدول العربية والإسلامية في منح تأشيرات السفر المطلوبة، أو أن يتخلّف ألوف العرب عن المشاركة في المسيرة الشعبية العالمية إلى القدس. فهل ننتظر من العالم نصرةً ودعماً عندما نتخلف نحن عن تقديم أضعف الإيمان: تأشيرات السفر والمشاركة في المسيرة؟
إلى ذلك، آن أوان الاعتراف بحقيقة صارخة: إن ما يقوم به الأغيار من أفراد وشعوب لنصرة قضية فلسطين ودعمها يكاد يساوي من حيث الفعالية، إن لم يكن يزيد، على ما نقدمه نحن، خصوصاً على الصعيدين الإنساني والإعلامي.
غني عن البيان أن الشعوب مسؤولة عن توفير النصرة والدعم قبل الحكومات، ذلك لأنها تعاني من آثار زرع "إسرائيل" في قلب المشرق العربي وتتحمل مفاعيل عدوانها المستمر على أمتنا، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً. ولعل الشعوب التي تنتفض وتثور هذه الأيام في أقطار عربية عدة طلباً للحرية والكرامة، هي مَعقد الآمال وموقع الرهان على نهضة جديدة في جميع المجالات.

نقلا عن المركز الفلسطيني