مشاهدة النسخة كاملة : نصائح لتفادي الثورة في موريتانيا


ام خديجة
04-15-2011, 10:23 AM
نصائح لتفادي الثورة في موريتانيا

http://img707.imageshack.us/img707/7486/53110325.jpg

نواكشوط - المختار السالم:

في وقت يفكر فيه الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز في توسيع مباني مكتب القصر الرئاسي في نواكشوط، وجاءت الصين هذا الأسبوع لتقوم مجاناً بالمهمة، يأمل الموريتانيون أن تصاحب هذا “التوسع” إرادة سياسية جادة تخرج البلاد من واقعها المتأزم .

وقد جاء قرار الحكومة الموريتانية بتأجيل انتخابات التجديد الجزئي ل”مجلس الشيوخ” (البرلمان) ليثير زوبعة من التساؤلات حول مضامين هذا القرار ودوافعه .

فرغم أن منسقية أحزاب المعارضة الموريتانية تقدمت قبل أسابيع بطلب تأجيل هذه الانتخابات لحين إجراء مشاورات سياسية مع كافة القوى المعنية في البلاد و''ضمان شفافية ونزاهة الاقتراع”، فإن الحزب الحاكم رفض وقتها تأجيل الانتخابات، معتبراً أن التأجيل سيربك الجدول الزمني للمؤسسات المنتخبة، ولم تقرر الحكومة الموريتانية إحالة طلب المعارضة إلى المجلس الدستوري (المختص)، وتعللت بأن الطلب جاء بطريقة غير قانونية، وهو ما دفع منسقية أحزاب المعارضة، باستثناء حزب “الوئام”، للإعلان عن مقاطعة الانتخابات وتحميل النظام مسؤولية إجرائها في هذه الظروف .


النظام، وقبل ساعات فقط من موعد انطلاقة الحملة الانتخابية، أصدر مرسوماً عن طريق مجلس الوزراء يقضي بتأجيل الانتخابات، تلاه بيان مقتضب من وزارة الداخلية بأنها ستصدر بياناً في وقت لاحق باستدعاء الناخبين .

وفيما ينتظر أن يصدر الموقف الرسمي لمنسقية أحزاب المعارضة خلال اجتماعها القادم، رحب المصطفى ولد بدر الدين أبرز نواب المعارضة، وعضو المنسقية، بالقرار قائلاً إنه “مفيد لنا ولهم” .

لكن حزب “تواصل” (التيار الإسلامي) الموريتاني انتقد قرار تأجيل انتخابات “الشيوخ” قائلاً إنه “يكشف الطريقة الأحادية والارتجالية التي تسير بها السلطة في موريتانيا”، معتبراً “أن التأجيل كان لأسباب سياسية ضيقة ولم يراع الحد الأدنى من اللياقة في شكله ووقته” .

وأشار الحزب الإسلامي المعارض إلى أن شكل وتوقيت القرار صاحبته المعلومات “التي تؤكد الخسارة المتوقعة لمرشحي حزب السلطة” في عدد من الدوائر الانتخابية .

في ما تساءل “حزب التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة” عن الدواعي الحقيقية لقرار الحكومة تأجيل الانتخابات “أهو بادرة عن حسن نية النظام في الشروع في حوار جاد بين الفاعلين السياسيين من شأنه إخراج البلاد مما هي فيه من أزمات، أم أنه مجرد إجراء احترازي يعبر عن خيبة أمل في قدرة الحزب الحاكم على تحقيق نتائج معتبرة وخشية من تفكك صفوفه”؟

ولعل ذلك ملخص التساؤلات المطروحة بالفعل في ضوء قرار النظام الموريتاني تأجيل انتخابات الشيوخ، حتى وإن كان رئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغظف قد أبلغ الأحد الماضي رئيسي حزبي “تواصل” و”الوئام” المعارضين بأن تأجيل انتخابات الشيوخ جاء لمنح مزيد من الوقت وإعطاء فرصة لمختلف الفرقاء السياسيين من أجل المشاركة في الحوار المرتقب .

فبعض المتابعين للوضع في موريتانيا يرى أن الرئيس ولد عبد العزيز اتخذ هذا القرار لضرب عصفورين بحجر واحد، فهو من ناحية يتيح الفرصة أمام الحزب الحاكم للملمة صفوفه، ومن ناحية ثانية يمثل استجابة لمطلب القوى الرئيسة في المعارضة، والتي تعد مقاطعتها للانتخابات ضربة موجعة لصورة التجربة الديمقراطية في البلاد .

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد عاودت الدخول على خط اللعبة السياسية الداخلية في موريتانيا فتحركت السفيرة الأمريكية بنواكشوط “جو آلن باول” خلال الأسبوع الماضي واجتمعت مرتين بالرئيس عزيز لتجتمع بعد ذلك برئيس منسقية أحزاب المعارضة .

ورغم التكتم الشديد على فحوى هذه اللقاءات، فمن الواضح أن أمريكا تسعى للوساطة من أجل تقريب وجهات النظر بين النظام الموريتاني ومعارضته، في وقت تتزايد فيه احتمالات “جولة قاسية” جديدة من الحرب بين “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وبين القوات الموريتانية المرابطة على حدود ما يعرف ب”صحراء القاعدة” في إقليم “أزواد” (شمال مالي)، خاصة بعد التقارير الاستخبارية التي أفادت باستغلال التنظيم للأوضاع في ليبيا وحصوله على كميات مهمة من الأسلحة المتطورة من مخازن العقيد القذافي .

ويتزامن ذلك مع تسريبات تفيد بقلق عواصم غربية من مخاطر ما قد يؤول إليه الاحتقان السياسي والاجتماعي والنقابي والشبابي الذي تشهده موريتانيا في الوقت الراهن، وهو الاحتقان الذي في حالة تطوره سلبياً سيحول موريتانيا إلى “وزيرستان” كبرى، ولكن هذه المرة على الحدود البحرية لأمريكا وأوروبا، فضلا عن تأثير ذلك في الوضع في منطقة الساحل .

ومن هنا يمكن فهم الحراك الدبلوماسي الغربي الصامت في مكاتب وصالونات نواكشوط، والذي يهدف إلى ضمان دخول الأطراف الموريتانية في حوار سياسي يفضي في حدوده الدنيا إلى توافق عام في ما يتعلق ببعض الملفات الخلافية الرئيسة ومن بينها مدونة الانتخابات .

وإذا كانت نتائج الحراك الدبلوماسي الغربي في نواكشوط لا تزال مطمورة تحت “جليد الكتمان”، فإن قرار الرئيس عزيز تأجيل الانتخابات سلط الضوء أكثر على حالة الانقسام داخل الحزب الحاكم، وهو الانقسام الذي تحدثت “الخليج” عنه في وقت سابق .

فقد فشل الحزب الحاكم في التوصل للائحة ترشيحات توافقية، ما أدى إلى خروج العديد من أطر ووجهاء الحزب ودعم لوائح مستقلة .

وقبل ساعات من قرار تأجيل انتخابات الشيوخ، عقد الرئيس محمد ولد عبد العزيز اجتماعاً مطولاً مع محمد محمود ولد محمد الأمين رئيس الحزب الحاكم، وهو اللقاء الذي وصفته مصادر مطلعة ب”الساخن” وذلك في ضوء الهزة العميقة التي أحدثتها ترشيحات الحزب ولم تراع ميزان القوى داخل أوساط الحزب في المناطق الداخلية التي تتميز بوضع قبلي وجهوي بالغ التعقيد . حيث جاءت الترشيحات مناقضة تماماً لرغبة الأغلبية المطلقة من الوجهاء والنافذين .

بل تسربت معلومات مثيرة عن وجود “طابور خلفي” في صفوف الحزب الحاكم هدفه الدفع بإجراءات ترفع درجة حالة الاحتقان بين مكونات الحزب وقواعده، الأمر الذي ينضاف للحراك الاحتجاجي المعارض ما يمهد الأرضية المناسبة لانقضاض أطراف أخرى على السلطة في “التوقيت المناسب” .

وقد جاءت الترشيحات غير المتوقعة للحزب الحاكم لتنضاف إلى ما خلفته حملة تنصيب هياكل الحزب من “جراحات” داخل مجموعات من أطر الحزب، ثم جاءت موجة التعيينات والإقالات الأخيرة في الإدارات والمصالح الحكومية لتثبت شيئاً واحداً وهو أن النظام لا يزال أبعد ما يكون عن فهم طريقة إدارة المنظومة القبلية والشرائحية في البلاد، وهي المنظومة التي تعد جزءاً رئيساً في ضمان الاستقرار لأي نظام .

“علاوة الخطر”

أنعش أطباء موريتانيا هذا الأسبوع الحراك الاحتجاجي الاجتماعي والنقابي والشبابي في البلاد بجرعة فعالة، بعد أن بدأوا إضرابا شاملا عن العمل مطالبين بعريضة مطلبية أهمها زيادة الرواتب بما يعرف ب”علاوة الخطر” والبالغة 70 ألف أوقية (250 دولاراً) .

وأكدت نقابات الصحة وحدة موقفها وأن الإضراب لن يتوقف ما لم تستجب الحكومة لمطالبها بزيادة “علاوة الخطر” كتعويض مستحق عن المخاطر التي يتعرض لها الأطباء خلال ممارستهم للمهنة .

وقد شل الإضراب المرافق الصحية في البلاد، ما فاقم من الوضعية الصحية للمرضى، وأنذر بمزيد من الاحتقان الاجتماعي .

ويأتي ذلك حلقة في مسلسل المطالب النقابية المتزايدة في ظل تذمر الشارع الموريتاني الذي يمور بحراك احتجاجي على خلفية ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وانتشار الفقر والبطالة، كما يأتي بالتزامن مع دخول البلاد ما يعرف ب”أزمات الصيف” حيث تعاني أغلب مناطق البلاد من نقص مياه الشرب في فصل الحرارة، ويصل الوضع المعيشي لدى سكان الداخل إلى أدنى مستوياته خلال هذا الفصل بسبب وضع الثروة الحيوانية مع نفاد المراعي، وكل ذلك تحت “قيظ” اقتراب الموعد الذي حددته منسقية حركة “شباب 25 فبراير” ل”يوم الغضب الوطني” والذي تقرر في 25 إبريل/نيسان الجاري .

وإذا كان أطباء موريتانيا ب”علاوة الخطر” قد رفعوا “مؤشر خطر” دائرة الحركة المطلبية في البلاد، فقد اتسعت رقعة “النصائح” الموجهة للنظام والمنادية بسرعة تدارك الأوضاع قبل أن تتحول إلى ثورة . وهذه المرة لم تأت النصائح من المعارضة بضرورة “الإصلاح قبل فوات الأوان”، وإنما جاءت من منظمات رصينة كنادي الدبلوماسيين الموريتانيين السابقين .

فقد طالب النادي، الذي يضم شخصيات علمية وفكرية وثقافية مرموقة، نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز “باستيعاب الدرس الإقليمي والعمل بشكل سريع على احتواء مظاهر التأزم الحالية في البلاد”، مؤكدا أن موريتانيا بحكم انتمائها للمنطقة الآيلة إلى تحولات متسارعة لا يمكنها أن تكون بمعزل عما يجري فيها ولا أن تكون في مأمن مما سوف يحل بها من تغيير .

وقال الدبلوماسيون الموريتانيون السابقون في بيان نشر في نواكشوط “إن الحصافة والمسؤولية تكمنان في أخذ هذا الحراك مأخذ الجد وفي مسايرته ومواكبته بدلاً من استعدائه ومجابهته ومحاولة الوقوف في وجهه حيث إن عجلة التاريخ لا يمكن إيقافها ولا إرجاعها إلى الوراء” .

وأكدوا أن الجميع مطالب أكثر من أي وقت مضى بالتحلي بما يكفي من الحكمة وبعد النظر والتدبير الاستباقي للأمور ليبادر بتحديد استراتيجية متكاملة تستقرئ الأوضاع القائمة وتستشرف التطورات المحتملة التي قد تنجم عنها . وأضافوا أن على السلطات الموريتانية الحالية “التأهب الكامل لكل ما قد تتمخض عنه الوضعية القائمة الحبلى بالعديد من المفاجآت” .

وطالب بيان الدبلوماسيين الموريتانيين “السلطات بإشراك جميع قوى البلاد الحية من أحزاب سياسية وشركاء اجتماعيين وفاعلين غير حكوميين ومثقفين ومفكرين وقادة رأي وفعاليات شبابية في التفكير المشترك في صياغة مصير البلاد وتحديد معالم الأوضاع التي ينبغي أن تسود فيها، في منظومة التحولات العميقة والمتعددة الأبعاد التي هي الآن على الأبواب” .

من جانبها، قدمت مبادرة “المدخل الديمقراطي” مجموعة من الاقتراحات التي من شأنها أن تفضي إلى ديمقراطية أصيلة ذات طابع موريتاني تكون هي المرجعية لحل كل الخلافات .

وقالت الحركة في مقترحها إن موريتانيا بعد خمسين عاما من الاستقلال وبعد مرور عقدين على تدشين المسار الديمقراطي ما زالت تتخبط في وضعية مأزقية، وفي مشكلات لا حصر لها تزداد تعقيداً واستعصاء على الحل يوما بعد يوم “بيد أن الأدهى والأخطر هو ما تولده من انقسامات وما ينجم عنها من خلافات باتت تهدد المجتمع في وحدته والدولة في كينونتها” .

أمام الاحتجاج الاجتماعي والنقابي والشبابي، والحراك الدبلوماسي، وإنذارات المعارضة السياسية، يتوقع الكثيرون هنا في نواكشوط إقدام النظام على تمهيد فعلي للحوار السياسي، فبعد المحاولات الجارية لفتح وسائل الإعلام الرسمية أمام الرأي الآخر، ولقاءات رئيس الوزراء بقادة معارضين، والإعلان عن الاستعداد للحوار مع النقابات، جاء تأجيل الانتخابات، ليكون عنوان “رسالة حسن النية” . ولكن السؤال هنا، وكما صاغه المحلل السياسي أحمد ولد المامون، هو: هل جاءت هذه الخطوات متأخرة بعد أن وصل “صقور” المعارضة الموريتانية، وأعينهم على الحالة الثورية التي تجتاح المنطقة، إلى شبه قناعة بعدم جدوى الحوار مع النظام الذي يعتبرون أن كل ما يقوم به من إجراءات في سبيل الحوار ليس إلا “مجرد مناورة للبحث عن طوق نجاة في زمن محفوف بالمخاطر”؟

لا شك في أن كلاً من طرفي الأزمة السياسية في موريتانيا، يحرص في الوقت الراهن، على عدم الظهور أمام الرأي العام الداخلي والمجموعة الدولية بمظهر “الطرف المتعنت” .

ولكن إذا تحققت تنبؤات المتفائلين، ودخل النظام والمعارضة في حوار شامل، فإن البنود المرحّلة إلى الحوار من قبيل علاقة الجيش بالسياسة، وحل الحزب الحاكم، وإجراء تعديلات دستورية، لن تجعل من الحوار المرتقب حلاً سحرياً للأزمة الموريتانية التي انطلقت أصلاً من “نقطة اللاعودة” .


نقلا عن الخليج