مشاهدة النسخة كاملة : كجيل الإنسان (محمد عبد الله ولد محمد)


ابو نسيبة
04-14-2011, 01:45 PM
كجيل الإنسان (محمد عبد الله ولد محمد)

التراث الموريتاني زاخر بكل صنوف المعرفة والثقافات المختلفة التي تعكس تعددية الأعراق واختلاف المشارب في مجتمع زاوج بين الثقافتين العربية والإفريقية فتشكلت لديه أبعاد وخلفيات تنهل من منابعها كلتا الثقافتين.
تراث تعددت أشكاله وتنوعت ألوانه واختلفت مقاصده.. وظلت الأمثلة الحسانية التي كانت حاضرة في كل زمان وفي كل مكان أهم عناصر ذلك الإرث الثقافي الذي تعاطته الأمم كابرا عن كابر، أمثلة ظلت يانعة طرية وكأنها تعني ما تُضرب فيه من أقوال أو أفعال أو تصرفات مختلفة حتى ولو تعلق الأمر بزمان ليس زمانها الذي ولدت فيه أو بموضوع ليس موضوعها الذي وردت فيه.
وهكذا تبقى حياة الأمم والشعوب مهما اكتنفها من تطورات سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية مرتبطة في بعض خفاياها بطبيعة داخلية لهذا الكائن البشري الذي ليس له دخل ولا تحكم فيها، ومن تلك الخفايا ما يسمى بالغريزة البشرية النائمة داخل كل إنسان..
وهنا يكون استخدام الأمثلة التي ربطها الإنسان في الغالب بحياة الحيوان فيه نوع من إسقاط تصرفات ذلك الكائن على حياة البشر.. إخفاءً للقصد وتجنبا لما قد ينجر عن ذلك من مشاكل، ولأن الحيوان ملك للجميع.
ليس هدفي هنا أن أتناول الأمثلة الحسانية كموضوع تراثي خصب ولا أن أتناول من خلالها حياة الحيوان.. وإنما ذكرني صوت سمعته وهنا من الليل في إحدى الضواحي البدوية القريبة من نواكشوط لأحد الطيور المعروفة محليا باسم (كوجيل) وهو طائر يُسمع صوتُه عادة في وقت متأخر من الليل وتقول بعض الروايات الخرافية إنه هو طائر البوم، وينفى بيت من الشعر حفظته في صغري أن يكون للبوم والغول والعنقاء وجود في الكون:
البوم والغول والعنقاء ثالثها *** أسماء أشياء لم تخلق ولم تكنِ
ذكرني صوت ذلك الطائر بالمثل الحساني الذي يقول (كجيل الل يبك اعل حيوان الناس)
ومعناه أن هذا الطائر الذي يتصور الإنسان عندما يسمع صوته أنه يضيف قطيعا من الإبل إلى نفسه والحال أنه يبكي، فيقول بصوت مرتفع ومزعج جدا (إبلي إبلي).
تقول الرواية إن كوجيل كان يمتلك قطيعا من الإبل وإن الغول والعنقاء اختطفاه منه في يوم من الأيام ولم يستطع استرجاع قطيعه بأي وسيلة من الوسائل فاستنجد بجميع الطيور من حوله ولم يجد من يسمع صرخاته المدوية بحثا عن معين، وتُرجع الرواية الخرافية عدم استجابة الآخرين له إلى أن هذا الطائر كان منبوذا بين جماعات الطيور الأخرى لأسباب عديدة أهمها شكله الخارجي الذي تجاوز الحد في الابتعاد عن الرشاقة إلى درجة أنه يوصف بأقبح مخلوق على وجه الأرض.. و كان مضرب المثل في البلاهة وعدم الفطنة، لكن الأمر الأكثر غرابة أن كوجيل ـ رغم الأوصاف والسمات السابقة ـ كان يرى نفسه فوق الجميع وأنه أفضل من الكل، لذلك لا يقترب هذا الطائر حتى من أجناسه فهو في انعزال مفرط ودائم عن أسراب الطيور الأخرى ولا يقر له قرار إلا فوق شجرة نائية منقطعة عن باق الأشجار.
لكنه مع ما يرى لذاته من قيمة كبيرة بين أجناسه كان ضعيف الشخصية ذميم الأطوار لا يستطيع الظهور إلا عندما يتأخر الليل والناس نيام وكأنه المقصود بقول الشاعر:
قـٌبيلة لا يغدرون بذمــــــة *** ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يردون الماء إلا عشية *** إذا صدر الوُراد عن كل منهل
هذا المثل الحساني القديم (كجيل الل يبك اعل حيوان الناس) ـ رغم أن البعض يضيف المثل إلى (كابون) وهو الدب البري الشرس ـ شدني إلى التفكير في ما يرمز إليه من معان عميقة الدلالة، دلالة قرأتها في أكثر من مشهد في حياتنا المعاصرة، وشاهدتها عيانا في تصرفات الكثير منا فعلا وقولا ونسقا عاما.
تجاوز الأمر عند الكثيرين حد البكاء على ما عند الناس إلى الضحك على عقول الناس بحيث استطاع البعضُ أن يوهم البعضَ بأنه شخص آخر، شخص يمتلك كنوز الدنيا من أموال وأسرار وأخلاق، بل قد يصل به الأمر لوصف نفسه بأنه يدبر الكون ويمتلك أسراره ويعرف بأي أرض تموت النفوس وماذا تكسب في غدها المقبل.. حياة تستمد عطاءها من خيال خصب لا يعرف الحدود ما شاء الله.
وربما يكون الخيال الذي برع الإنسان الموريتاني هذه الأيام في تلوينه وتشكيله حيثما شاء أمر عجز كجيل المسكين عن الوصول إلى مراتبه العالية ، فميزة كجيل أنه صادق مع نفسه وجنسه، مؤمن بمبادئه الراسخة التي لا تتأثر إلا بحيوانيته البريئة، بينما نرى الإنسان في مجتمعنا الحاضر وهو صاحب العقل وحامل الأمانة يلوي الحقائق لياً ويختلف مع واقع نفسه وطبيعة جنسه البشري وكأنه في صراع مصيري مع ذاته ومع الآخرين، يغمط هذا ويأكل لحم ذلك وينفي وجود هؤلاء ويتمنى زوال أولئك.
وقد لا يكون غريبا أن كجيل الذي فقد في يوم من الأيام قطيعه عنوة وظل ينشده كل ما رأى قطيعا يذكره به استطاع بأمانة أن يقنع ذريته وأحفاد ذريته من الطيور أن يحتفظوا لأنفسهم بمبدأ البحث عن إرثهم الضائع مهما طال الزمن وتقادم العهد وهو أمر قد يكون من أبسط حقوقه.. لكن الغرابة عين الغرابة أن يكون الإنسان الذي حباه الله بأنه من جنس البشر ورزقه العقل الذي يدرك به الأشياء ويميز به الفرق بين الجائز والمستحيل وسمع قول الحق سبحانه وتعالى : [والله فضل بعضكم على بعض في الرزق] ورأى أن قيمة الإنسان في المجتمع وطموحه للحصول على المال والجاه والسلطة أمور لا ترتبط بتاتا بتمني زوال النعمة عن أناس يرى أنهم أفضل منه، أو بالكذب على أناس طمعا في عقولهم .. أو بالتزلف لآخرين طلبا لما عندهم.. فعزوف إنساننا هذا الزمان عن معاني السمو الفاضلة التي قد توصله إلى أفق الإنسانية الرحب والتي تخالف تماماً ما يختزنه في نفسه من وساوس شيطانية.. قد يكون فيه نوع من التخلي عن الانتماء إلى جنسه البشري، بل أخاف أكثر ما أخاف أن يكون فيه نوع من الابتعاد عن إنسانيته كإنسان، إلى درجة تبنيه ـ وإن بغير قصد ـ حيوانيةً كجيل الل يبك اعل حيوان الناس.

نقلا عن الأخبار