مشاهدة النسخة كاملة : الزمن العربي الشاب (محمود الريماوي)


ابو نسيبة
04-11-2011, 02:00 PM
الزمن العربي الشاب (محمود الريماوي)

موجة التغييرات في العالم العربي التي حملت نعوتاً مثل “التسونامي السياسي” و”الربيع العربي”، أظهرت الى السطح شريحة الشباب كفاعل اجتماعي وسياسي، يتقدم في الحضور والتأثير على غيره من الفاعلين . لقد تبدلت صورة هذه الشريحة التي ظلت تقترن إما بالتطرف، أو الاندفاع للاستهلاك واللهو، أو الانغماس في الأنشطة الرياضية من دون سواها . لقد ثبت في ضوء موجة التغييرات أن تلك الشريحة كانت مغيبة ومهمشة، وأنها كانت منذورة لما تقدم ذكره، ومدفوعة اليه دفعاً بحكم ظروف موضوعية، تتعلق بانسداد الآفاق أمام صلاح الأحوال العامة والفردية . فإن لم يذهب هؤلاء الى تلك المذاهب، فقد كانت البطالة وما ينجم عنها من تداعيات تتربص بهم وتجرفهم نحوها .
لقد فاخرت بلدان ومجتمعات عدة بأنها مجتمعات شابة، وأن العنصر الشاب يمثل في الحد الأدنى أزيد من نصف عدد السكان، وجرت مغازلة تلك الفئة بتسميتها “وارثة للمستقبل”، وأن القادة الجدد في سائر الميادين سوف ينبثقون من صفوفها، وأن الطريق معبد وسالك أمامهم لبلوغ طموحاتهم المشروعة، وما عليهم سوى التكيف مع الأوضاع السائدة، والاعتصام بالصبر وانتظار الفرج الذي لا بد أن يأتي من حيث يدرون أو لا يحتسبون .
لقد تبين بعدئذ أن هذه الوعود هي مجرد وعود في الهواء، وأن قصور برامج التنمية والاحتكار السياسي والتغول على المال العام واستمراء الاستبداد، كل ذلك يلحق أفدح الضرر بالدولة والمجتمع بسائر شرائحه ومكوناته، وفي القلب منها المكون الشاب وشريحة الشباب، فكان ما كان من انفجارات شعبية تولى الشبان بغير تنظيم حزبي أو مؤسسي قيادتها، ودفعت كوكبة من هؤلاء في غير بلد عربي ثمناً باهظاً في الأرواح من أجل انعتاق الوطن وحرية المجتمع .
في غمرة هذه التطورات المتوالية فصولاً، التي جعلت من زمننا الراهن زمناً عربياً شاباً، تثور التساؤلات حول مدى انفتاح الآفاق بعد التغييرات أمام تمكين شريحة الشباب من نيل فرصهم المشروعة . في بلد كبير كمصر على سبيل المثال تنطلق التساؤلات ما إذا كان يسع نظاماً جديداً أن يضع حلولاً ومعالجات اقتصادية تشمل المجتمع بأسره، وتنعكس على الخصوص على الشرائح الشابة؟ الشبان في المحروسة لم ينتظروا إجابات مطمئنة إذ حافظوا على زخم تحركاتهم، حيث تتوالى الأنباء عن سعي مجموعات منهم لتشكيل أحزاب وجماعات سياسية . معلوم أن سائر الأحزاب المصرية يقودها كهول أو شيوخ، وهي ملاحظة لا تعني ضرورة إقصاء الفئات المتقدمة في العمر عن الحياة العامة، إذ إن غاية الملاحظة التأشير الى اقصاءٍ آخر كانت ضحيته الفئات الشابة التي لم تتولّ أية مواقع متقدمة في الأحزاب والنقابات والمجالس المحلية وسوى ذلك من أجسام تمثيلية . الذي حدث أن الكهول الذين التحقوا بالعمل العام وهم في ريعان الشباب، لم يفسحوا مجالاً يذكر للأجيال الشابة، ولذلك بدت الأحزاب المستقلة والمعارضة في موقع المتفاجىء والمأخوذ بالتطورات الجارية في ميدان التحرير وسط القاهرة .
من الاستنتاجات الدالة أن الأجيال الجديدة التي انضوت في منظمات المجتمع المدني وفي مجموعات ثقافية وإعلامية، هي التي هجست بالتغيير وهي التي تحملت عبئه، وهي التي نالت شرف العمل على انبلاج فجر وطني جديد . والآن فإن أية برامج للتنمية بما فيها التنمية السياسية، سوف تكون قاصرة إن لم تنجح في تمكين الشباب من نيل فرص العمل والإسكان والتعليم والتطبيب وسوى ذلك . يتطلب ذلك بداهة الإفساح في المجال أمام ظهور قيادات شابة في السلطة النتنفيذية ( الحكومة) كما في الأجسام التمثيلية المنتخبة، إذ إن هذا المستوى من الشراكة والمشاركة من شأنه تسهيل التوصل الى حلول ومعالجات واقعية والحد من غربة الشبان عن واقعهم، ومغادرتهم موقع المراقبين الساخطين، الى موقع الشراكة وصنع القرار، وهو ما كان يسمى في الأدبيات الرسمية ب “ضخ دماء جديدة” في المواقع القيادية .
ما ينطبق على مصر ينسحب على غيرها من دول ومجتمعات، خاصة مع القناعة بأنه ليست هناك حلول سحرية جاهزة، غير أن هناك بالتأكيد إمكانات متاحة يتعين استثمارها، فالفساد الذي بدد المال العام، والفرص السانحة لاستعادة الأموال الطائلة المنهوبة، تتيح وضع برامج تنموية طموحة وسد عجز الميزانيات العامة، وشمول سائر الشرائح المغيبة والمناطق المهمشة بعوائد النمو الاقتصادي، التي كانت تستفيد منها فئات ضئيلة على حساب الأغلبية .
لقد كان يقال وعن حق على الدوام إن العديد من دولنا ومجتمعاتنا العربية، تفتقر الى برامج وطنية طموحة وملهمة تكون موضع إجماع وتطلق الطاقات الحبيسة، وتحدد المسار كما هو الحال مثلاً في برامج التحديث والتصنيع التي اعتمدتها دول جنوب وجنوب شرق آسيا، وكذلك دولة جارة آسيوية أوروبية هي تركيا . مثل هذه البرامج الوطنية الكبيرة التي تبشر بتحولات، هي ما ينقص بعض دولنا في المشرق والمغرب العربي التي تبدو سياساتها كما لو أنها تدار يوماً بيوم . وهنا يكمن سر الإحباط العام وحالة التشكك السائدة حتى في بعض الإنجازات الفعلية التي تتحقق، وذلك بسبب عدم ربط هذه المنجزات بخطط بعيدة المدى، ولغياب بيئة سياسية صالحة ينتفي فيها الاستبداد والفساد ولا تحظى فيها فئات بعينها بأكبر المغانم والامتيازات .

نقلا عن دار الخليج