مشاهدة النسخة كاملة : حقوق المستهلك... ما هي؟ ...{ محمد فال ولد عبد اللطيف }


ابو نسيبة
04-09-2011, 02:56 PM
حقوق المستهلك... ما هي؟ ...{ محمد فال ولد عبد اللطيف }

شهدت مرة مهرجانا عقده حزب الشعب الموريتاني في إحدى مدن ولاية الترارزة وتكلمتْ فيه ممثلة النساء، وأَلحّت على ضرورة احترام حقوق المرأة، فسألها رجل من الحاضرين: ما هي حقوق المرأة؟ فأحسّت ببعض الارتباك ثم قالت له وهي ضاحكة: حقوق المرأة، أنت تعرفها.
وهذا ما حصل لي بالضبط عندما سألني أحدُ من يثق بي عن حقوق المستهلك التي احتفلنا بيومها العالمي منذ أيام، ما هي؟ لقد أربكني فعلا هذا السؤال إذ لم أكن قد فكرت قبلُ في الموضوع ولا قرأت عنه شيئا يعول عليه، وكان بإمكاني أن أرد عليه بما ردّت امرأة حزب الشعب ولكني تذممتُ من ذلك وقررت أن أقول شيئا افتريته من عند نفسي لأُلبِّي به رغبته، معتمدا في ذلك على مجرد الذوق السليم، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.
قلت له: حقوق المستهلك لاتعد ولا تحصى وكلها نتائج منطقية لصفات الحادث لملازمة له وهي الفناء والافتقار والعدم، وهذه الحقوق منها ما يجب على الأمة، ومنها ما يجب على الدولة، ومنها ما يجب على المجتمع الدولي، ومنها ما يجب على الفاعلين الاقتصاديين، ومنها ما يجب على المفعولين الاجتماعيين. أولى هذه الحقوق أن يكون له شيء يشتري به ما يستهلكه، وتحت هذا الحق تنضوي سياسة الدمج والقضاء على البطالة، وتوزيع الثروة بصفة عادلة، والرعاية الاجتماعية.
والحق الثاني: توفر المواد المستهلكة في الأسواق بالقدر الكافي بحيث لا يكون هناك عجز لا في الزمان ولا في المكان، وتندرج تحت هذا الحق سياسة التموين، وتغطية البلاد بشبكات الطرق، والحصول على العملة الصعبة لاستيراد مالا تنتجه البلاد، وتبني السياسة النقدية المناسبة لذلك.
والحق الثالث: أن تكون المواد المعروضة للاستهلاك خالية من جميع العيوب بأن تكون صحية مطابقة للمعايير المتبعة في ميدان الوقاية الصحية بحيث لا تكون منتهية الصلاحية أو فاسدة أو متسممة أو فيها إشعاع ذري أو لها مضاعفات لا تحمد على صحة البشر الجسمية والعقلية، ويدخل تحت هذا الحق سياسة الوقاية الصحية ومكافحة المخدرات والمواد السامة ورقابة الأدوية، ورقابة الموازين والمكاييل.
والحق: الرابع توفر المواد بأسعار معقولة بإمكان ذوي الدخل المحدود أو من لا دخل لهم البتة أن يحصلوا منها على ما يقيم أودَّهم، وهذا الحق من أصعب الحقوق تحصيلا لارتكازه في فضاء تضارب المصالح العامة مع المصالح الخاصة.
وعادة ما تقول الحكومات أن السعر نتيجة معادلة فيها متغيرات لا دخل فيها للدولة كارتفاع الأسعار دوليا، وهذه حجة لا تقنع المستهلك لأن من حقه أن يقول: إنما جعلت الدولة لتحل المشاكل ما ظهر منها وما بطن وما هو داخلي وما هو خارجي، فلنجعل ارتفاع الأسعار دوليا كظاهرة الجراد المهاجر، على الدولة أن تحاربه ولا عذر لها في كونه من جنود الله المجندة التي لا قبل لأحد بها.
ويستدعي تحصيل هذا الحق وضع سياسة للرواتب والأجور ومكافحة التضخم، والحد من غلواء الليبرالية الطّامة، وتشجيع آليات التكافل الاجتماعي، وإحياء مبادئ التضامن الاجتماعي التي بنيت عليها المجتمعات التقليدية، وقرارات هيئات النقد الدولية حتى تقبل بنوع من "أّنْسَنةِ" إجراءات الإصلاح الاقتصادي.
والحق الخامس: هو حق التكتل داخل هيئات نقابية للدفاع عن مصالح المستهلكين، وهذا حق يكفله الدستور فلا إشكال فيه.
والحق السادس: حق التظلم أمام الهيئات الرسمية من كل تصرف من شأنه المساس بحق من هذه الحقوق كالتواطئ بين التجار لرفع الأسعار، واحتكار المنتوجات وبهرجة البضائع بمظهر جديد وهي قد صنعت منذ عهد الفراعنة في الحقيقة، وغير وغير..
والحق السابع: حق إبداء الرأي حول كافة التشريعات والتنظيمات التي لها صلة بالتجارة والإيراد والإصدار، فذلك أدنى أن لا تصدر تشريعات أو تنظيمات فيها حيف على المستهلكين.
تلك سبعة حقوق هي أهم ما عثرنا عليه من حقوق المستهلك، ومن تأملها علم أنها في الحقيقة "واجبات" على المستهلك لأنها لو كانت مجرد حقوق لكان من حقه التنازل عنها، وحيث أنه لا يجوز له التنازل عنها لأنها من النظام العام الذي يرتبط به بقاء المجتمع فإنها إذن حقوق، وهذه نكتة قلما يتفطن لها من له عناية بهذا الشأن. بقي أن نشير إلى أن الاستهلاك ليس حكرا على المأكول والمشروب والملبوس بل تدخل في حقله المنتوجات الفنية والفكرية والأداء السياسي والأداء الحكومي.
فمن حق المستهلك أن يطالب بأن لا يعرض على أسماعه من الشعر إلا الشعر الجيد الجزل المطبوع، وأن يجنب رقى العقارب والغث السليخ المليخ العاري من الابرار، ضربة هنا وضربة هنالك.
ومن حقه المطالبة بموسيقى جميلة ينطبق عليها قول القائل:
رسا أصلها تحت الثرى سما بها == إلى النجم فرع لا ينال طويل
جمعت من الأصالة والحداثة في انسجام تام، وأن تصرف عنه تلك الصبخات الصاخبة الناصبة التي هي أقرب إلى المسخ منها إلى التجديد.
ومن حقه المطالبة بإبداع أدبي يبقى على مر القرون كما خلدت آثار الجاحظ والمعري والمتنبي، لا دراسات مُسِفّةٍ كُرَّت واجْتُرَّت وأهلها يحسبون أنهم يحسنون صنعا، بينما بقاؤها في الحقيقة بقاء الجريرة يوم أو يومان ثم تدفع إلى الماعز الداجن أو إلى التاجر ليلف فيها قبضات الملح والفلفل.
ومن حق المستهلك كذلك المطالبة بأداء سياسي جيد يفصل بين الثابت والمتغير في حياة الأمة، ويدرك فرق ما بين اللب والقشر، لا يقتصر أداؤه على الحملات والمواسم فيكثر عند الطمع ويقل عند الفزع، واسع الصدر يحترم الرأي الآخر ولو لم يتبنَّه، يحسن الحسن ويشجعه ويقبح القبيح ويهوّنه.
ومن حقه أيضا المطالبة بأداء إداري جيد بحيث تتوفر المرافق العمومية وينفذ إليها كل من يقول: أنا أسكن في موريتانيا.. فينعم بالماء والأمن والكهرباء والراحة والصحة والاطمئنان والتعليم والاحترام.
هذا ما نراه ولا ندعي أن الحقيقة حُبُس علينا.

نقلا عن وكالة الرائد