مشاهدة النسخة كاملة : تراجع غولدستون إضافة نوعية لصالح " نزع الشرعية " (خالد أبوعرفة)


أبوسمية
04-08-2011, 02:57 AM
تراجع غولدستون إضافة نوعية لصالح " نزع الشرعية " (خالد أبوعرفة)

في شهرنيسان 2009 عُين القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد غولدستون رئيساً للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة في انتهاكات الجيش الإسرائيلي خلال حربه على غزة في الفترة ما بين 27 كانون الأول 2008 وحتى 18 كانون الثاني 2009 ، وكان غولدستون قد عقب وقتئذ على ذلك بقوله إنه "صُدم باعتباره يهودياً، من تعيينه رئيساً لهذه اللجنة".
وشكل التقرير الذي أعده ريتشارد غولدستون "ضربة موجعة" لإسرائيل برغم ما سُمّي تراجعاً عن محتواه بعدما كتب غولدستون مقالاً في صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 1/4/2011 يقول فيه أنه " يعرف الآن عمّا حصل في الحرب على غزة في تلك الفترة أكثر مما كان يعرفه حين رأس البعثة الدولية، مضيفاً "ولو كنت أعرف يومها ما أعرفه الآن، لكان تقرير غولدستون وثيقة مختلفة".
وبرغم كون ريتشارد غولدستون قاضياً يهودياً، وبغض النظر إذا ما كان الأمين العام للأمم المتحدة "بانكي مون" قد رغب في خدمة إسرائيل من خلال تعيينه رئيساً للجنة الأممية، أم أنّ إسرائيل هي التي أصرت على تعيينه شخصياً دون أنْ تعلم أنّ تداعيات تقريره ستعمل عمل المصل المضاد لوعد بلفور، برغم ذلك فقد انتهجت إسرائيل سلوكاً عدوانياً تجاه نشاط اللجنة منذ اليوم الأول، فرفضت التعاون معها مما أجبرها على الدخول إلى قطاع غزة عبر مصر، وهناك لقي غولدستون تعاوناً من قبل الحكومة التابعة لحركة حماس .
ريتشارد غولدستون 71 عاماً، والذي ربما يكون أحد أهم ضحايا الحرب التي لم تذكر في التقرير، ذو أصل يهودي وله خمسة أحفاد، وترأس جمعية أصدقاء الجامعة العبرية في القدس بجنوب أفريقيا. وزار إسرائيل عدة مرات حيث تعيش إحدى ابنتيه منذ أكثر من عقد من الزمن. وشغل قاضياً بالمحكمة الدستورية لجنوب إفريقيا من 1994 حتى 2003 ، ومدعياً عاماً رئيساً في المحكمة الدولية التي كلفت بالتحقيق في جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة وفي رواندا، وشغل منذ سنة 1999 حتى 2001 منصب رئيس لجنة التحقيق الدولية في كوسوفو.
وكان التقرير قد تطرق إلى حصار قطاع غزة بالتفصيل، مؤكداً على أنه أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية وخلق حالة طارئة نتيجة إضعاف قطاعات الصحة والمياه والخدمات الأخرى أثناء الحرب. مشيراً إلى عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي، وقال إن عددهم تراوح بين 1387 و 1417 ، وأنّ نسبة المدنيين القتلى تثير قلقاً بالغاً حول الطريقة التي نفذت بها إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة. وذكر التقرير أن إسرائيل شنت عدة هجمات على مبان وأفراد، وأشار إلى اهتمام لجنة التحقيق خاصة بقصف مبنى المجلس التشريعي والسجن الرئيس في غزة، وأكد أنّ اللجنة ترفض الموقف الإسرائيلي الذي يرى في هذه المنشآت جزءً من "البنية التحتية الإرهابية لحركة حماس" مؤكدا أنه لا يوجد أيّ دليل على أنّ هذه المنشآت استخدمت في العمليات العسكرية. ومن ناحية ثانية أشار التقرير إلى أنه تحقق من حالات استخدم فيها الجيش الإسرائيلي المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية، منبهاً إلى أنّ هذا السلوك يُعد انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي ويشكل جريمة حرب. وانتقد التقرير كذلك استخدام إسرائيل لأسلحة بعينها مثل قنابل الفوسفور الأبيض والقذائف المسمارية، وقال إنه رغم أنّ القانون الدولي لا يجرّم حتى الآن استخدام الفوسفور الأبيض فقد وجدت اللجنة أنّ استخدامه في المناطق المأهولة كان "متهوراً بشكل منهجي". وفي مكان آخر أشار التقرير إلى هجمات الجيش الإسرائيلي على أسس الحياة المدنية في قطاع غزة، كتدمير البنية الصناعية التحتية والإنتاج الغذائي ومنشآت المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي والسكن. وهو ما يشكل - حسب التقرير- انتهاكاً للقانون الدولي العرفي، ويمكن أنْ يشكل جريمة حرب.
وكانت إسرائيل قد بدأت ردة فعلها على التقرير من خلال إصلاح أخطائها بالخطايا، فأعلنت حربها عليه منذ لحظة صدوره ، وشنّ الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس هجوماً لاذعاً على فحواه معتبراً أنه "انتصار مدوّ للإرهاب"، مدّعياً في مقابلة مع مجلة نيوزويك بأنه:"لم يسبق أبداً أن حصلت منظمة إرهابية على مثل هذا الاعتراف بمثل هذا الظلم". وزعم أنّ السبب في ذلك يرجع إلى ما اعتبره مشكلة كامنة بالأمم المتحدة، حيث "إن بها أغلبية مناهضة لإسرائيل، ولا يمكنها الفوز بأي تصويت لأن الدول العربية والإسلامية وما يتبعها من دول أخرى تمثل أغلبية" بهذه المنظمة ! وما هي إلا أيام حتى قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تأجيل التصويت على التقرير إلى الدورة التالية للمجلس!، وذلك بطلب من وفد السلطة الفلسطينية، حسب ما أكدته مصادر دبلوماسية وصحفية عربية وغربية وقتئذ.
وكعادتها في معظم الحالات المشابهة فقد سعت إسرائيل للضغط على غولدستون نفسه للتراجع عن تقريره، ورأت في ذلك فرصة نادرة لإبطال التقرير كمصدر تهديد لمنهجها العدواني، أو على الأقل للتأثير على درجة صدقيته. ولم تكترث إسرائيل إزاء احتمال أنْ يتحول تراجع غولدستون إلى ما يشبه الرافعة المتقدمة والإضافة النوعية لجهود المنظمات الدولية الساعية إلى نزع الشرعية عن إسرائيل. وحصل لإسرائيل ما أرادت بعدما نفد صبر رجل القانون اليهودي غولدستون بسبب الضغوط الهائلة التي مورست ضده، ولم يشأ أن يأخذ بالعزيمة ويثبت على موقفه كما فعلت الإعلامية الأمريكية "هيلين توماس" - صاحبة التاريخ الصحفي العريق والتي أشارت إلى سيطرة اللوبي الصهيوني على قرارات البيت الأبيض وطالبت الإسرائيليين بمغادرة فلسطين والعودة إلى حيث أتوا - فقد طالت الضغوطات والإبتزازات سمعته وأبناءه وأحفاده بما لا يعلم مداه إلا الله ثم مخالب الدبلوماسية الإسرائيلية المختلفة - وإن كنت أميل إلى أنّ غولدستون كان يعي ما يفعله، وأنه كتب تقريره مع سبق الإصرار، فهو رجل قانون بامتياز ويدرك ما معنى أنْ يقترب بأصابعه من النار الإسرائيلية - ولبيان مدى الضغوط التي أثقلت كاهله وفي تصريح للجيروساليم بوست قال غولدستون: "لقد وصفوني بأنني يهودي كاره للذات ومعاد لإسرائيل والصهيونية"، وأضاف: ليس هناك أي صحة لتلك الاتهامات، فأنا أحب إسرائيل وعملت لصالحها في العديد من المجالات"، وختم " ما يحزنني هو أنّ اليهود سواء داخل إسرائيل أم خارجها يعتقدون أنني لمجرد كوني يهودياً يجب أن لا أحقق مع إسرائيل!" . ولم تكتف إسرائيل من غولدستون إبداء الندم وإعلان التوبة بل دفعته إلى التهجم على ما وصفه "انحياز مجلس حقوق الإنسان ضد إسرائيل"! مجدداً تأييده لحق الدولة العبرية في الدفاع عن نفسها ضد أي هجوم خارجي أو داخلي"، وإنه يأمل بأن تبدأ مع التقرير حقبة جديدة من روح الإنصاف في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي لديه تاريخ لا شك فيه من الانحياز ضد إسرائيل"!
وتابعت إسرائيل هجومها الدبلوماسي لاستثمار ما ظنته فرصة ذهبية، فقد نقلت الإذاعة العبرية صباح الأحد 3/4/2011 عن مصادر في مكتب نتنياهو حسب ما أشار الكاتب السياسي نواف الزرو قولها "إن تصريحات غولدستون التي أكد فيها أن إسرائيل لم ترتكب جرائم حرب بغزة - حسب زعم الناطق - ستساعد إسرائيل كثيرًا في أي حرب قادمة على قطاع غزة في ظل توفر نفس الظروف التي سبقت الحرب الأخيرة من حيث إطلاق الصواريخ على جنوب الدولة"، مؤكدة المصادر: "أنه يجب استغلال تراجع غولدستون والتعاون معه في الوصول إلى كل مكان في العالم ليعطي الدولة العبرية الشرعية التي تحتاجها والتي فقدتها سابقاً لشن أي حرب قادمة في غزة أو لبنان". ولفتت شخصيات سياسية إلى أنه "يجب عدم مهاجمة غولدستون شخصياً الآن وعدم مطالبته بالاعتذار بل يجب العمل معه على تحسين صورة إسرائيل".
ويشير الكاتب الزرو إلى انتقال الجهود الدبلوماسية كالنار في الهشيم إلى مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين وإلى المنظمات اليهودية المختلفة في الولايات المتحدة حيث دعوا إلى إلغاء تقرير غولدستون في الأمم المتحدة، وقال البروفيسور ألن درشوبيتس الذي اعترض على غولدستون في حينه: "إنّ مقال غولدستون يجب أنْ يمنع أي إمكانية لإجراء تحقيقات دولية ضد إسرائيل التي يجب أن لا تكون في موقع الدفاع عن النفس".
يقف المراقبون في دهشة إزاء ما بات يغلب على الذهنية الدبلوماسية الإسرائيلية في الآونة الأخيرة من أساليب في التعامل مع القضايا الأكثر تهديداً لخياراتها الإستراتيجية، ولئن كان تقرير غولدستون شكل ضربة موجعة ل" الدولة الشرعية والواحة الديمقراطية الساعية إلى السلام"، فإنّ تداعيات التراجع عن التقرير مرشحة لتكون بمثابة الضربة القاضية بانتظار الشعرة القاصمة لظهر النظام، وذلك على غرار تزوير الحزب الوطني الحاكم في مصر لإنتخابات النصف الثاني من عام 2010 بحيث لم يفز أي حزب بأي مقعد على الإطلاق، فيما أسماه المراقبون وقتئذ بالمجزرة المهولة في حق الديمقراطية، الأمر الذي أنذر بتغير كبير قادم ، وهذا ما حصل بالفعل، وكانت عملية التزوير بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر النظام.
وتحتل "ظاهرة نزع الشرعية عن إسرائيل" المتفشية اليوم في الغرب والمتدحرجة ككرة الثلج أولوية لدى مراكز صنع القرار في إسرائيل والمحللين السياسيين والمهتمين في الشأن القومي، وكان مركز رؤوت الإسرائيلي المختص بدراسات الأمن القومي أول من أثار موضوع الظاهرة المذكورة وحذر من خطورتها، وذلك في دراسة أصدرها بداية العام 2010 ، حيث اعتبر المركز أنّ إسرائيل قد هزمت في العام 2009-2010 أمام جهود "منظمات نزع الشرعية عن إسرائيل" وفضح ممارساتها ومخالفة سياساتها للقوانين الدولية، والتي نشطت بشكل كبير في أجزاء مختلفة من أوروبا وبخاصة في بريطانيا وتحديداً في أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة نهاية العام 2009 .
وممّا لا شك فيه أنّ منظمات نزع الشرعية لن تفوت فرصة الإستفادة من تراجع غولدستون عن تقريره بضغط من السياسات الإسرائيلية ذاتها القائمة على الإرهاب والإبتزاز وتزييف الحقائق والمس بمصداقية القانون الدولي. وكان الكاتب الإسرائيلي إليكس فيشمان قد تعرض لهذه المخاوف في مقالة له في صحيفة يديعوت أحرونوت 4/4/2011 مؤكداً ومحذراً من "أنّ الحرب ضد نزع الشرعية عن إسرائيل هي الحرب الأكثر إشكالية من ناحية دولة إسرائيل اليوم ، ومحظور أن نخسر فيها"، حسب قول فيشمان.

نقلا عن المركز الفلسطيني