مشاهدة النسخة كاملة : الحوار كما أراه (النبهاني ولد محمد فال)


أبوسمية
04-08-2011, 02:42 AM
الحوار كما أراه (النبهاني ولد محمد فال)

في الفترة الأخيرة كثر المراهنون على حوار وطني شامل تلتقي مختلف الاتجاهات والطوائف على مائدته من أجل ترتيب أمور الوطن وإصلاح شأن العامة وتجاوز ما فات من الشحناء والبغضاء؛
غير أنه ما إن تم طرح هذا الفكرة حتى قفزت مجموعة من الأسئلة ليست بالقليلة إلى أذهان المتتبعين والمراقبين.. عن مدى مصداقية وجدوى هذا الحوار العتيد ومن يحاور من؟، ولما ذا لم تجنح السلطة إليه إلا عندما أحست بحبل الثورات يلتف حول عنقها شيئا فشيئا؟، وهل المعارضة كتلة موحدة يأخذ بذمتهم أدناهم وهم عون على من سواهم؟، وهل الأغلبية جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟، وتبقى أسئلة كثيرة..
في هذا المقال لن أجيب على هذه التساؤلات لأني بصراحة لا أملك أجوبة عليها، ولا أظن أن المعنيين بها يملكون أجوبة شافية لها، فنحن مجتمع لا يعرف غير "السؤال"؛ غير أنني سأعمد إلى رسم معالم الحوار الذي أرى أنه يمكن أن ينقذ البلد من وضعه الصعب الحرج ويخرجه من عنق الزجاجة إلى فضاء الحرية، وينتشله من ركل الأحذية الخشنة الداكنة.
أعتقد أن أي حوار يراد له أن ينفع العامة لا الخاصة لا بد له أن يتمحور في البداية حول آلية محددة وواضحة المعالم..بسيطة تمكن من التداول السلمي للسلطة ثم بعد ذلك يمكننا أن نبحث في بقية الأمور التي تهمنا كإرساء نظام سياسي عادل، نرتضي أن نحكم به، وصلاحيات الحكام، وحقوق وواجبات المحكومين.. إلى آخر ما يصبوا إليه شعبنا في مختلف المجالات؛ لكن مربط الفرس وبيت القصيد في كل أمرنا الآن هو "التبادل السلمي للسلطة"، فـ33 عاما من حكم "عصابة البزات" تكفي، فلم تحقق لنا الحرية والتنمية وكنا طيلة سنينها العجاف نتسلى بأسماء قادتها ونتحدث عن أيهم أقل سوءا، كنا دائما متفقون على أن الخلف أسوء من السلف، رغم أن السلف كان ينقصه كل شيء إلا السوء، حتى وصلنا اليوم إلى أسوئهم بدون جدال.
لقد تعودنا طيلة هذه الفترة المظلمة من تاريخنا أننا كلما أصابنا ملل من وجه من يحكمنا من هذه العصابة.. تضرعنا إلى الله أن يسلط عليه زميله رغم أننا ندرك أننا نستجير من الرمضاء بالنار؛ لكن ذلك كان الطريق الوحيد للتبادل الشكلي على الأقل لأفراد العصابة على السلطة.
لقد جمدنا خلال كل هذه الفترة الطويلة أحلامنا في الحرية والتنمية والتقدم والعدالة والمساواة والمواطنة... وبقينا نتفرج على العصابة وهي تتبادل الأدوار وتعبث بنا جاعلة من أمتنا العظيمة فئران تجارب لآخر ما تفتقت عنه عبقريات القادة الأشاوس المحدودة من هياكل تهذيب الجماهير إلى التكوين المهني أوالمهين، واليوم لم يعد أمامنا كثير الخيارات.
لقد حانت لحظة فرض حل يمكن كل موريتاني تتوفر فيه الشروط من أن يكون بمقدوره قيادة هذا الوطن وتسنم أعلى مراكز صنع القرار، ولكي نحقق ذلك لا أعتقد أن الحوار الاكلاسيكي الذي يبشر به البعض اليوم سوف يمكننا من ذلك... فالنظام الحاكم في انواكشوط اليوم ينتمي إلى فصيلة نادرة من الأنظمة الدكتاتورية المتصلبة لا تقيم للحوار وزنا ولا تؤمن إلا بمصالحها الشخصية، ويمكن لها أن تتراجع عن التزاماتها وتواقيعها في أي لحظة.. نظام بخيل يضن بنصف ابتسامة غير مشرقة على أغلبيته الداعمة له فما بالك بمن يخالفه.
ثم إن المعارضة التي سوف تكون محاورا رئيسيا لا تمثل إلا نفسها، وهي لا تعدو مجموعات اديلوجية محنطة تعيش خارج الزمان والمكان، وتحيى من أجل تحقيق ثأر شخصي أو أفراد كانوا يوما ما يتمتعون ببعض الاحترام من بعض أهل هذه الأرض، فلم يحسنوا التصرف مع الشعب والوطن فطلقهم الشعب ثلاثا، وأي تواجد للمعارضة في أي حوار لن يكون مجديا لأنهم لا يبحثون إلا عن مصالح شخصية آنية، ثم إنهم بعيدون عن واقع الناس وقد فاتهم القطار، والمتفحص لما سرب أخيرا على أنه رؤيتهم للحوار يدرك ذلك، فحين تجدهم مثلا يطالبون بحل الحزب الحاكم يتبين لك مدى تغفيلهم، إن أبسط العامة يدرك أنه لا وجود لحزب حاكم هنا، وأن ما يسمى مجازا بالحزب الحاكم هو مجرد مجموعات من المنتفعين وسماسرة العصابة الحاكمة، وحلهم ليس مطلبا، فهم مستعدون للانتظام في أي شكل طبيعي أو غير طبيعي، إنهم أشخاص ومجموعات قابلة للتفكك وإعادة التركيب كلما طلب منهم ذلك، وعلاجهم يكون بحظر العصابة الحاكمة وتفكيكها ورميها بعيدا .
إن الحوار الذي سوف يحل مشاكلنا هو اجتماع الشعب كله وخروجه بشكل سلمي وعارم تحت مطلب واحد يقول إن ثلاثا وثلاثين عاما من العبث تكفي وعليكم أن ترحلوا وتتركوا هذا الشعب يقرر مصيره... فالزمن الشعبي أطل وعهد حكم العصابة ولى.. إن هذا هو الحل، ويمكن تحقيقه ببساطة وبأقل الخسائر خصوصا في هذا المناخ الإقليمي الثائر، أما ما يطرح من حوار بين السلطة والمعارضة فهو التفاف على المطالب الحقيقية للتغيير الحق، ومحاولة للاستفادة من عامل الوقت حتى ينقلب الأمر من حال إلى حال، إنه لعب في الوقت الضائع حتى وإن هللت له المعارضة المهترئة، وصفقت له الموالاة التي ذابت في حضرة خاتم الدكتاتوريين الموريتانيين.

نقلا عن الأخبار