مشاهدة النسخة كاملة : المساواة وتطبيقاتها فى الاسلام (محمد محمود ولد ابريهمات)


أبو فاطمة
04-05-2011, 02:40 AM
المساواة وتطبيقاتهافى الاسلام (محمد محمود ولد ابريهمات)

المساواة عدم التمييزبين الناس وهى قيمة انسانية ومطلب اجتماعى و أساس قيام المجتمعات واستمرارها فقدروي عن الحكيم اليوناني( امبيدواقليس) أنه عرض عليه طلب بأن يأذن فى منح قطعة أرض لبعض الحكماءليقيم بهاضريحالأبيه الذى كان أعظم أطباءعصره فامتنع من ذالك وقال;( انه ينافى المساواة التى هى أساس الجمهورية اليونانية فلاينبغى فيهااظهاررفعة أحدعلى اخر).
وانقطاع المساواة يؤدى لأفظع فوضى ويفتح الباب أمام دعاة الفرقة والاختلاف فى ظل شعورالبعض بالنقص والدونية وشعورالبعض الاحربنزعة عرقوية تنكرالاخروتضخم نفسهاوتعطيهاالتفوق والأحقية فى كل شئ دون وجه حق ولايعنى تحقيق المساواة اهمال مواهب وقدرات البعض التى اكتسبهالأن الله تعالى ركب للانسان طاقات هائلة تمكنه من الأرتقاءفى مدارج الحياة لكن البشريختلفون فى توظيفهاوبذالك يكون التمايزبينهم مستنداالي معان ووجوه من كسبهم وسعيهم وعملهم الصالح .وتختلف المجتمعات فى نظرتهاللانسان فالفرس الرومان واليونان كانوايجعلون الأمة أربع طبقات; سادة وأوساطاوسفلة وعبيداويخصون كل طبقة بخصائص لايطمع غيرأهل تلك الطبقة فى المشاركة فيهارغم مايبلغونه من الكفاءة لمزاحمة أهلهايقول الفيلسوف اليوناني( اكليوبول); يجب على كل أحدأن يعيش على قدرطبقته لتسلم المملكة من الحماقة.
وتخيلواأن الدماء الأدمية تختلف وأن حقوقهاتبعالذالك تتفاوت فلهذه الطبقة من الحقوق ماليس لتلك ولهذاالدم أن يحكم وأن يورث الحكم فى أبنائه وليس لأحدمن العامة أن يعترض والاكان جزاؤه الطردعلى يدالحكام من الحياة بالموت والطردعلى يدرجال الكهنوت من رضوان الله ويتأكدذالك من خلال الحوارالذى جرى بين( رستم) قائدجيوش الفرس أيام القادسية وبين( زهرة بن حوية) أحدأفاضل جندالمسلمين يومذاك اذسأل رستم زهرة عن معنى الاسلام فقال زهرة فى كلامه; ان الناس بنوادم اخوة لأب وأم فقال رستم انه منذولى (اردشير)لم يدع أهل فارس أحدامن السفلة يخرج من عمله لأن الذى يخرج عن عمله قدتعدى طوره وعادى أشرافه فقال زهرة نحن خيرالناس للناس فلايمكن أن نكون كماتقول بل نطيع الله فى السفلةولايضرنامن عصى الله فينا.
وفى عرب الجاهلية كان الناس ثلاث طبقات سادة وسوقة وعبيداويجعلون دية القتيل من السادة مضاعفة دية السوقة ويسمونه التكايل فى الدماءفيقدردية السيدبعشرة من السوقة أوخمسة أواثنين وكانوالايسودون الموالى ولايدون قتيلهم ولايخولون للعبيدالالتحاق بالأبطال ولايعلمون للعبيد والاماءمايعلمون للأحرارمن الرماية والثقافة والصيد ولايتعيرون من وقوع الفاحشة فى الاماء ويسمى (البغاء)وبهذاالواقع التعس أنحلت العزائم وفترت الهمم وصارالناس يدورون فى فلك ضيق وصارالعزوالرفعة ميراثايصل للأبناءعن طريق ابائهم وأجدادهم كماصارالفقروالشقاء ميراثا لقوم اخرين لايعدوهم.
وجاءالاسلام ليشكل قطيعة مع عهوداللامساواة وفتح الباب أمام الجميع للمشاركة الفعالة وأتاح لكل انسان الحق فى الوصول الى مايطمح اليه اذاشمرعن ساعده وبذل الجهدالمناسب وبين أنه ليست مكانة محتكرة لبعض دون اخربل الكل مؤهل فرضوان الله تعالى يمكن أن يحصل عليه كل من سلك طريق النبي والصحابة الكرام قال تعالى( رضي الله عنهم ورضواعنه ذلك لمن خشى ربه).وقدروى مسلم عن أبى ذرالغفارى أن ناسامن فقراءالصحابة قالوا يارسول الله ذهب أهل الدثورالاجوريصلون كمانصلى ...قال (أوليس جعل الله لكم ماتصدقون به ان لكم بكل تسبيحة صدقة ...)وروى أنهم رجعوابعدحين فقالوايارسول الله سمع اخوانناأهل الأموال بمافعلناففعلوافقال (ص)( ذلك فضل الله يوتيه من يشاء)فلم ينه أهل الأموال عن الزيادة من الحسنات بذكرالله ولم يجعل ذلك الذكر خصوصية للفقراء .وأبطل الاسلام كل تميزلامبررله فقدكان العرب فى الجاهلية اذاحجوايقفون بعرفة وكانت قريش تمتاز بالوقوف بموضع يقال له (مجمع) فأنزل الله( ثم أفيضوامن حيث أفاض الناس) وكانت أيضاقريش أومن دان بدينهاويلقبون( بالحمس )اذاأحرموايتأممون أن يدخلواتحت سقف حتى يحلوا فكان من يريدمنهم دخول بيته يتسلق البيت من خلفه فأنزل الله( وليس البر بأن تاتوا البيوت من ظهورها)كماأبطل حكم (التكايل) فقالت كبشة بنت معديكرب ترثى أخاهاوتعرض بابطال حكم التكايل
فيقتل جبرابامرئ لم يكن له
بواءولاتكايل فى الدم
وتنطلق شريعة الاسلام فى نظرتهاللمساواة من منطلق أن البشرمتساوون فى الخلقة وهم بالتالى متساوون فى اعتبارالشريعة وحقوق الحياة بحسب الفطرة ولاأثرلمابينهم من اختلاف الالوان والأجناس ومحاسن الصورفنشأعن هذاالاستواءاعتبارالتساوى فى حق الوجودالمعبرعنه بحفظ النفس وحفظ النسب وفى وسائل العيش المعبرعنه بحفظ المأوى وحقوق القرارفى الأرض وفى أسباب البقاءعلى حالة نافعة المعبرعنه بحفظ العقل وفى حفظ العرض وفى الانتساب للمسلمين المعبرعنه بحفظ الدين .فجاءت المساواة بهذاالمعنى فى مقامين ايصال الحقوق واقامة الشريعة .فقدكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاعلى تثبيت المساواة فى نفوس المسلمين وايصال الحقوق وكان قدوة عملية فى تطبيقهافى نفسه فقدطعن( سوادابن غزية) بقدح سهم (لانصل له ولاريش) فى بطنه وهومكشوف ليستوى فى الصف يوم بدرفقال قدأوجعتنى فأقدنى فكشف له عن بطنه ليقتص منه فطفق يتمسح به وكان ذلك توسلامنه للتوصل الي هذاالشرف العظيم واذن الناس قبل موته بأنه من كان له حق عنده فليطلبه واذاكان ضرب أحدافليقتص منه وأذن لرجل أن يضربه يومافقال الرجل انى كنت عارى الكتف أوالظهرفألقى له الرداءعن عاتقه الشريف.
وفى الصحيح أن (الربيع بنت النضر)لطمت جارية فكسرت ثنيتهافطلب أهل الجارية القصاص فأمربه النبي( ص) فجاء(أنس ابن النضر)أخوالربيع وقال يارسول الله والذى بعثك بالحق لاتكسرثنبة الربيع فقال رسول الله( كتاب الله القصاص )فلم يزل أنس يقول ذلك للنبي (ص) فاذابأهل الجارية جاءواراضين( بالأرش )فقضى به النبي (ص) وتطالعنافى هذاالخضم قصة (جبلة ابن الأيهم) فى زمن عمرابن الخطاب وجبلة اخرملوك غسان أسلم لمافتحت الشام وسكن المدينة وحج فبينماهويطوف وطئ رجل من فزارة ثوبه فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسرثناياه فاستعدى الفزارى عليه عمرابن الخطاب فقال له عمر:اماأن يعفوعنك الفزارى واماأن يقتص منك فقال: أيقتص منى وأناملك وهوسوقة فقال عمر:قدشملك واياه الاسلام فماتفضله الابالعافية والتقوى فقال جبلة: ماكنت أظن الاأن أكون فى الاسلام أعزمنى فى الجاهلية قال عمردع عنك هذا فلمارأى الجدمن الخليفة قال: أنظرفى أمرى الليلة ورحل بليل والتحق بالشام ثم بالقسطنطينية فتنصروبقي عندقيصرولم يكن ذلك يؤسف له لأن التهاون بأصول الاسلام أضرعلى الاسلام من خروج بعض أتباعه منه فالاسلام متكامل لايقبل ( يومنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض) .كماأن النبي صلى الله عليه وسلم كان صارمافى اقامة الشريعة وكبح جماح المترفين المرتهنين فى عوائدالجاهلية الذين يجرون الدماروالخراب ويعيثون في الأرض فساداالمؤمنين بالطبقية في أبشع صورهاففي منطقهم أنه ليس كل أحديعاقب وليس كل أحديتجاوزعنه فربماتركواالبعض وعاقبواالبعض الاخروتزدادالعقوبة فى جانب الشدة والقسوة كلماازدادالمذنب فى جانب الضعف وأن صنفامن الناس خلق ليسودغيره ويصعدفى مدارج الرقى وأن غيره أدنى منه وينبغى أن يسمع له ويطيع
.لذلك كان( ص) حازمافى شأن المرأة المخزومية التى سرقت حليافى عهده فلماأراداقامة الحدعليهاعظم ذلك على المهاجرين وقالوا:من يشفع لهاعندرسول الله فقالوا:من يشفع لها الاأسامة فتكلم أسامة معه فغضب صلى الله عليه وسلم وقال :(أتشفع فى حدمن حدود الله) ثم قال: انماأهلك الذين من قبلكم أنهم كانوااذاسرق فيهم الشريف تركوه واذاسرق فيهم الضعيف أقامواعليه الحدوالله لوأن فاطمة بنت محمدسرقت لقطعت يدها)وبذلك قررأنه لم يبق لأحدمطمع فى الافلات من العقاب كائنامن كان .كماردعلى كل من يختلج فى نفسه مايتنافى مع هذاالمبدأالسامى فعندماتخافت البعض طاعنافى امارة أسامة قال( ص):( ان تطعنوافى امارته فقدكنتم تطعنون فى امارة أبيه من قبل وأيم الله ان كان لخليقابالامارة وان كان لمن أحب الناس الي ...)كماغضب عندمابلغه أن أباذرقال لرجل أسود(ياابن السوداء)قال( ص):( طف الصاع طف الصاع ليس لابن البيضاءعلى ابن السوداءفضل الابالتقوى أوبعمل صالح) ويقول عمرفى رسالته الى أبى موسى الأشعرى (اس بين الناس فى وجهك وعدلك ومجلسك حتى لايطمع شريف فى حيفك ولاييأس فقيرمن عدلك ....)ان الاسلام دين المساواة والسعة والسهولة والتقدم والسعادة مهذب للأخلاق مصلح للقلوب مجردللانسان من التأله والعبادة وهودين الحياة الاجتماعية الراقية ويكره ارتطام الناس فى المتاهات والغياهب ولذلك لم يدع الى مساواة معصوبة العينين تعطى كل الناس بمقدارواحدمهمااختلفت قدرة كل منهم وقيمة عمله .فالمساواة الاسلامية ردعلى الامتيازات الطبقية وبذلك انفرط عقدالحيف والظلم واحتقارالانسان ...وانماأصاب الأفرادوالاسروالمجتمعات من تفكك كان بسبب الابتعادعن القيم التى نشر الاسلام شذاهاوجهلهم بهاوبذلك عادالمجتمع الى شريعة الغاب بأشكال ناعمة الملمس مؤذية للضميروالوجدان.

نقلا عن السراج الإخباري