مشاهدة النسخة كاملة : التعارض الوظيفي بين الهيئة القضائية لاتحاد المغرب العربي والمحكمة العليا


ام خديجة
04-04-2011, 11:05 AM
التعارض الوظيفي بين الهيئة القضائية لاتحاد المغرب العربي والمحكمة العليا


بقلم ذ/ الشيباني ولد اجدود عون قضائي
تعد الهيئة القضائية لإتحاد المغرب العربي إحدى المؤسسات المنبثقة عن الإتحاد ونوعا من تجسيد اللامركزية في هيئاته بتوزيعها بين أعضاء الاتحاد ويتم التعيين فيها عن طريق الانتخاب إذ تنتخب كل دولة ممثليها وأحيانا يتم تعينهم ويحصل الموظف علي مجموعة من المزايا المادية والمعنوية وهو يحمل جواز سفر دبلوماسي .

أما المحكمة العليا فهي أسمي هيئة قضائية تشرف علي باقي درجات القضاء وتمارس رقابتها عليه ولرئيسها أهمية خاصة يستمدها من القانون إذ يتم تعيينه من ذوي الكفاءات المشهود لهم بالنزاهة وهو في ذالك يخضع لمقتضيات النظام الأساسي للقضاء من حيث عدم القابلية للعزل والاستقلالية وحرية القرار والتعارض الوظيفي .

ولما كانت ممارسة القضاء تتطلب التجرد والاستقلال والبعد عن التأثيرات التي من شانها النيل منه كان علي المشرع أن يمنع علي القاضي ممارسة أي عمل في مصالح عمومية أخري خارج نطاق عمله بل ذهب إلي أكثر من ذالك حيث تتعارض وظيفة عضو في المجلس الأعلى للقضاء مع عضوية الحكومة والبرلمان والمجلس الدستوري والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والإعارة لأي قطاع آخر وفي هذا بيان واضح أن الهيئة القضائية لاتحاد المغرب العربي هي احدي الهيئات التي تتعارض وظيفيا مع رئاسة المحكمة العليا .

إن دولة لا تحترم قوانينها والنظم المعمول بها والمتواضع علي احترامها لهي أشبه بالغابة تحكمها المصالح الضيقة والأنانية وإني أدرك تماما أن القائمين علي هاتين المؤسستين هم أقل القانونيين شأنا وأكثرهم هتكا وانتهاكا للقانون ؛ وما كان تعيين بعضهم علي رأس الأولي إلا بعد فشله في إدارة المفتشية العامة للقضاء والسجون وبعد كشف مخططاته الشوفينية لتصفية مجموعة من القضاة في الفترة الانتقالية والإصرار علي إمضاء استقالاتهم طوعا أو كرها مستغلا في ذالك دور بعضهم في خلافات بعض المحامين مع نقيبهم في حادثة شهيرة تمتزج فيها السياسة بالبجاحة ( الإنحدار الأخلاقي ) وتسويق ذالك لوزيره النقيب السابق ؛ وقد كانت تلك الحادثة دليلا علي حاجة القائمين علي القضاء المتجردين من المشاعر الضيقة أن يبعدوا أمثال هذا الرجل عن الحقل القضائي إن لم يعيدوا فصله عنه

فكان تعيينه علي رأس الهيئة القضائية المغاربية إبعادا له عن الشأن القضائي حتى يظل القضاء في مأمن من الزبونية والطائفية اللتين إتسم بهما منذ وضعه علي رأس القضائين (الواقف والجالس ) فكانت أولي خطواته إبعاد 70 قاضيا الي الوزارة بحجة عدم القدرة علي مسايرة الإصلاح في تناقض صارخ مع تقرير اللجنة العليا لإصلاح القضاء والتي أوصت بتعزيز الكادر البشري بنحو 120 قاضيا ومعلوم أن الحكومة في تلك الفترة قد سارعت إلي فتح باب الإعارة القضائية لتعويض النقص الحاصل في القطاع ويأتي الإعلان عن اكتتاب 50 قاضيا ليفضح الأراجيف والأضاليل بأن القطاع إنما بحاجة إلي النقص لا الزيادة وإن كان ولا بد من الزيادة فعلي مستوي الفرقة الأمنية والجوقة الماجنة التي تدور حوله .

وهنا لا بد أن أقف علي عتبة السياسة الإصلاحية الإقصائية للقائمين الجدد وهي سياسة بطبيعة الحال لا ملامح لها ولا أهداف ولا نقاط ارتكاز ولا تهدف إلي شيء أكثر من تدجين القضاء وجعله أداة في يد السلطان وأبناءه وزوجاته وحاشيته يحركونه كيف يشاءون لأنهم بكل بساطة لا يرعون فيه إلاً ولا ذمةً .

لكن التطورات المتسارعة التي أعقبت أزمة الرئيس ولد الشيخ عبد الله مع النواب والتي انتهت بالإطاحة به ساهمت في رسم موريتانيا الغد التي تعززت فيها سلطة الفرد وتغليب الحاشية والعصبة علي مصالح العامة ووضع غير الكفء في المنصب الرفيع وضرب الحائط بالثوابت التي لا تخدم مصالح القبيلة والجهة وتلك بيئة تنمو فيها الأرواح الشريرة وتخرج مسكوناتها من النزعات العنصرية والطائفية والإقصائية والتي أفضت الي تحويل القضاء إلي مسرح للتحزبات والمنابر والإنعاشات الشعرية في جو من الصرامة والجدية يحسبها الظمآن ماء .

إننا والحالة هذه لا نملك إلا أن نذكر بخطورة أن يخرج القضاء علي ضعفه و اختلالاته -وهو الركن الركين والسند العنيد - إلي مستنقع الاتهامات وتصفية الحسابات و تجذير النفاق والتملق خدمة للفرد المنفرد بالعصا والجزرة .

وإنني أتساءل متي يصحو رئيس البلاد ويتأمل ما حوله من الديناصورات الفتاكة بكل شيء حتي قيم الإنسان والتي تحكم باسمه أو بالأوامر العليا . أم أن الثورات الشعبية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والشعور المتنامي بالظلم والحيف والأخذ بالظن كفيلة بجعله يدرك عمق المأساة و إنه بذالك لا يختلف عن من أدركها بالفهم كزين العابدين أو بالوعي كحسني مبارك أو قبل كل ذالك بإيمان فرعون حتي إذا أدركه الغرق .


نقلا عن الأخبار