مشاهدة النسخة كاملة : الدي بن آدبة للسراج:ترشحت للبرلمان مرتين وهجرتي كانت أكاديمية(المقابلة)


ام خديجة
04-01-2011, 12:23 PM

الدي بن آدبة للسراج:ترشحت للبرلمان مرتين وهجرتي كانت أكاديمية(المقابلة)

http://img694.imageshack.us/img694/8290/sans20titre3.jpg

إدي بن آدبه شاعر موريتاني تنفسته شنقيط ذات يوم فظل يحمل عبقها الشعري وتاجها العلمي ووقارها المحتشم..عشق الكلمة وأدمن مسامرة ربات عبقر فأصبح ربيب القوافي وسيد النغم الجميل...بهدوء الأصيل وزمجرة العاصفة تلقى بن آدبه فيغمرك بشره وشعره وتسمع عنه فلا يخيب ظنك في شاعر/رجل علق طيب أخلاقه بنفسك أول مرة..

ما زال يؤمن بفاعلية الكلمة وسحر الجمال..ينظر للكون من عدسة القصيدة فيرى ملامح النشأة الأولى للأخلاق والخلائق..ناقد بصير وشاعر قدير وأستاذ للأدب في أعرق الجامعات المغربية"محمد الخامس"..حبه للجمال دفعه للبحث في الأدب الأندلسي فأطل من "جسر العتيق" بقرطبة قبل أن يسمى"بوينتي رومانو" وخطا حافيا على أزهار بساتين اشبيلية وسرقطسة..التقته السراج في غربته الأكاديمية كما يريد أن يسميها بمدينة الرباط وأجرت معه الحوار التالي:


ـ السراج: أهلا وسهلا بك في موقع السراج الإخباري، فرحتنا كبيرة بإتحاف القراء بهذه المقابلة التي ستكون متميزة إن شاء الله، عادة يبدأ الصحافة بالسؤال عن البطاقة الشخصية، لكن دعنا نكسر الروتين فنبدأ من النهاية، ماهو آخر نص تكتبه؟



ـ ادي بن آدبة: آخر قصيدتين كتبتهما هما"أنا سيد الثورات" التي نشرت في بعض المواقع الإلكترونية الموريتانية خلال هذا الشهر، والتي تعتبر رجع صدى لأصوات الشارع العربي الثائر، والثانية هي"ارحل..حروف السر" و تقول الأخيرة:



إرحلْ.. نشيدُ الأرضِ..صَوْتُ العُرْبِ..أصْــــ

ـــداءُ السَّمـــاءِ.. بهـا تَضـجُّ.. وتَلْهـَجُ

إرحلْ.. حُداءُ البيد.. مَزْمُـورُ المًــــــــــدَا

ئِــــنِ..شَهْقةُ المَوْتِ.. الحياةِ.. تَلَـجِْلـجُ

إرحلْ.. تَبَـارَكَ في الشفـاهِ..لهيبُهـــــــــا

وعلى الخُـدودِ.. وُرودُهــا.. تَتـَوَهَّجُ

إٍرحلْ.. خِضـابٌ في اليَـدَيْنِ.. وَبَصْمَـــةٌ

للثــائــــراتِ..الثـــائريـــنَ.. تُــرَوّجُ

إرحلْ.. عِصـابَةُ جَبْـهَةٍ.. حَسْــنا.. وَتــا

جٌ.. لِلْفخـار.. بهِ الشعـــوبُ.. تُتَـوّجُ

إرحلْ.. غَدَتْ أيْقونَةَ الدُّورِ.. الشـــــــوا

رع..عُوذةً.. تَحْمِي الصّدُورَ..وتُثْلِجُ

إرحلْ.. يَسُـوغُ الخبْزُ.. إنْ كُتِبَـتْ عَلــيْــــهِ..

لَدَى الجِيَاع.. العِزُّ.. خبْزٌ..أنْضَجُ

إرحلْ.. بها الأعْــلامُ تَصْطبغُ ..الرُّؤَى

تحْــــيا.. فتنبَعِثُ الضمــائرُ.. تُنْسَجُ

إرحلْ.. بُـراقٌ.. نَحْوَ سِـدْْرَةِ مُنْتَـهَـى الـــــــــــآ

مال.. يَسْـري بالشعـــوب.. ويَعْرُجُ

إرحلْ.. حـُـــرُوفُ السِّـرِّ.. تُبْـدٍعُ ثوْرَةً

مِفتــاحُ سِحْر.. لا بـــلاطَ .. سَيُرْتَجُ

يا سِمْسِمُ افْتَحْ .. كَنْزُ {بَابَا} .. لَمْ يَعُدْ

لَكَ وَحْدَكَ..ارْحلْ..لن يَدُومَ المَخْرَجُ




ـ السراج: قبل أيام قال الروائي المغربي محمد الأشعري لقناة الجزيرة تعليقا على الثورات العربية الحالية"إنها محاولة لإعادة إنتاج الجمال الإنساني"، برأيك هل يمكن الربط بين الثورة والجمال أم أنها فذلكة لغوية لا غير؟



ـ إدي بن آدبه: كلمة الأشعري تعبير عن مكنون شعوره، لأنه عاش فترة طويلة فوق كرسي الوزارة، نسي خلالها رونق هذا "الجمال الإنساني" الكامن في النضال الشعبي، وقد ذكرته هذه الثورات – بعد خروجه من الوزارة – بما نسيه أو تناساه من التاريخ النضالي لحزبه الذي استمرأ طعم السلطة بعد دخوله حكومة التناوب.





أما بالنسبة لي أنا فإن الثورات جميلة دائما، طالما كانت أهدافها سامية ومشروعة وبعيدة عن المناورات ذات المآرب الشخصية، وقد ظل هذا الجمال الإنساني للثورة يعتمل في وجدان أفراد قلائل، يعبرون عنه مهما احلولكت الظروف السياسية من حولهم، قابضين على الجمر قانعين برمض الرصيف مع الحرية والشرف، مقابل الكراسي الوثيرة التي قلما يقتعدها إلا من دفع ثمنها صمتا أو تلمقا أو نفاقا.





وقد من الله علي أن جعلني أحد أولئك المتأبين على الانسياق مع تيار الطمع والخنوع في حلكة السنين العجاف، وانطلاقا من هذا الطرح لايكون لـ "محاولة العودة" معنى إلا بالنسبة للأشعري ومن على شاكلته، أو ربما تكون ذات معنى إذا أريد بها عودة الثورات الشعبية الجماعية، لأن هذه- حقيقةً - كادت تتلاشى منذ سنين، تحت ظل القمع والتدجين المتبعين من طرف المستبدين، حيث تزعزعت أقدام السياسيين والشرفاء عن مواقع الانتماء والمبدإ رغبا أو رهبا.




ـ السراج: ـ الدكتور إدي منذ عقود وأنت تسامر الحرف وتعانق القصيدة وتقيم بين ربات عبقر، وحسب نشرة أخبارك الشخصية أعلنت أن:
ربات عبقر قاسمـــــــتني موثقا
إن بعت شعري ضيعت عنواني
هل هذا الميثاق خصتك به ربات عبقر أم أن كل شاعر قد أخذن عليه موثقا من الشعر ليلتزمن به أو تضيع عنوانه، وهل ترى أنك وفيت لربات عبقر بالعهد الذي أخت عليك؟





ـ إدي بن آدبه: أعتقد أن ربات عبقر تبرم مواثيقها مع الشعراء كل على انفراد، بدليل أن ميثاقها معي لم يحضره غيرنا، وقد تم أمام محكمة واحدة غير مرئية هي محكمة الضمير.



ويبدو لي أن ملهمات الشعر-من"التوابع والزوابع"- يتجاذبها الشيطاني والروحاني، فالزمرة الأولى تمدُّ الشعراء في غيهم وتُزيُّنُ لهم سوء أعمالهم، فلا تقطع عنهم مدد الإبداع وحتى لو جرَّمتهم محكمة الضمير الحي إذ تجد بعض الشعراء المتزلفين لا مشاحة في عبقريتهم الإبداعية المبتذلة، أما الملهمات الروحانية فهي تجتبى من يوافق جمال إبداعه جمال مُثُله، وقد تعززها في ذلك حتى الملهمات الشيطانية، حين يُعْجِزُهَا أنْ تَسْتَزِلَّ هذا النوع من الشعراء فلاتضن عليهم –دائما- بإلهامها الإبداعي.



ومهما يكن فأنا أعتقد أني وفيت لربات عبقر، فلم أبع – يوما –شعري، خشية أن تضيع عنواني، ومع أن هناك ملهمات – كما قلت-لاتُغاضِبُ مُلهَميها.



مهما يكن، فأنا أحب أن يكون موقعي – دائما- بعد " إلا " من "سورة الشعراء" كما يقول أحدهم، وأذكر أن واحدا من لجنة التحكيم في أمير الشعراء، حين سمعني في قصيدتي "نزيف مشاعري" استمطر إلهاماتي – مرة – "من يد الرحمن" ، ومرة من "ربات عبقر"، سألني: أيهما يلهمك، الشيطان أم الرحمن؟ فقلت: هما معا.ـ السراج: أنت شاعر وناقد وهاتان الصفتان تمنحانك إمكانية الإطلال على القصيدة من أفق النقد والتماهي مع روحها في لحظة الإبداع، ما هو تعريفك للشعر وماهي نظرتك للنقد؟ـ إدي بن آدبه: الشعر يتأبى على التعريف، لأنه سر شارد يصعب الإمساك به، لاندرك كنهه، مهما لهثنا خلفه، فأنا:" أدْمنتُ..مذْ فتَحَ الوجودُ عليَّ عيْنيْهِ ...الرّحيلَأُطاردُ المََعْنَى..فمِنْ حَاءٍ ..إلى باءٍومِنْ باءٍ.. إلى حاءٍتطوُّحُ رحلتيما أوْسَعَ الآفاقا !وإذا كان لابُدَّ من تعريف له،فأنا لا أومن بتسميات العمودي والحر والحديث والمعاصر...لعدم كفايتها الوصفية، ولذلك فضَّلْتُ تعريفي له بـ"الشعْر الحار"، ونظريتي النقدية أيضا – إن كان يمكن تسميتها بذلك – تدور حول الحرارة هذه.




ـ السراج: كنت قلت في مرة سابقة أن الوطن المتأزم لابد للمواطن من الثورة عليه أو الهجرة عنه، وقد هاجرت أنك فهل ترى أنه على الشعب أن يثور؟





ـ إدي بن آدبه: أذكر أني كنت أمهد بهذه المقولة لتناول مدرسة الأدب المهجري خلال تدريسي إياها طلابَ الباكلوريا سنواتِ التسعينات.وما زلت أومن – كما كنت – أن الوطن إذا ضاق بأبنائه أو ضاق أبناؤه به لا يكون لهذا الوضع المأزوم غير حلين: الثورة من الداخل أو الهجرة، وهذا ما تبناه حتى الأنبياء المرسلون مع أوطانهم وأممهم.



أما أنا فرغم عدم رضاي المستمر عن واقع وطني لاعتقادي جازما بأن "في الإمكان أفضل مما كان" ومايكون، فإن هجرتي تعتبر علمية أكثر منها سياسية لأنني فرَرْتُ من شظف التدريس إلى شظف الدراسة، ولم أطلب لجوءً سياسيا في الغرب أتمتع فيه برعاية اقتصادية ومظلة حقوقية تحمي كامل حرياتي لأبدأ في إطلاق التصريحات وتدبيج المقالات من داخل الفنادق المصنفة وإنما ظللت داخل الوطن أطلق التصريحات وأدبج المقالات والقصائد كلما أمعن الآخرون في الصمت أو التطبيل أو التضليل.



بل أني ترشحت مرتين للبرلمان مستقلا لا لأحصل على مقعد هناك مسروق – يومها – بالتزوير، وإنما لأسوق خطابا انتخابيا يختلف عن نعيق الغربان وهذيان الببغاوات ونئيم البوم وتلون الحرباوات السائد في تلك المناسبات، لأقدم بذلك مثالا للشباب في تحدي هيمنة القبيلة وحزبِ الحاكم المستبد وموميات الأحزاب "المعارضة" الهشة ولم أكن أكتب ولا أترشح مناورة من أجل "مقايضة المواقف بالمواقع" كما يفعل بعضهم.



وحتى بعد هجرتي "العلمية"، ظل قلبي خفاقا بنبض واقع الوطن الخاص والعام، ولم أضع عن عاتقي عصا الصعلوك "تأبط أوراقا" المتمرد داخلي، ولم أغمد قلمي شعرا ولا نثرا في أي عهد من العهود، وخصوصا في أكثرها ضغطا في التسعينات ومنتصف العقدالأول من هذا القرن،حيث كنت في هذه الفترة أستشعر الوحدة والوحشة على دربي، إذ لا أكاد أسمع فيها أي شاعر يسايرني في رفضي المعلن لقبح الواقع السياسي لوطننا.





فقد كانت بقية الشعراء الشرفاء وهم قلة – تكتفي – غالبا – بعدم الانضمام إلى جوقة النفاق لائذين بالصمت، وإذا ما نبست مرة فمن وراء حجاب الرموز والأقنعة.



أما بخصوص رأيي حول ثورة الشعب فهي ستظل حقا وحلا ما دامت وفق الضوابط القانونية إذ الساكت عن الحق شيطان أخرس.




ـ السراج: كيف تنظر للثورات التي يلتهب بها العالم العربي الآن وهل ترى أنها ستحقق طموحات الإنسان العربي في الحرية والكرامة؟





ـ إدي بن آدبه: هذه الثورات سبق أن صنفتها في مقالي"سياسة النار ونار السياسة" ضمن الظواهر الطبيعية الغلابة، مثل: الأعاصير والفياضانات والبراكين التي تنفجر فجأة بشكلٍ عاتٍ، ولكن بعد تراكم احتباس حراري يخضع لقانون فيزيائي معروف يسمى: "التغير من الكم إلى الكيف"، فهذه الثورات الآن رد فعل طبيعي لتراكم كمي طويل محكوم أيضا بقانون فيزيائي آخر مفاده أن الانفجار يكون على قدر الضغط.



وأنا أعتقد مبدئيا – أن السعي في تحقيق الحرية والكرامة مطلوب ومرغوب لذاته، بغض النظر عن تحقق المطامح والمطامع المتوخاة.



هذا مع أن بعض هذه الثورات قد حققت الحسنيين معا، فسعت إلى الحرية والكرامة، ودخلت – فعلا – في طور تحقيق الأهداف، بينما لا يزال بعضها في طور الطلب، ولم يحقق مآربه بعد، علما بأن تكسير جداري الصمت والرعب خطوة جبارة في سبيل نجاح هذه الثورات واستمرارها، فهو -إذًا-لايقل شأنا عن تحطيم "جدار برلين".


ـ السراج:هل تصنف نفسك في تيار سياسي معين، وأي هذه التيارات أقرب لك..اليساريون..القوميون..الإسلاميون؟



ـ إدي بن آدبه: أنا لا أصنف نفسي في تيار سياسي أو إيديولوجي مما ذكرتَ ولا من غيره لأني أضيق بالخانات المرسومة مسبقا. وأنفر بطبعي من عبادة الأشخاص، وتقديس آرائهم وطروحاتهم لدرجة اعتقادها تنزيلا صالحا لكل زمان ومكان، لاسيما أن بعض متبعي أصنام الإيديولوجيات أسمى ثقافة وأرجح عقلا وأعمق فكرا من أوثانهم المعاصرة أو هكذا يفترض فيهم، وذلك ما يؤكد وجه الشبه مع عبدة الأصنام القدماء، حين كانوا يصنعونها بأيديهم من الصخر وحتى التمر...ثم يَخرّون عليها عاكفين، زد على ذلك أن هذه الخلفيات - مهما كانت صلابتها أو هشاشتها - قد تشوهتْ على يد أغلب ممارسيها، حيث حولوها إلى إعلانات فوق واجهات تجارية لمزاد علني أو سرى في بعض الأحيان.





ورغم أنني لم أنتم أبدا لحزب سياسي أو تيار إيديولوجي، فإنني أرى هويتي الذاتية مُرَكّبَة من أجمل ما في هذه التيارات، فأنا إسلامي طبعا في معتقدي وسلوكي ما استطعتُ، وقومي بانتمائي ثقافيا وحضاريا، ويساري في ثوريتي وتعاطفي مع الطبقات المظلومة، ولكن بدون استغلال سياسي لأي خلفية من هذه.


ـ السراج: يقول عنك البعض إنك تكثر الشكوى من ظلم الدولة الموريتانية لمبدعيها ومن اعترافها بالشعراء الذين يخضعون لنظرية"الغذاء مقابل الشعر"فقط ..هل هذا صحيح وكيف؟





ـ إدي بن آدبه: شكواي من إهمال الدولة لمبدعيها صحيح وأرجو أن لا يكون فيه إزعاج لمن يتحدثون عن إكثاري منه، لأنني لا أفعل ذلك مزايدة أو ابتزازا وفق ما سميته "مقايضة المواقف بالمواقع"، حسب التكتيك الرائج، فأنا لا أريد شيئا لنفسي من وظائف هذه الدولة وامتيازاتها، رغم أنها حق لكل المواطنين، ولكنني زاهد في هذا الحق الطبيعي ما دام مرهونا بأشياء أخرى تناقض قناعاتي وقيمي، كل ما أريده أن تولي دولتي اهتماما بالثقافة عموما والمبدعين خصوصا، لأن أي تنمية لاتضع الثقافة في صدارتها، هي سفينة جانحة بلا رُبّان. ويكفي أن أعطي في هذا السياق مثالين هما: إهمال الشاعر المبدع ببهاء ولد بديوه في المجال الأدبي وإهمال العقل العبقري المرحوم يحي ولد حامدن في المجال العلمي حيث توفي في الخارج ونقل إلى وطنه ودفن دون أي موقف رسمي.


ـ السراج: الأستاذ إدي دعني أسألك نيابة عن الجمهور ...ماذا يفيد الشعر؟





ـ إدي بن آدبه: الشعر يفيد الكثير فهو يطعم الأرز والشعير لمن يتخذه "عَلاَّفَةً وبه يتنفس الأحرارُ هواءَ الحرية النقي، وأحيانا يتخذونه كمامة واقية من خطر الغازات السامات التي تلوث صفاء الحياة والمُثُل، وأحيانا يضعونه عدساتٍ سحريةً يرون من خلالها جمال الوجود المشوه بأيدي سَدَنَةِ المادة وعَبَْدَةِ الغرائز:



إنّ الوجودَ بدون عينيْ شاعرٍ جدْبٌ..كئيبٌ..باهتُ الألوان



إن الشعر – يا سيدي – ضرورة وجودية، وليس مجرد ترف فكري أو فني، وبقدر ما تُشْبعُ العلومُ والحِرَفُ حاجاتٍ إنسانيةً عقلية ومادية، تشبع الفنون حاجات إنسانية جمالية روحية نفسية، لا يستغنى الإنسان عنها إلا إذا تخلى عن إنسانيته، وقديما قيل"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، بل إنه حتى الحيوانات لاتكتفي بالعلف بل تمارس الشعر بطريقتها فحنين الإبل وهديل الحمام وزقزقة العصافير ما هي إلا تعابير فنية تبوح بها العجماواتُ عن إحساسها فرحا وشجنا فما بالك بالإنسان؟!


ـ السراج: ـ أصدرت حتى الآن ديوانين أحدهما بعنوان "تأبط أوراقا" يحكي أحاجي المسؤولين وحكايات الشباب الباحث عن كرامة، والآخر بعنوان "رحلة بين الحاء والباء" أي رحلة تبدأ ببداية الحب وتنتهي بنهايته ما الذي يجمع بين العنوانين وهل ينتظمان في تجربة واحدة؟



ـ إدي بن آدبه: ديوناي : "تأبط أوراقا" و "رحلة بين الحاء والباء" وجهان لعملة واحدة، هي: أنا ، فهذا المتابط أوراقه سلاحا في مواجهة قبح الحياة في هذا الزمن الرديء هو الصعلوك الراحل أبدا "بين الحاء والباء" بحثا عن المرفأ الأجمل والأمثل والأكمل.



فهما – إذن – ينتظمان في تجربة واحدة كما أشرتَ في سؤالك لأنّ الأول لا يمثل "أحاجي المسؤولين" وإنما هو صوتي المنطلق من الداخل إلى الخارج من الذات إلى الموضوع، بينما الثاني هو صوتي المنبعث من الداخل إلى الخارج من الموضوع إلى الذات.



وبما أن الموضوعي والذاتي – في عالم الشعر – يتماهيان أكثر مما يتمايزان، فإني قرّرْتُ أنْ أنشر الديوانين معا، في الطبعة الأولى حتى لا يطالع القارئُ أحدَ وجهيْ تجربتي الشعرية مستقلا عن الآخر، وقد كتبت قصيدة "هذا أنا " لتكون فاتحة شعرية للديوانين معا، تقدم – عبر حواريتها – قراءة لهما ترجح الوصل على الفصل إلا أنهما نشرا قبل إدراجها.


ـ السراج: ماذا عن البدايات الأولى لشعرك هل تذكر أول مرة تلقي قصيدة أمام الجمهور؟



ـ إدي بن آدبه: لقد بدأت علاقتي بالشعر – ربما – قبل وجودي بحكم السر الوراثي المحمول في الجينات السابحة في دمائنا، وقد أخذت تتبلور منذ النشأة الأولى، استجابةً للنزعة الذاتية والبيئة الحافة إلا أنني لم أكتب أول قصيدة مكتملة الخصائص الأساسية إلا منذ 1982 أثر مجزرة صبرا وشاتيلا.



وقد كنتُ خجولا لا أُسْمِعُ شعري إلا لإخوتي، وكثير منه لا أبوح به لغيري، واستحضر في هذا السياق أنني بعد مجيئي لانواكشوط 1984 لتحضير شهادة الباكلوريا، شاركت في مسابقة شعرية حول "محو الأمية"وقد أحرزت الرقم الأول وكان الشاعر محمد بن زروق هو الرقم الثاني وعندما دعينا لإلقاء قصائدنا ليلة السهرة لم أجد الشجاعة لمواجهة الجمهور فخرجت من الحرج بلباقة حيث طلبت الأستاذ الصحفي الدد محمد الأمين السالك مقدم تلك الحلقة أن يلقي قصيدتي بالنيابة عني مسوغا ذلك بجمال صوته الجهوري، مع أن الخجل – حقيقة – هو الذي تولّى كِبْرَ ذلك التكليف.



وبعدما نجحت في الباكلوريا 1986 شاء القدر أن يكون ضمن ناجحي دورتي: ببهاء ولد بديوه، وأبو شجة، ودخلنا الجامعة معا.



ورغم أنني كنت أحرز الدرجات الأولى فإنني تخرجت من الجامعة دون أن أشارك ضمنها في أمسية شعرية وهكذا كانت أول مرة ألقى فيها أمام الجمهور سنة 1990 بعد دخولي المدرسة العليا للتعليم عبر أمسية نظمها طلابها، ورغم أن قلبي كاد يتوقف عندما اقترب النداء باسمى، فإن الرهبة تبددت بعدما صعدت المنبر، وقد تجاوب الجمهور مع قصيدتي وإلقائي بشكل عجيب فاجأني، وشجعني أيضا على المشاركة في مسابقة شعرية نظمتها المدرسة العليا،في إطار الحفل الختامي للعام الدراسي،حيث أحرزت الرقم الأول وألقيت قصيدتي أمام الجمهورفي حفل كبير للمرة الثانية.



ومن هنا توطدت علاقتي مع المنبر والميكرفون والجمهور، مع بقايا رهبة ما تزال تعتريني – قبل الإلقاء – لايشعر بها غيري.


ـ السراج: نظرية الشعر الحار أو "الإبريقية" تحدثت عنها في أكثر من مناسبة ماهي مقومات تلك النظرية وما أسسها الفكرية والنفسية والشعورية وهل سبقت إليها انت أم "اشطاري" في عنوانها المشهور؟



ـ إدي بن آدبه: نظرية "الشعر الحار" أفضل أن أسميها بيانا – كباقي البيانات الشعرية المتناسخة منذ عصر النهضة الأدبية إلا أن الفرق بين رؤيتي "للشعر الحار" وبين أخواتها هو أن تلك البيانات كانت تنطلق من خلفيات ايديولوجية أو جمعوية توفر لها الدعاية وتنفخ فيها، وهذا ما تفتقده أطروحة "الشعر الحار".



وعلى كل حال لاتقترح هذه الرؤية مقومات وأسسا فكرية أو نفسية بديلة، بقدر ما تبحث عن تحقق الحرارة في المقومات الفنية المتعارف عليها في مفهوم الشعرعموما، بحيث تسري روحا خلاقة في المعجم والتركيب والإيقاع والصورة والعاطفة والفكرة والبنية العامة للنص، لأن كل هذه المقومات - إذا أنجزت بادرة- لا تمنح القصيدة صفة الشعرية أبدا، مما يعني أن الحرارة هي السمة الألصق بماهية الشعر، فبدونها لايشفع له كونه عموديا أو حرا أو قديما أو حديثا .. وإذا تحققت فيه لا يضره – أيضا – وصفه بأية واحدة من هاتيك الصفات.



وأعتقد ان جريدة "أشطاري" أخذت المصطلح مني، فأنا أطلقته أول مرة في إحدى أمسياتي بالمركزالسوري سنة1997أو حين سئلت :هل تقول الشعر الحر؟ فأجبت: أقول: الشعر الحار، وتطرقت إليه عبر لقاءاتي في التلفزة، وفي أمسيات أخرى، وبمعرفة بداية استحداث ركن "شعر حار" في "اشطاري" يتبين السابق من اللاحق، وعلى كل حال أنا لم استق هذا المصطلح من هذه الجريدة وإنمااقتبسته من معجم النقد العربي الذي كان يستخدم الحرارة عرضيا في وصف التجربة الشعرية دون أن يعطيها حقها في منظومة عمود الشعر.


ـ السراج: مقولة أصبحت مملة لدى البعض "موريتانيا بلد المليون شاعر"، ما هو تقييمك للقصيدة الموريتانية المعاصرة؟



ـ إدي بن آدبه: مقولة "بلاد المليون شاعر مبالغة مجازية بدون شك "إلا أن الأسطورة لا تنبت من فراغ فلا بد لها من واقع قابل للأسطرة وهذا ما تمثله العلاقة الحميمة بين الموريتاني والشعر قرضا ورواية وتلقيا فهي التي بهرتْ بعثة مجلة العربي الكويتية 1967 فأطلقت هذه التسمية عنوانا لتقريرها عن البلد.





أما بالنسبة للقصيدة الموريتانية المعاصرة فإن علاقتي بها لاتسمح لي بتقييمها الموضوعي لأن انشغالاتي الأكاديمية في السنوات الأخيرة - خارج الوطن – لم تسمح لي بالتتبع الدقيق لمسار هذه القصيدة إلا أن الملاحظة العامة التي يمكنني تسجيلها هي أن هناك تجددا وحيوية في سيرورة الأجيال، فالشعر اليوم يتدفق على ألسنة الشباب أكثر منه عند أجياله خلال السبعينات والثمانينات والتسعينات.





فمنذ العقد الأول من هذه الألفية الثالثة انتعشت الملكات الشعرية الشبابية في بلدنا بوتيرة أسرع، وبمستويات جيدة في غالبها إلا أن المطلوب في هذه الطفرة – هو عدم استسهال الشعر لأنه "صعب وطويل سلمه ..."، ولايكفي فيه الموهبة الفطرية بل لابد من تعزيزها بخبرة واسعة متجددة بثقافة الشعر، وامتلاك محكم لأدواته إضافة إلى الحرص على تَمَيُّز كل صوت شعري عن الآخر لأن إعجابنا بعضنا ببعض لايقتضي أن نكون نسخا طبق الأصل فالبصمة طابع وجودي "صبغة الله" المميزة في أصابعنا وعيوننا وأصواتنا وحركاتنا التي لايطابق بعضها بعضا ولهذا يجب أن نبصم تجربتنا الخاصة بميسم ذواتنا كتابةً ورؤيةَ وإلقاءًَ.


ـ السراج: كيف تقيم أداء النقد الأدبي الموريتاني وهل هناك ما يمكن أن يطلق عليه حركة نقدية موريتانية؟





ـ إدي بن آدبه: الحركة الشعرية في موريتانيا منذ القدم كانت متقدمة أشواطا على الحركة النقدية الخجولة التي لم ترافقها يوما بشكل جدي أحرى أن تقودها وترتاد لها آفاق الإبداع وأغلب ما يمارسه الموريتانيون اليوم من النقد هو أعمال جامعية لا يتوخى منها أصحابها – في الغالب – إلا التخرج ولو بميزة مقبول، ومع الاعتراف لبعضها بالجودة والجدية إلا أن أصحابها لم يواصلوا الممارسة النقدية الأكاديمية الاحترافية بل النقد السائد لدينا مجرد انطباعات شفوية متسرعة في البرامج التلفزيونية هذا إضافة إلى مقالات نادرة يغلب عليها طابع المجاملات لهذا أو تصفية الحسابات مع ذلك وكلا الوجهين مرفوض أكاديميا.





ولعل أهم الأعمال النقدية الموريتانية الجادة - بعد أطروحتي ابن حميدة وجمال ولد الحسن حول الشعر القديم:نشأة وأساليب، ودراسة المختار ولد الجيلاني حول أجرومية النص الموريتاني الحديث – هي أطروحة الدكتور:محمد ولد عبدي حول: السياق والأنساق في الثقافة الموريتانية "الشعر نموذجا"، حيث حاول هذا الأستاذ - ولا زال يحاول – رصد التجربة الشعرية الحديثة في موريتانيا عبر سيرورتها الإبداعية، وتصنيفها ضمن نماذج نظرية مبتكرة قادرة على استيعاب تنوعها وتمايزها، كان قد دشنها في كتابه "ما بعد المليون شاعر"، عندما صنف أجيال الشعراء في تيارات، إلا أن دراسته للسياقات والأنساق مثلت ذروة عطائه حتى الآن، إذ ابتكار النماذج النظرية النقدية لا يحسنه من العرب إلانقاد قلائل، كأستاذنا د.محمد مفتاح مثلا، ولا يتأتى إلا بعد قراءة معمقة في النقد عموما، وفي المدونة المدروسة خصوصا، حيث ينبثق منها النموذج ويستوعبها في الوقت ذاته.





وعندما تتواطأ عدة جهود في هذا الاتجاه مركزة على الخصوصية المحلية لإبداعنا يمكن أن ننتج – بعدئذ – ما تصح تسميته بالنقد الموريتاني المنتظر.



وفي هذا الصدد نتوقع من الأستاذ الشيخ ولد سيدي عبدالله أن يكشف لنا الحجاب – بجديته المعهودة- عن مجهول النقد الموريتاني القديم تصورا وممارسة، من خلال أطروحة دكتوراه حول هذا الموضوع ليسد فراغا معرفيا ظل قائما، ويضيف حلقة كانت مفقودة إلى سلسلة أعمال سابقيه.


ـ السراج: المسابقات التليفزيونية التي غزت العالم العربي في الأعوام القليلة الماضية، هل ترى أنها خدمت الشعر والذوق الأدبي والإبداع أم استخدمتهم؟





ـ إدي بن آدبه: نعم خدمتْ الشعرَ والذوقَ الأدبي والإبداعَ، واستخدمتها أيضا، فهي تحفز الإبداع حين تجعل الشاعر على منبر مفتوح أمام الملايين،في جو مشحون بالتنافس الخلاق بينه وبين صفوة نظرائه من العالم العربي،فتخدم الشعر من خلال ذلك، ومن خلال تقديمه إلى المشاهدين في نسخة عكاظية جديدة، تساير تطور العصر فنيا وإخراجيا وسيرورة وانتشارا،كماأنها تصقل الذوق من خلال التنافس والنقد المثار حوله، داخل مسرح التباري وخارجه، فترةَ الموسم وبعده، فكل هذا فيه خدمة لهذه العناصر،إلا أن الاستخدام أيضا حاضر في ذهنية الجهات المنظمة ترويجالأسمائها، وتسويقا سياسيا وسياحيا لبلادها،مع ما في ذلك من استثمار اقتصادي لمن يجنح إلى ذلك.


ـ السراج: على طريقة أسئلة صحافة الاستطلاع، لو طلبت منك أن تذكر الشعراء الموريتانيون الخمس من الناحية الشعرية بالنسبة لك..من ستذكر؟





ـ إدي بن آدبه: تصنيف الشعراء الأحياء لا بد أن يغضب بعضهم، مع أنه صعب لأن لكل شاعر زوايا إبداع تخص به وهذا الحكم لا يلزمني إلا في مقام الدراسة الأكاديمية حيث تنبذ الأهواء ظِهْريًا وليس المقام هنا بذاك وأنت تعرف أن لكل مقام مقالا.


ـ السراج: أنت الآن على مشارف نقاش بحث دكتوراه عن الشعر الأندلسي وهو شعر ذو خصائص فريدة في رقته وجماله إذ يعتبر في بعض مستوياته شذى من حدائق قرطبة وعبق من نسمات إشبيلية وسرقسطة، ما هي المستخلصات التي ستخرج بها أطروحتك؟



ـ إدي بن آدبه: أولا إن أطروحتي بعنوان "المفاضلات في الأدب الأندلسي: الذهنية والأنساق"، وانطلاقا من قراءة وحدات العنوان يتجلى أنها لاتقتصر على الشعر وحده، وإنما تطال مشمول الأدب الأندلسي مطلقا وهذا سر صعوبتها إلا أنه يتيح لصاحبها أن يكون تخصصه في الأدب الأندلسي مفتوحا غير محدود بفن ولا عصر ولا قطر داخل الفضاء الأندلسي الفسيح البديع العجيب.





هذا إضافة إلى أن عملي يتغيا البرهنة على أن"المفاضلة" ذهنية تخترق جميع الأنساق الأندلسية: بيانا ومكانا وزمانا وإنسانا وأديانا، فكل هذه العناصر التي تشكل هيكل الأطروحة تجاورتْ وتحاورتْ بشكل لم يسبق أن أتيح لها من قبل.





وقد جاء كل باب وكل فصل وحتى كل مبحث يجسد أطروحة في حد ذاته بحسب الإشكالية التي يثيرها ويتخذها عنوانا إلا أن هذه الأطاريح المتعددة تتناغم كلها في إطار"المفاضلات"الأطروحة الأم، حتى لكأن هذا العمل يحاول إستعادة "الفردوس المفقود"، وبعث مجتمعه المنقرض وتركيب إبداعه الشتيت وفق ذهنية ناظمة حتى لا أقول: جامعة مانعة.


ـ السراج: بحكم إقامتك في المغرب وما أتاحت لك تلك الإقامة من معرفة بالمجتمع المغربي ما هي مظاهر الارتباط اللهجي والاجتماعي بين المجتمع المغربي والمجتمع الموريتاني؟





ـ إدي بن آدبه: مظاهر الارتباط اللهجي والمجتمعي، بين المغرب وموريتانيا موجودة،وإن كانت أكثر على مستوى اللهجة منها على مستوى العادات الاجتماعية، مع أن خيوط الارتباط هذه- لهجيا واجتماعيا - تنسج اللحمة العميقة لمختلف الشعوب المغاربية والعربية عموما، نظرا لللغة الموحدة والدين المهيمن والعرق السائد والتاريخ المشترك.



وقد لا تبدو هذه الخيوط واضحة بما فيه الكفاية إلا بالنسبة للباحث المولع بتفكيك اللهجات وإعادة شواردها لمواردها الأصلية المهووس بفحص العادات والتقاليد والذهنيات بمجهر الخبير البصير وهذا ما لا يتاح إلا لمراكز البحوث المتخصصة في هذا الشأن، لأنه يتجاوز مجهود الفرد والموضوع - على كل حال - مغر وجدير بالبحث.


ـ السراج: اسمح لي إدي أن أسأل نيابة عن الجمهور، أين نصفك الآخر؟



ـ إدي بن آدبه: نصفي الآخر ارتحلتُ خلفه من الحاء زمنا طويلا وما زال ينتظرني عند الباء وأعتقد أنني بعد اكتمال الرحلة الأكاديمية بإضافة دالها المكتسب إلى دالات إسمي الأصلية سوف تكتمل- أيضا- بنية وجودي، فأنا رغم اعترافي في قصيدة "رحلة التوق" بأن: " لـقا المرأة الحلم صعب المنال"، قد تَنَصّتُ ذات مرة – سامحني الله – على جدينا: آدم وحواء، وهما في "نجوى الغرام الأولى" - إحدى قصائدي- فسمعته يبوح:



قد كنتُ أشْعُرُ أنّ نصْفى ضائعٌ

أيعيشُ نصْفٌ؟ لا يعيش من أنشطرْ

حــوّاءُ يا معْنَى وجودي آدمٌ

لــولاك لمْ يُخْلقْ ولو خُلقَ انتحرْ


ـ السراج: شكرا لكم

ـ إدي شكرا لكمأ


نقلا عن السراج