مشاهدة النسخة كاملة : التشريعيات المقبلة.. أي برلمان ستحمله عواصف الإنتخابات؟(سيدي عبد القدوس بن احمد المكي


أبو فاطمة
03-31-2011, 02:16 PM
التشريعيات المقبلة.. أي برلمان ستحمله عواصف الإنتخابات؟(سيدي عبد القدوس بن احمد المكي)

لم يتابع الموريتانيون، سواء داخل الوطن أو خارجه، التلفزة الموريتانية بقدر ما تابعوها خلال شهر دجمبر2010. لا يعود سبب هذا الاهتمام والمتابعة إلى برامج جديدة استحدثتها هذه المؤسسة الإعلامية أو إلى إنتاج مسلسلات تاريخية وطنية يجد المشاهد نفسه في أمس الحاجة إليها، وإنما يعود الأمر إلى بث التلفزة الموريتانية لجلسات الجمعية الوطنية. التي عرفت آخر جلسة لها خلال سنة 2010، نقاشات ساخنة، دارت رحاها بين نواب من المعارضة وبعض نواب الأغلبية من جهة وأعضاء من حكومة مولاي ولد محمد لقظف من جهة أخرى,
إن هذا الحراك السياسي الراقي داخل إحدى غرف البرلمان، ليبين بجلاء مدى أهمية الديمقراطية كنهج وممارسة لبلد نام كموريتانيا. بيد أننا ونحن ننتظر انتخابات تشريعية باتت على الأبواب يحق لنا أن نتساءل ما إذا كان بإمكاننا الحفاظ على برلمان مثل برلماننا الحالي تمثل فيه كل الاتجاهات السياسية.
ولد البرلمان الحالي من رحم تجربة وصفها المراقبون المحليون والدوليون بالفريدة أعقبت انقلاب 3 اغسطس2005 الذي أطاح بنظام، الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.
لقد تبنى المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، وهو هيئة عسكرية بقيادة مدير الأمن في حقبة معاوية ولد سيد احمد الطايع. تولت مقاليد السلطة، استيراتيجية هدفت إلى خلق قطيعة مع الماضي. تمثلت هذه الإستيراتيجية إذن في تعيين حكومة تكنوقراطية محايدة، منعت أعضاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية من المشاركة في أي استحقاقات انتخابية. كما نظم المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية أياما تشاورية كللت باقتراح تعديلات دستورية أفضت إلى نقص المأمورية الرئاسية إلى خمس سنوات بدل ست، وكذا اقتصارها على فترتين لا يمكن تجاوزهما. وفي إطار الإستيراتيجية الرامية إلى خلق قطيعة مع الماضي عمد المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية إلى تفكيك أكبر الأحزاب السياسية آنذاك، الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، الذي كان يرأسه الرئيس المطاح به معاوية ولد سيد أحمد الطايع. لقد شكل الحزب الجمهوري وعاء سياسيا تخندقت داخله رموز نظام ولد الطايع بجناحيها السياسي والمالي، مما بات يهدد بعودتها في أي انتخابات تشريعية ورئاسية ستقام. لقد أدرك المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الخطر الذي يهدد مشروعه السياسي فبادر إلى وضع خطة مستعجلة نجحت فيما بعد في تفكيك هذا الحزب من خلال تشجيع الترشحات المستقلة.
لقد أدى تفكيك هياكل النظام السياسي الذي كان قائما قبل الثالث من أغسطس2005 إلى خلق جو مكن الجميع من التنافس بحظوظ متساوية، هذا المناخ التنافسي الجديد، قد منع معظم رموز النظام الذي كان قائما من الترشح للاستحقاقات التي أجريت، أما من تجرأ وترشح فقد اصطدم في الغالب بحائط الرفض الشعبي.
شكل هذا المنعطف التاريخي في الحياة السياسية الوطنية، فرصة سانحة لبعض الأحزاب السياسية، وريثة الحركات الأيديولوجية التي كانت موجودة في الساحة. لقد شكلت هذه الحركات الأيديولوجية خزانا تلجأ إليه الأنظمة العسكرية المتعاقبة لتشكيل حكوماتها، كما كانت عصى تستخدمها لضرب الحركة بالأخرى، كما اتسم تاريخ هذه الحركات المؤدلجة وعلى مختلف توجهاتها بالتحالف مع جميع الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على الحكم منذ العاشر من يوليو1978.
لقد وجدت الأحزاب المؤدلجة من شيوعيين وناصريين وإسلاميين الفرصة سانحة في اختبار قوتها داخل الساحة السياسية بعد فترة طويلة من الاختباء وراء مترشحين مستقلين، ومدى تمثيلها للشعب الذي طال ما ادعت تمثيلها له منذ أكثر من ثلاثة عقود، منتهزة فرصة الفراغ السياسي الذي خلفه تفكيك بنية نظام ولد الطايع من جهة، وباعها الطويل في العمل السياسي من جهة أخرى. فخرج حزب اتحاد قوى التقدم برئيسه محمد ولد مولود، ورشح الناصريون ورفاقهم في حزب التحالف الشعبي التقدمي الزعيم مسعود ولد بولخير، في حين وقف الإسلاميون المعروفون آنذاك بالإصلاحيين الوسطيين خلف مرشح حزب "حاتم"، صالح ولد حننه، فكانت الحصيلة مخيبة لهذه القوى السياسية العتيدة. فحصل المرشح الأول على نسبة4%، وحصل المرشح الثاني على نسبة 7%، في حين حصل المرشح الثالث على نسبة 5%. لقد حصلت هذه القوى العتيدة مجتمعة على نسبة 16% إنها نسبة هزيلة بالمقارنة مع تاريخها النضالي.
في مقابل الأحزاب ذات البعد الأيديولوجي، شارك في الانتخابات حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض والمترشح المستقل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، المدعوم من قبل مجموعة من النواب والشخصيات المستقلة المتحالفة مع جيل الضباط الجدد.
يعتبر حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض بقيادة أحمد ولد داداه، حزبا ديمقراطيا بكل المقاييس، فهو لا يقوم على أساس أي أيديولوجية عربية أو دولية، مما كان متعارف عليها ايام الحرب الباردة، كما أن ميلاده جاء بعد رياح الديمقراطية، التي هبت على البلد مع بداية التسعينات، كما كان صادقا في معارضته لنظام ولد الطايع. لقد حصل مرشحه أحمد ولد داداه على
نسبة 20%.
بالإضافة إلى نتيجة مرشح تكتل القوى الديمقراطية، حصل المترشح المستقل سيدي محمد ولدا لشيخ عبد الله على نسبة24% في حين تقاسم النسبة المتبقية بعد هذه الكتل الساسية، مجموعة من المترشحين المستقلين السابحين في فلك المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، كان من أبرزهم المترشح الزين ولد زيدان الذي حصل على نسبة 13%.
أكدت هذه الانتخابات التي شهد لها الجميع-في الداخل والخارج-بالنزاهة وهنأ المترشح الخاسر فيها المترشح الفائز، بما لا يدع مجالا للشك الخطر الذي تشكله الممارسة الديمقراطية الصحيحة على طبقة سياسية ظلت لردح من الزمن، تهيمن رفقة المؤسسة العسكرية ممثلة في الجيل القديم من الضباط على المشهد السياسي الوطني.
لقد ظل طرفا المعادلة السياسية أي الحركات الأيديولوجية والأنظمة العسكرية الاستثنئاية في تحالف صامت، يتقاسمون بموجبه المكاسب السياسية والنفعية للحكم دون أن يكون لذلك أثر إيجابي على المواطن الموريتاني. أدركت-إذن- الأحزاب السياسية ذات الجذور الأيديولوجية أو على الأصح ما تبقى من الحرس القديم للحركات الأيديولوجية فداحة الخطأ الذي ارتكبته بذهابها بشكل علني وزجها بمرشحين منها في انتخابات الكلمة الفصل فيها للشعب، عكس ما كانت تفعل في الماضي من دعم لشخصيات مستقلة أو ذات وزن قبلي.
هكذا إذن أفرزت المؤسسة العسكرية جيلا متوسطا من الضباط اعتلى سدة الحكم، فاتجه بالبلد نحو ديمقراطية قد تشبه في أسوإ حالاتها النموذج التركي فصار الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وحل محل الحركية والعمل السري الوزن الانتخابي. أفقد هذا الوضع الجديد بقايا الحركات الأيديولجية قيمتها السياسية، لتفقد بذلك جميع مكاسبها. في المقابل أسفرت الانتخابات عن ميلاد طبقة سياسية شابة، متمثلة في نواب الجمعية الوطنية بدأت تتلمس لها موطئ قدم على الخارطة السياسية، متكئة في مسعاها على تحالف مع جيل الضباط الجدد.
إن النتائج الغير متوقعة وسقوط ولد الطايع ونظامه، وخروج اعلي ولد محمد فال، باعتبار هذين الأخيرين آخر ضباط انقلاب العاشر من يوليو الذين ألفت الحركات السياسية التعامل معهم، قد حتمت على قادة الحركات الإيديولوجية إعادة النظر في استيراتيجيتهم بعد ظهور لاعب جديد اسمه صناديق الاقتراع أفقدهم مكاسبهم وبات يهددهم بالانقراض في القريب العاجل، هذا بالإضافة إلى ظهور طبقة سياسية، مدينة فقط للديمقراطية وصناديق الاقتراع بما حققته من مكاسب سياسية.
لاستعادة مكانتها المفقودة بات لزاما على الحركات الأيديلوجية ذات الباع الطويل في العمل السري، إيجاد صيغة تكبح أولا جماح الطبقة السياسية الناشئة وتضع حدا لنمو نظام أصبحت الكلمة الفصل فيه لصناديق الاقتراع. للوصول إلى أهدافها بنت الطبقة السياسية المؤدلجة استيراتيجيتها السياسية على تحليل مفاده أن الديمقراطية الوليدة في موريتانيا، من الصعب عليها أن تنجح في ظل تراجع مثيلاتها، في كل من الجارتين الشرقية مالي والجنوبية السنيغال ووجود نزاع الصحراء الغربية في الشمال. ينضاف إلى ذلك بعد إقليمي جديد يتمثل في تبني الاتحاد الافريقي مبدأ رفض الاستلاء على الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، وهو مبدأ نجح في إفشال إنقلاب فورانياسنيكي اياداما في التوغو وكذلك رفض الإطاحة بنظام أحمد التيجان كبا المنتخب في السيراليون. لقد جزمت -إذن- الحركات الايديولوجية بأن زمن العسكر كلاعب سياسي قد ولى إلى الأبد. ففسخت تحالفها مع الجيش. لقد اختفى إذن جيل ضباط الأحكام الإستثنائية وظهر جيل جديد يتوق إلى تطبيق النموذج التركي. بات فرس رهان الحركات الايديولوجية الرئيس المدني الطاعن في السن، فبدأت مساعي الاحتواذ عليه وإبعاده عن الطبقة السياسية الجديدة وجيل الضباط الجدد، الذين جاؤوا به إلى سدة الحكم بعدما فشل في الحصول على منصب رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات فصار حلمه ينحصر في الحصول على وساطة تمكنه من اعتماده قنصلا شرفيا لجمهورية النيجر في موريتانيا. لقد تأكد مسعى الحركات السياسية في مقابلة رئيس حزب اتحاد قوى التقدم، في برنامج "ضيف الساعة"، الذي كانت تبثه التلفزة الموريتانية، حيث قال: "إننا نحاول مساعدة الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله في التخلص من قوى الجمود". لقد نجحوا فعلا في الإيقاع بين ولد الشيخ عبد الله والقوى التي جاءت به، فتنكر لحلفائه وبدأ يعتمد على الحركات السياسية.
شكل ولد الشيخ عبد الله حكومته الثانية، فأقصى منها الأغلبية البرلمانية. ودخلت التشكيلة الجديدة أحزاب اتحاد قوى التقدم والتحالف الشعبي التقدمي الذي كان ممثلا في الحكومة الأولى و"تواصل"، بثمان وزراء في حين عين أربعة وزراء من الحركة الوطنية الديمقراطية التي تشكل امتدادا لاتحاد قوى التقدم كممثلين لحزب "عادل"، بالإضافة إلى الوزير الأول يحي ولد أحمد الواقف وهو ناصري. دون أن يجدوا حرجا من استمرار الحكومة في إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني. بهذا التوليفة الوزارية ظهرت ولأول مرة في التاريخ ديمقراطية بأقلية حاكمة وأغلبية في المعارضة. ولد -إذن- هذا الوضع المختل، ولأول مرة في تاريخ البلد صراعا بين جيل سياسي قديم، يستمد شرعيته من ايديولوجيات أجنبية ذات تاريخ طويل في العمل السري والتحالفات مع الأنظمة العسكرية المتعاقبة وجيل سياسي جديد، يدين فقط لصناديق الاقتراع التي جاءت به، تمثل في نواب الجمعية الوطنية.
إن هذا الصراع الذي مازالت تدور رحاه تحت قبة الجمعية الوطنية ويعطيها حيوية وفاعلية أكثر من زميلتها قبة مجلس الشيوخ، ليدفع إلى طرح التساؤل حول مستقبل الجمعية الوطنية التي ستفرزها الانتخابات التشريعية المقبلة.
إن الأحزاب السياسية القائمة على أنقاض الحركات الأيديولوجية توجد اليوم في وضع لا تحسد عليه. من ناحية فقدت حليفا مهما يتمثل في المؤسسة العسكرية بل أصبحت أشد أعدائه ومن ناحية أخرى سلبت العديد من الملفات التي كانت تتبناها مثل مناهضة العلاقات الموريتانية الإسرائيلية ومحاربة الفساد، والدفاع عن الطبقات الفقيرة التي أصبح في الحلبة السياسية رئيس، يعتمد عليه جيل السياسيين الجدد، يتسمى بها.
إن الطبقة السياسية العتيدة أشبه اليوم بمحارب يخوض حربا بسلاح بلا ذخيرة. في ظل وضع كهذا يبقى لزاما على متتبعي الشأن المحلي الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الطبقة السياسية العتيدة قادرة على قلب موازين القوى والعودة بقوة إلى دهاليز الجمعية الوطنية، أم أن الغلبة ستكون لجيل السياسيين الجدد. ريثما تتضح الأمور تبقى أنفاس الموريتانيين محبوسة إلى أن تنطق صناديق الاقتراع وتتضح معالم البرلمان الذي ستحمله عواصف الانتخابات.

نقلا عن الأخبار